(1)
في الرابع من نوفمبر عام 2008، وأبان فوز باراك أوباما على جون ماكين في السباق الرئاسي الأمريكي، كتبت مقالا تحت عنوان “أوباما المنتظر”، وأقتبس منه ما يلي:
“أستطيع القول بأن هنالك إجماعا بشريا كونيا على الفرحة بفوز باراك أوباما، حيث احتفل الناس في أقاصي الدنيا ببزوغ فجر جديد لسكان هذا الكوكب. لكن وللأسف، في جزء صغير من مساحة هذه الأرض، وفي بقعة تدعى السودان، حزن الأغبياء على الزلزال الذي ضرب إحدى ضفتي الأطلسي، فارتفع الموج في الضفة الأخرى حاملا الحرية والحب للناس أجمعين.
أكثر ما أحزنني هو موقف بعض السودانيين من فوز السيد أوباما. أنا أتفهم وبعمق خوف القلة في السودان من أي تغيير داخلي، لكن لا أستطيع التحمل، ناهيك عن تفهم، حزن رجل أسود أو امرأة سوداء لفوز رجل أسمر وأكثر قربا منهما إلى البياض برئاسة دولة أخرى، لمجرد أن ذلك الرجل الفائز لا يدعي الانتماء إلى أعراق الآخرين، فأطلق عليه لفظ الرجل الأسود، بينما تلك المرأة السوداء والرجل الأسود السودانيان يتشبثان بعرق هو بريء منهما. لكن باسم ذلك العرق يقتلان ويظلمان، وهنا أجد العذر”.
انتهى الاقتباس.
(2)
واليوم، وبرغم اختلاف مضمار السباق الانتخابي، إلا أن التاريخ يعيد نفسه بعد ما يقارب العقدين، بفوز الديمقراطي التقدمي المسلم عبدالرحمن السيد على منافسه الجمهوري المدعوم من قبل كل من اللوبي اليهودي والرئيس ترامب، السيد مايك روجرز، بمقعد مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية ميتشيغان، كأول أمريكي مسلم بالمجلس المرموق، رغم الأموال الطائلة التي صرفت وحملات التحريض التي شنت ضده.
(3)
فوز الطبيب الأمريكي المنحدر من أصول مصرية، الدكتور عبدالرحمن السيد، ليس فوز مرشح حزبي على آخر، إنما هو فوز للإنسانية والخير والسلام والقيم النبيلة على الغطرسة والأنانية والشر.
التقدم الكبير الذي حققه الحزب الديمقراطي في انتخابات التجديد النصفي، في مجلسي النواب والشيوخ، هو استفتاء من قبل الشعب الأمريكي على رفض سياسات الإقطاعي العنصري دونالد ترامب الداخلية والخارجية معا، وفي مقدمتها الرعاية الطبية والتعاطي مع ملفات الشرق الأوسط على التوالي.
الرئيس ترامب الذي حول الإدارة الأمريكية في عهده إلى إقطاعية أسرية، حيث يتولى صهره جاريد كوشنر، زوج ابنته إيفانكا، ومسعد بولس، والد زوج ابنته تيفاني، أدوارا مركزية في ملفات الخارجية الأمريكية، حيث يعتقد على نطاق واسع بأنهما قد استغلا موقعيهما للتربح التجاري من خلال ابتزاز كيانات براميل النفط العربية والتي أغدقت عليهما بالمليارات، لم يكن قد نام ليلة الأمس.
(4)
برغم أن الإقطاعي دونالد ترامب قد استبق الناس في إطلاق لقب الرئيس فيتو على نفسه، إلا أن الفوز الكبير للديمقراطيين لا يضع حدا للفوضى التي اتسمت بها فترة رئاسته الثانية فحسب، إنما يفتح الباب واسعا أمام محاسبة ومساءلة لم تشهدها الولايات المتحدة من قبل.
أمام السيناتور عبدالرحمن السيد الكثير من الوقت والجهد، لكن مساره السياسي، وانتصاره على المال والتحريض معا، ورفضه أموال لجان العمل السياسي وتمسكه بقضايا العدالة الصحية والسلام، يجعل من وصوله يوما ما إلى المكتب البيضاوي كأول أمريكي مسلم احتمالا جديا وليس مجرد أمنية، بينما يجد صاحب عقلية تاجر الأواني المنزلية المستعملة في السياسة الدولية، السيد دونالد ترامب، نفسه أقرب من أي وقت مضى إلى المحاسبة القانونية والتاريخية.
(5)
من المهم أن نذكر إخوتنا الذين أداروا الدولة السودانية بغباء فاحش منذ الأول من يناير 1956م حتى تاريخ يومنا هذا، وأوصلوا دولة كان يعادل جنيهها يوم مغادرة المستعمر حوالي 12 دولارا أمريكيا إلى وضع يساوي فيه الدولار الواحد ما يزيد عن آلاف من الجنيهات السودانية، المزورة من قبل المصريين أو الإماراتيين وغير المزورة، بجانب تدمير البلاد والعباد ونشر الكراهية والعنصرية والجهوية والتخلف؛ بأنه من المهم أن تتاح الفرصة ولو لمرة واحدة لسوداني غير منحدر من الشريط النيلي.
سبعون عاما من احتكار السلطة لم تنتج إلا الحرب والانقسام والفقر. سبعون عاما من إدارة التنوع بالإنكار والعنف لم تنتج وطنا واحدا. فلماذا لا نجرب مرة واحدة من يرى السودان كله وطنه، لا امتدادا لقبيلة أو جهة أو شريط؟
لعله قد يأخذ بالوطن وإنسانه إلى النماء والإخاء والرخاء.
د. حامد برقو عبدالرحمن
