في هذا المنعطف القاتم من تاريخ السودان لم تعد الأزمة أزمة حرب ولا أزمة سلطة ولا حتى أزمة دولة فقط الأزمة أصبحت أزمة منطق. منطق مقلوب وفاسد. منطق يرفع القاتل إلى مرتبة الشريك الوطني ويهبط بالضحية إلى خانة المتهم. لقد تحولت العدالة في السودان إلى كوميديا سوداء بطلها الإفلات من العقاب وكومبارسها المواطن البسيط الذي لا يملك سوى جسده ليحميه.
فمن حمل السلاح ونهب البيوت وروّع المدنيين وأدار اقتصاد السلب والاغتصاب والحرق يمكنه في لحظة ما أن يعود إلى حضن الوطن. حضن الوطن هذا بالمناسبة صار يشبه حضن عملاق من الإسفنج يتسع للجميع بشرط أن تكون مسلحاً أو نافذاً أو مطلوباً للعدالة الدولية. أما المواطن المسكين الذي بقي في بيته لأنه لم يجد طريقاً للنزوح أو لأن الفقر كان يربط قدميه إلى الأرض فهذا مطلوب منه أن يثبت براءته من الجغرافيا نفسها. نعم فالجغرافيا في السودان اليوم ليست علماً بل تهمة لأن وجودك في منطقة سيطر عليها الدعم السريع صار جريمة محتملة في قانون اللا دولة
المواطن السوداني صار يقف مذهولاً فاغراً فاه وهو يشاهد مشهداً يصلح لفيلم كوميدي أسود يخرج فيه القاتل من الباب الأمامي مكرّماً ومحمولاً على الأكتاف تتبعه كاميرات الإعلام الرسمي بينما تُسحب الضحية من الباب الخلفي إلى منصة الإعدام لأن العدالة قررت أن وجوده في المكان الجغرافي الخطأ جريمة لا تغتفر
. السودان اليوم لا يُدار بمنطق الدولة وانما يدار بمنطق عصابة لديها مكتب علاقات عامة عصابة تعرف كيف تبتسم أمام الكاميرات وكيف ترفع شعار الوطن فوق الجميع بينما تضع الجميع تحت البوت. فالدولة حين تفقد معيارها الأخلاقي تتحول إلى جهاز انتقائي يوزع البراءة والإدانة حسب الولاء لا حسب القانون دولة يصبح فيها القانون أداة انتقام لا أداة عدل.
إننا نقف اليوم أمام واقع لا يمكن وصفه إلا بأنه عهد اللا عدالة. عدالة تفتح أبوابها الأمامية للمتورطين في القتل والنهب والاغتصاب وتفتح أبوابها الخلفية لجرّ الأبرياء نحو المشانق. عدالة لا تبحث عن الحقيقة وانما تبحث عن الضعفاء لتثبت قوتها وعن الأقوياء لتثبت ولاءها.
لقد أصبح السودان اليوم مسرحاً كبيراً لكوميديا سوداء مكتملة العناصر: فالقاتل بطل والضحية مشتبه به والناهب رجل دولة والفقير خائن محتمل ومن أشعل الحرب عاد لرشده ومن نجا من الحرب يحتاج إلى تحقيق
والمشهد الأكثر سخرية أن السلطة تطلب من المواطن أن يثبت أنه لم يتعاون مع الدعم السريع رغم أنه كان فقط يحاول ألا يموت وتطلب منه أن يختار الجانب الصحيح رغم أن كل الجوانب كانت تطلق النار.
أن ما يجري في السودان لم يعد مجرد خلل في الحكم ولا مجرد حرب بين أطراف متنازعة ما يحدث الآن هو انهيار كامل لمفهوم الدولة وانقلاب شامل على معنى العدالة.
في أي كتاب عدالة في العالم يمكن تفسير هذا المشهد؟
عدالة تجعل من الضحية متهماً ومن الجاني بطلاً قوميا عدالة يتحول فيها القانون إلى سوط يُرفع على رقاب الفقراء بينما يتحول إلى مظلة تحمي أصحاب النفوذ عدالة تُحاسَب المواطن لأنه لم يمت بينما تكافأ من تسبب في موت الآلاف.
في هذا الزمن المكسور من تاريخ السودان لم تعد الأزمة أزمة حرب ولا أزمة سلطة ولا أزمة دولة فقط لكن الأزمة أصبحت أزمة كرامة وأزمة شعب يُطلب منه أن يصفّق لجلاده وأن يبتسم وهو يُقاد إلى المشنقة وأن يصدّق أن القاتل شريك وطني بينما الضحية مشتبه به. هي ليست أزمة قانون هي أزمة احتلال داخلي احتلال يمارسه من يظنون أن الشعب بلا ذاكرة وبلا صوت وبلا حق أيضا
هذه ليست كوميديا سوداء فقط هي صفعة في وجه كل أم دفنت ابنها وكل امرأة اغتصبت وكل أسرة فقدت ربها وبيتها وكل مدينة احترقت بينما كان القتلة يفاوضون على مقاعدهم في المستقبل
إنها عدالة الكيزان: عدالة تُعيد تدوير المجرمين وتعيد إنتاج الخراب وتعيد كتابة التاريخ بيد من لوّثوا الجغرافيا بالدم. لكن ما لا يفهمه الكيزان ولن يفهمونه أبدا هو أن الشعوب مهما طال صبرها لا تنسى. وأن الثورة مهما خفت صوتها لا تموت. وأن العدالة مهما شوهوا وجهها ستعود يوماً بوجهها الحقيقي، وجه الشعب.
إن السودان اليوم بحاجة إلى عدالة حقيقية لا عدالة انتقائية عدالة لا تفرّق بين دم ودم ولا بين رتبة ورتبة ولا بين لون ولون ولا بين عرق وعرق ولا بين مواطن ومواطن. عدالة لا تُدار من غرف السياسة ولا تُفصّل على مقاس التحالفات ولا تُستخدم كأداة لتبييض الجرائم.
إن السودان لن ينهض بالمصالحات الزائفة ولا بالصفقات التي تُبرم خلف الأبواب المغلقة ولا بإعادة تدوير من دمّروا البلاد. السودان لن ينهض إلا بـعدالة حقيقية ومحاسبة شاملة ومسؤولية لا تعرف الاستثناءات.
وفي النهاية يبقى السؤال الساخر المرّ: هل نحن أمام دولة؟ أم أمام مسرحية كيزانية طويلة أبطالها مسلحون وضحاياها مواطنون وجمهورها يُجلد إذا لم يصفّق
abdalla_gaafar@yahoo.com
Dr. Abdalla Gaafar Mohamed Siddig
