طالعت النصيحة التي قدمها الكاتب الحازِق عبدالباقي الظافر عبر عموده الصحفي لرئيس القضاء والتي طالبه فيها بعدم حضور دعوة العشاء التي قدمها له رجل الأعمال محمد المأمون عبد المطلب وشهرته “ود المامون” والتي زعم فيها الأخير أنه يريد بها تكريم رؤساء القضاء الأفارقة الذين وفِدوا لحضور مؤتمر بالخرطوم، كما شملت الدعوة شخصيات أخرى ذات وزن وصحفيين من بينهم عبدالباقي الظافر نفسه، لأنه يرى – أعني الظافر – أن صاحب الدعوة قصد منها تدعيم موقفه وفرد عضلاته أمام خصمه في نزاع قضائي حول مصنع قيمته مائة مليون دولار (رأس الخيمة للسيراميك) بأن يُظهِر لغريمه مكانته ودلاله في عيون رئيس القضاء من واقع الصور والتقارير التي لا بد أن ينشرها على الملأ الصحفيون الذين شملتهم المَكرَمة.
وبحسب ما كتبه الظافر، أن ما جعل ذهنه ينصرِف إلى أن هذه دعوة ملغومة وليست لله فلله، هو أن مثل هذه الحيلة (الإستقواء بأصحاب السلطة) وفي هذه القضية بالذات له سوابق وجذور، فالطرف الثاني في النزاع قام هو الآخر في وقت سابق بنشر صورة فوتوغرافية بالصحف أثناء سير القضية وهو يقف كتفاً بكتف مع مساعد رئيس الجمهورية، ويرى صاحب العمود أن كلا الطرفين يرميان من هذا العمل التأثير على سير العدالة بما يحقق لهما كسب الدعوى.
جوهر القضية التي تستحق النظر من رئيس القضاء هي السبب الذي جعل شخص بهذا الوصف يمتلك الجرأة في التقدّم إليه بهذه العزومة من الأساس، ويتحسس حوله عن وجود الثغرة التي حملت صاحبها لإقامة المأدبة بإختلاق مناسبة لا علاقة له بأطرافها (رؤساء قضاء أجانب)، فالذي جعل أهل المال والأعمال وطالبي الثراء في هذا الزمن يستقصدون التقرّب من كبار المسئولين في الدولة هو أنهم إنتهوا إلى معرفة أن جهاز الدولة لا السوق هو الذي يُحقق لهم الثراء، وأن الطريق للثروة يبدأ وينتهي بتأشيرة قلم من مسئول بترسية عطاء أو إسناد مقاولة يتم التعرف عليه بمثل هذه الولائم وتُحقق لهم في ربع ساعة زمن ما تحققه التجارة بمعناها الصحيح في عقود. أنظر إلى أثرياء اليوم، ثم أحسب كم إستغرقت رحلة تحوّل الواحد منهم من عاطل ومُعسِر ومُتسكّع في النواصي إلى صاحب ملايين فجأة له كلمة وأحباب ومريدون، من بينهم أفندية وضباط ومسئولين. أنظر إلى الذين حققوا الثروات التي تراها العين اليوم في قصورهم ويخوتهم وأسفارهم ودِعة عيشهم، هل ترى بينهم من حقّق ذلك من تجارة في السوق أو زراعة في الأرض؟
في عهد مضى، حقق مشاهير رجال الأعمال ثرواتهم عبر رحلة عمر في التجارة والزراعة، فقد بدأ تاجر مثل الشيخ مصطفى الأمين تجارته بزراعة الفول السوداني بمنطقة “تندلتي” في النيل الأبيض، وكان يمضي معظم أيامه في “راكوبة” من القصب في الخلاء للإشراف على زراعته بنفسه، ثم طوّر زراعته في كل منطقة خور أبوحبل في نواحي السميح والرهد، ثم قام بعد ذلك بإنشاء معصرة زيوت بدائية في تندلتي كان يتم فيها طحن وعصر الفول عن طريق حجر ضخم يدور به جمل مثل الساقية، ثم إنتقل إلى الخرطوم بعد أن أنشأ معاصر زيوت حديثة، وحينما أصبح واحداً من أكبر أثرياء السودان، كان عمره قد تجاوز الخامسة والستين، وقد ساهم معه أبناؤه في بناء الثروة، والشيخ مصطفى الأمين ليس وحده الذي شقِي وأفنى عمره في تكوين ثروته حتى لم يبق له من العمر ما يجعله يستمتع بإنفاقها، فقد فعل مثله كل أثرياء ذلك الزمن، فقد بنى البرير الكبير مجده من تجارة الشاي عبر سنوات طويلة وقد طوّر إبنه مأمون التجارة بدخوله مجال الصناعات التحويلية، فهو أول من أدخل صناعة صابون الحمام المتطور “فونا” ومسحوق صابون الغسيل ثم دخل مجال الصناعات الغذائية، ومثله أيضاً عثمان صالح الذي كان يعمل في تجارة المحصولات والدقيق، وعبدالمنعم محمد (سُمّي بإسمه ميدان عبدالمنعم المواجه لمحلاته)، والصادق أبوعاقلة الذي بدأ تجارته كمقاول صغير وكان أول من أنشأ مصنعاً للحديد والصلب، وأبوالعلا الذي بدأ بتجارة الأرز والأواني المنزلية ثم إنتهى إلى وكيل سيارات المارسيدس وكذلك الشنقيطي وعلي دنقلا وغيرهم مئات الأسماء التي لم يعد لها ذكر اليوم.
لم يعرف أيّ من هؤلاء الرجال الطريق إلى أبواب الوزراء والمسئولين، ولم يسعوا إلى معرفتهم أو التقرّب إليهم، وكانوا يُمسكون بدفاتر دقيقة لحساب الدخل والمصروف ويسددون عن طريقها ما عليهم من ضريبة، ولم يسع أيّ منهم لموقع يحقق له شهرة أو شعبية، مثل إتحادات الكرة والأندية الرياضية، وكانوا يتمثلون بمعاني الدين ومقاصده لا شكله، فقد كانوا يقصدون الفقراء في بيوتهم تحت جُنح الظلام ليوزعوا عليهم زكاة المال، وقد جعل كثير من هؤلاء التجار قسماً كبيراً من ثرواتهم أوقافاً يُنفق منها على الطلبة الفقراء والمعسرين ولا تزال كذلك حتى اليوم.
بالعودة للموضوع، من هو “ود المامون” الذي يريد أن يستضيف رئيس القضاء وكبار القوم لمائدته؟
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم