بسم الله الرحمن الرحيم
عن تجربتي مع الأشباح في اليوم العالمي لمناهضة التعذيب
-رواها وحررها: عادل سيد أحمد
(2/2)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته جميعاً أينما كنتم في مشارق الأرض ومغاربها، ونحن الآن بصدد عمل تسجيل ثاني بعد الفيديو الأول الذي صدر عن التعذيب، أو عن تجربة الاعتقال في بيت الأشباح بطلب من الجبهة الديموقراطية للمحامين بمناسبة الاحتفاء باليوم العالمي لمناهضة التعذيب.
وهو فيديو كانت مدته حوالي (14) دقيقة، اطلعوا عليه بعض الناس ووصلتني ملاحظات أهمها ملاحظات من صديق تركَّزت في نقطتين:
النقطة الأولى
إن التعذيب في عهد الإنقاذ، الذي استمر ثلاثين سنة إنقاذاً صِرفاً تلتها فترة الخمس سنوات من الإنقاذ المُمَوَّه، لتصير المدة الكاملة خمسة وثلاثين سنة، لم يقتصر على بيوت الأشباح فقط، وقد كان القهر عملية مستمرة بدأت منذ قيام الانقلاب في الثلاثين من يونيو 1989م. وحتى الآن تجري الملاحقة والمساءلة والتعذيب وغيرها.
لمحة الاعتقال في بيت الأشباح لمدة مائة يوم هذه تُعبر عن حالة كثيفة من التعذيب والاعتداء عليَّ، لكن هناك اعتداءات ظلت مستمرة منذ تخرجي في نوفمبر 1989م. وحتى الآن.
الجانب الثاني، كنت قد ذكرت إن الاعتقال أثر عليَّ نفسياً وأنني أعاني من الآثار النفسية للاعتقال حتى الآن، فأيضاً طلب مني الصديق، بشكلٍ خاص، التفصيل في هذه النقطة بالتحديد.
وأبدأ بأننا تخرجنا، أنا وزملائي، وكنا من الناس الذين تخرجوا في بداية عهد الإنقاذ سنة 1989م. كنا محرومين من حق العمل في الحكومة، لأنهم كانوا يشترطون الولاء، وحتى الناس الذين كانوا يعملون في الحكومة فصلوهم للصالح العام، فلم تكن لدينا الفرصة، إذن، لأن نتعين في الحكومة. أيضاً ليس لدينا فرصة لأن نتعين في القطاع الخاص، لأن القطاع الخاص يطلب خبرات كان يكتسبها الخريجون بشكل طبيعي بالعمل في الحكومة لمدة سنة أو سنتين أو ثلاثة، بعدها ينتقلوا للقطاع الخاص. لكن القطاع الخاص لا يقبل خريجين جدد (Fresh graduates).
أيضاً في تلك الفترة كان السوق يتطلب رأس مال لم يكن عندنا باعتبارنا شباب يافعين من أسر متوسطة الحال.
فهذه الثلاثة منافذ أقفلت علينا.
وفي تلك الفترة، بالذات، نشأت فكرة اللجوء السياسي والهجرة الدائمة من السودان وكذا، وارتاد الناس الولايات المتحدة الأمريكية وأروبا وغيرها، وغادر كم هائل من الشباب المهاجرين واللاجئين السودان إلى غير رجعة. هذه مفاهيم كانت جديدة في سنة 90-1991م. كانت جديدة علينا ودخيلة على المجتمع السوداني. وقد نشأت في تلك اللحظة بموجب الثلاثة عوامل التي ذكرتها الآن.
بالنسبة لي أنا فقد ظللت مقيماً في السودان منذ 1989م. إلى 2009م.، وأول فرصة اتيحت لي للخروج من السودان كانت بعد عشرين سنة من التخرج.
وفي هذه العشرين سنة حاولت أن أعيش كغيري من بقية الناس، وكأي شاب تعتمد عليه الأسرة، ومتخرج من كلية مرموقة وهي الهندسة الميكانيكية.
وحاولت أن أجد عملاً في أكثر من جهة، لكنهم كانوا يفصلوني بعد شهرين من التعيين، قبل أن يتم تثبيتي، وقد تكرر ذلك في أكثر من ثلاث حالات.
ولكي تجد وظيفة، من الأساس، كانت مشكلة، يعني تقدم هنا، وتقدم هنا، وتقدم هناك فلا يختاروك. فعشت فترة عطالة متقطعة لسنوات طويلة.
في فترات العطالة هذه فكرت أن أسجل لدراسة الماجستير في جامعة الخرطوم، وعملت محاولتين فاشلتين، أما الثالثة فنجحت بعد عشرة سنوات، ودرست ماجستير التصميم الهندسي في عام 2010 مع مجموعة من الشباب في أكاديمية السودان للعلوم، ولكن بعد سنتين من تخرجنا حلَّت وزيرة التعليم العالي الأكاديمية، وألغت تاريخها، وحرمتنا من حقنا في استخراج وتوثيق حتى الشهادة التي أنفقنا في الحصول عليها مدة سنتين.
وهذه، تقريباً، هي معالم المطاردة والملاحقة وغيرها، بالإضافة إلى الخوف، فأنت تكون متوجساً بشكلٍ دائم، يعني في أي لحظة لاحظت أن شخصاً يسير خلفك بخطوات سريعة تتخيل أنه عنصر من عناصر الأمن يتابعك، أو لو دق الباب بعد منتصف الليل تتخيل أنهم ناس الأمن وقد جاءوا ليقبضوك.
هناك حالة من التَّوجُّس استمرت لمدة العشرين سنة هذه.
وفي خلال هذه الـعشرين سنة فقدت جُل قدراتي في الخطابة، وأنا كنت كادراً خطابياً من المتحدثين باسم الجبهة الديمقراطية في جامعة الخرطوم. وفقدت قدرتي على الكتابة وقد كنت محرراً رئيسياً في جريدة الجبهة الديمقراطية الحائطية في جامعة الخرطوم وهي (مساء الخير). كما كنت عضوٌ فاعلاً جداً في (جمعية الثقافة والإبداع) بكلية الهندسة جامعة الخرطوم.
كل هذه القدرات والمهارات وغيرها تلاشت إلى أن اندثرت ولم أستطع أن استعيدها إلا بعد مرور زمن، بعد كذا شهر بعد أن غادرت إلى الخليج في 2009 حيث بدأت أكتب سلسلة مقالات أسميتها (بعض ما جرى) وقد كانت بمثابة المناجاة للذات، وكتبت فيها لكي أناجي نفسي وأحدِّثها عما جرى في الـعشرين سنة التي انصرمت هذه، وكيف بدل الله حالي من حالٍ إلي حال، بموجب العذاب، والضغوط، والإرهاب الذي انتهجته الجبهة الإسلامية القومية.
آمل بهذا أن أكون قد غطيت النقطة الأولى.
بالنسبة للنقطة الثانية:
فقد وقع لي (انهيار عصبي) في سنة 2000م.، بعده صارت تنتابني نوبات من الغضب العارم، شُخصت على أنها انفصال وجداني ثنائي القطبية (Bipolar disorder)، أدخل بموجبها المصحة النفسية، لأقيم فيها حوالي الأسبوعين، وتكون تلك الفترة للعلاج المكثف، ثم أخرج من المصحة النفسية وأتناول علاج مدى الحياة (For life).
وتكررت هذه النوبات بين خمس إلى ثمان نوبات، وأنا لا أتذكر عددها بالضبط.
في كل مرة كنت أقيم في المستشفى النفسي سواء داخل السودان أو خارجه، مدة حوالي الأسبوعين تقريباً.
فهذه، إجمالاً، الردود على الملاحظتين أو التوضيحات التي طلبها صديقنا العزيز.
وافتكر إنها كملت الصورة مع الفيديو الأول حول تجربة الاعتقال، والتعذيب، والملاحقة والتشريد في زمن الجبهة الإسلامية البغيض.
amsidahmed@outlook.com
