قصة قصيرة/ الزجاجة
بقلم / عمر الحويج
مقدمة :
“عن ليلة الثاني والعشرين من يوليو 1971م ” أو سمِّها : ليلة انكسار المدينة ، وفوضاها العارمة ، حين كان الرعاع يُرعدون ويُرعبون مرددين : (عايد .. عايد يا نميري) وبعيدًا كنت هناك .. بخيالي أخطُّ وأرصد ، حين اكتملت في ذهني ملامح هذه القصة ، وأنا في قطار الهَمْ ، مهرولًا بحثًا عن الأمان في غير المكان . وفي ذكراها ، ما زلت لكم أحكيها .”
تفضل بنشرها في زمانها ، يوم الاثنين الموافق 16 / 7 / 1973م ، الصديق الراحل / القامة / العلامة / طه الكد في صفحته الثقافية بصحيفة الأيام . ثم ضمتها مجموعتي القصصية ( إليكم أعود وفي كفي القمر) الصادرة عن دار عزة للنشر عام 2009 م
وإليكم القصة القصيرة / الزجاجة :
الجرعة الأولى :
ملعونون .. ملعونون .. أيها النقاد – والقراء أيضاً – الضاجعون الآن مع عشيقاتكم ورفيقاتكم وصديقاتكم .. وعيون حبيباتكم ، إذا التفَتُّم إلى ضعف التكنيك في هذه القصة .. فقد كُتِبَت أثناء سريان أحداثها .. وساعتها لم تكونوا معي .. معنا .
الجرعة الثانية:
رغم الإغراءات الوافرة في حَلّْ مشكلتي نهائيًا أو تجميدها على أقل تقدير ، لمدة ستة أيامٍ بفعل الحلم المسحوب على شرف التذكرة الرابحة ، إلا أنني لم أفكر لحظة واحدة في ممارسة لعبة (التوتو كورة) ولنفس الأسباب ، والتي لم أذكرها بعد ، لم أحاول يومًا الإعتماد على قوى خارجة عني ، بما فيها بركة جدي الشيخ حامد أب عصاةً سيف ، في حلّ مسائلي المعلقة ، إلا أنني قبل ساعة فقط من الآن حدثت لي حالة ، تمنيت فيها من سائق بص – تصوروا – ليست التذكرة الرابحة ولا القوى الخارجة عني – بما فيها جدي سالف الذكر – أن يخرجني من هذا المأزق الذي أوقعتني فيه الظروف ، والتي لن أذكرها – ربما نكاية بكم – مما اضطرني لشتم ذلك الجد الذي لم يجعلني وارثًا لعصاته العظيمة تلك – حسب ما روي لي عنها من بطولات – لإضافة بطولة جديدة لها ، بالضرب المبرح بها ، على قفا وظهر وبطن ذلك السائق ، الذي تفادى كل العوائق في سبيل تأمين وصولي سالمًا إلى هذا المكان .. غير السالم .. غير الآمن .
الجرعة الثالثة:
(ثم ماذا بعد أن تنتهي الزجاجة) .
مع نفسي أتحادث فلا تحاولوا أن تحشروا أنوفكم في ما لا يعنيكم .
الجرعة الرابعة:
هنا مرت بي خاطرة إنقاذ تشبثت بها .. تلك القطة التي كانت تتشمم حولي قبل دقائق .
برغم فشلها في الخروج مني بغنيمة ، إلا أنني شعرت أنها عقدت معي صداقة ، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك ، فقد خيل لي ، أنها تدعوني .. مما جعلني أزحف نحوها وفي نيتي صادقًا تلبية الدعوة الكريمة : ولكن ها أنتم ترونني قابعًا في ركني حزينًا عليها – أعني القطة لا الدعوة – فقد دهسها سائق بص – عندي الرغبة في الحديث عنه في جرعة قادمة فترقبوها – أما القطة ، لها الحزن، فقد حملت رأسها على كتفيها في سبيلنا .. لها الرحمة و… وإنما الأعمال بالنيات.. ولها منا كل الشكر .
الجرعة الخامسة :
الطفل .. إنه يعود .. إنه يمشي .. إنه يجلس .. إنه يقف .. إنه ينظر .. إنه .
الجرعة السادسة :
إنه نفس السائق في قصتي – دائرة الضوء البيضاء – لو تذكرونهاو.. لا تؤاخذوني إذا افترضتُ فيكم حسن النية في متابعة كتاباتي .. في تلك القصة على ما أذكر سائق البص -يتحدث ، ولكن ليس كالآخرين – نفس الشيء يفعله هذا السائق الـ…الـ…الـ .
الجرعة السابعة:
هذا المذيع ، ذو النبرات الجوفاء .. إنه يحوم بصوته اللزج حول طبلة أذني ، منذ الجرعة الثانية ، يعلن أنه سوف يسافر بنا من الخرطوم إلى أثينا إلى لندن .. إلى نيويورك .. إلى كوبنهاجن .. إلى .. إلى .
الجرعة الثامنة:
تركني هذا المذيع الجلف بدعوى أنني لم أستخرج جواز سفر مثل الآخرين .. طُظ .. !! .
الجرعة التاسعة :
آه .. ولكني لست وحدي ، معي ذلك الطفل ، الذي يمشي .. الذي يقف .. الذي يجلس.. الذي ينتظر .. الذي لم يستخرج أيضاً جواز سفر .. طُظ .. !! .
الجرعة العاشرة :
(ثم ماذا بعد أن تنتهي الزجاجة !! ) .
مع الطفل أتحادث فلا تحشروا أنوفكم في ما لا يعنيكم .
الجرعة الحادية عشر :
إنه يمشي…. …. …. … إنه يعود…. …. .. إنه ينتظر…. … إنه يقف…. …. .. إنه يريدها أن تنتهي .
الجرعة الثانية عشر :
حبيبتي تجعلني الآن في حُلمِها ، أنام فوق حضنها .. لو تعرف أين أنا الآن .. لانتحر ذلك الحلم بداخلها .
الجرعة الثالثة عشر :
شروع الحلم في الانتحار لستُ مسؤولًا عنه أنا ولا حتى حبيبتي .. فماذا تريد يا هذا !!؟؟ .. ولكن حين وصلني ، عرفت أنه لم يكن قد أتى بهذا الخصوص ، فقد أخبرني – رجل الشرطة هذا – أن الجلوس في هذا الوقت ، وفي هذا المكان ، ومع هذه الزجاجة ، ليس لائقًا بشخص محترم مثلي .. فلأذهب بها إلي حيث -الأمكنة المحترمة- وهي كثيرة جدًا ، لو سمحت ، أضافها إلى حديثه : تصورا أنه كان جد مهذب .. لم أصدق نفسي .. ليس لأن رجل الشرطة كان مهذبًا معي ، وإنما للطفل .. إنه يبكي .
الجرعة الرابعة عشر:
تعارفنا منذ الجرعة الأولى ، ولذلك يمكن لنا أن ندخل في حوار مع بعضنا البعض ، ويمكن لكم أن تعتبروها فترة استراحة – كما يحدث في السينما والمسرح أو حتى الملاهي . ولتذهبوا أثناءها لتفتحوا بلاغًا ضدي عند رجال الأمن أو… فلتأخذوا ساندوتشًا من لحم الخنزير ، إذا كنتم من ذوي الآراء الحادة في المسائل الدينية أو الدنيوية .
الجرعة الخامسة عشر :
الحوار :
أنا : لا أريد لها أن تنتهي .
هو : أريدها أن تنتهي .
أنا : لا أريدها أن تنتهي .
هو : أريدها أن تنتهي .
الجرعة السادسة عشر :
يبكي .. هو .
الجرعة السابعة عشر :
أضحك .. أنا .
الجرعة الثامنة عشر :
عودوا الآن من حيث كانت استراحتكم بشرط أن لا تكونوا قد فتحتم ضدي بلاغًا تحت مادة السُكر البين أو أية مواد أخرى مشابهة : ولأثبت لكم أنني لست واقعًا تحت طائلة أي منها سوف أسرد عليكم بعض الحقائق عني بترتيبها الأبجدي :
أ – ولدت في الزمن الذي كانوا ينتزعون فيه الطفل من رحم أمه المعلقة على الحبل ، لذلك تجدون صبري طويلًا جداً في تحمل الكثير من سخافتكم .
ب – مشيت بخطواتي على الأرض بعدد الحصى الذي فوق سطحها مراتٍ ومرات .
ج – توقفت الآن عن المشي ، لأن الحصي الذي تحسب به خطواتي قد انتهي . ولحين استيراد بعض الحصي من مناطق أخرى غير الأرض ، سوف أظل جالسًا في مكاني هذا ومتمنيًا :
- لسائق الباص ، دوام الصحة والعافية.
-؟ولتوتو كورة ، أن لا ينقصنا سوى سحبها الرابح .
- وللمذيع وصوته وركابه ، العود الأحمد .
- و .. للزجاجة أن لا تنتهي . أما الطفل فسوف أجعله يضحك الآن : سوف أجعله يبكي الآن .. لن أقول لكم كيف .. ولكنه حتمًا سوف يضحك .. حتمًا سوف يبكي .
الجرعة التاسعة عشر :
أضحك .. أنا . يبكي .. هو .
يضحك .. هو . أبكى .. أنا .
نحن نضحك .. معًا . نحن نبكى .. معًا .
الجرعة العشرون :
نسيت أن أتمنى لحبيبتي شيئًا .. سوف أترككم تتمنون لها بدلًا عني .. فأمنياتي أنا لا تتحقق أبدًا ، وإلا كانت تحققت أمنيتي مع سائق البص الذي أصر – كعادته منذ قصتي آنفة الذكر – أن يصل بي إلى هذا المكان الآمن ، خوفًا عليّ من العواقب الوخيمة في الأمكنة الأخرى أو .. كما قال .
الجرعة الحادية والعشرون :
اضطررت لإيقاظه ، ذلك الطفل ، لأدخل معه في حوار من جديد حول الزجاجة ، التي يريدها فارغة لأسباب لم يذكرها لي صراحة ولا ضمنًا ، لذلك تجنبت إدراجها هنا ، والتي أريدها ملأي لأسباب لم أذكرها لنفسي ، وبالتالي لن أدرجها هنا أيضًا ، فإلي الحوار علَّنا نصل إلى وفاق مُرْضٍ للجانبين :
أنا : لا أريد لها أن تنتهي .
هو : أريدها أن تنتهي .
أنا لا أريد لها أن تنتهي .
هو : أريدها أن تنتهي .
الجرعة الثانية والعشرون :
يبدو أننا في هذه المرة تحاورنا بوسائل أكثر همجية ، فقد تحطمت الزجاجة .
-إنتبهوا .. إنني الآن .
أتقيأ .. أتقيأ .. أتقيأ .
omeralhiwaig441@gmail.com
