هذا عنوان الرسالة التي أرسلتها الأستاذة فاطمة احمد ابراهيم الى الرئيس جعفر نميري بعد اعدامه الزعيم النقابي الشفيع احمد الشيخ وفيها تقول له:
” سيكفيه فخرا انه من قادة الطبقة العاملة، وابنا بارا عرفه الشعب مناضلا جسورا وقائدا متواضعا لم تدفعه الاغراءات بكرسي الوزارة، ولم يخفه السجن والاضطهاد للتخلي عن مصالح الطبقة العاملة. وهكذا عرفه الشعب وعرفته الطبقة العاملة ولم يعرفوه فجأة حاكما مستبدا مغرورا. ”
سجل التاريخ للشفيع احمد الشيخ، انه أحد أهم القيادات النقابية، التي ساهمت بفعالية تامة، وهمة لا تفتر، وروح مرنة، وذهن متفتح في تشكيل مسار الحركة النقابية السودانية. ساهم الشفيع، منذ البداية، في رفدها ومدها بالاجتهادات الفكرية الجادة، والطاقة النضالية المتجددة، والهمة الحركية الصلبة التي ميزتها عبر سنواتها الأولى، عندما كان الشفيع ورفاقه من الجيل المؤسس يمسكون بدقة القيادة، فقدموا التضحيات في نكران ذات، ولم يتنكروا ابدا لقضايا العاملين. ونجحوا في بناء حركة ديمقراطية مستقلة تملك زمام امرها في وطن تميز بالتعدديات القبلية والإقليمية والطائفية.
ولد الشفيع بمدينة شندي في 1924، وقد تنقل منذ طفولته، في انحاء السودان، لان والده كان موظفا في الدولة يعمل في مصلحة البريد والبرق. درس الشفيع مراحله الدراسية الاولى بشندي وبورتسودان، وبعد اكمالها التحق في عام 1942 بمدرسة الصنائع بعطبرة، التي يتخرج منها العمال المهرة، وبرزت قدراته القيادية خلال فترة الدراسة بمدرسة الصنائع، حيث اختاره زملاؤه الطلاب رئيسا للجنة التي كونوها، وممثلا لهم امام الادارة. وقد كتب ذات يوم في احدى جرائد الحائط المدرسية: ” ان الانسان يعيش حقا حين يستفيد من حياته الناس الطيبون “. وقد قاد الشفيع اول اضراب طلابي في تاريخ المدينة، مما ادى الى ايقافه عن الدراسة (هو وزملائه في لجنة قيادة الاضراب) لمدة عام كامل. وفى سنوات لاحقة، شبه الشفيع هذا الاضراب بمثابة ” الحجر الذي يلقى ليحرك ساكن الحياة”.
وقد وصفه الدكتور مصطفى السيد (رئيس اتحاد طلاب كلية غردون آنذاك واحد أبرز الذين نشروا الوعي السياسي وسط الحلقات الاولى للعمال)، في مذكراته المنشورة في كتابه (مشاوير في دروب الحياة) بانه: ” شاب بلون الابنوس، يتمتع بذكاء حاد ونشاط خارق، وهو ايضا من الشبان المحبوبين وسط الطلاب ووسط المجتمع العمالي عموما، دائم الحركة في العمل وخارجه في النادي او المدرسة او حتى في الشارع، يمد يد العون لكل من يطلب منه ذلك “. وتحدث الدكتور مصطفى السيد عن دور الشفيع في انشاء الحلقات الماركسية الاولى، ووصفه باعتباره أحد مؤسسي الحزب الشيوعي في عطبرة ومن أبرز وانشط كوادره في العمل التنظيمي والسياسي العام.
تخرج من مدرسة الصنائع في 1946 حيث التحق بالعمل في ورش سكك حديد السودان في وظيفة براد. في نفس عام التخرج، تم انتخابه في لجنة خريجي مدرسة الصنائع، وأيضا لجنة نادى خريجي المدارس الصناعية. ولعبت لجنة النادي تلك دورا بارزا في التحضير للاجتماعات الاولى والمشاورات التي ادت لقيام اللجنة التمهيدية لهيئة شئون العمال. وهي لجنة النادي التي وصفها سليمان موسى، أول رئيس لهيئة شئون العمال: (عندما حاول الاستعمار خلق تفرقة بين العمال الخريجين الفنيين والعمال الاخرين، عن طريق انشاء نادى منفصل للعمال الفنيين) قائلا: ” الا ان الوعي الذي يتمتع به خريجو مدرسة الصنائع ، من العمال ، قد كشف هدف الاستعمار، وفضح خطته، فكان العمال الفنيون اول من فتح ابواب ناديهم لجميع افراد الطبقة العاملة، فأصبح النادي ملتقى الجميع، بل صار مكانا امنا ، لممارسة النشاط السري للجنة العمالية التي تعمل على تحقيق التنظيم العمالي “. وصار هذا الموقف أحد الدروس التي استوعبتها الطبقة العاملة، باكرا، حول التنبه لمحاولات السلطات تقسيمها لفئات متصارعة، وان وحدتها هي صمام امانها ومصدر قوتها.
تم انشاء هيئة شئون عمال السكة الحديد وبدأت نشاطها بتعبئة وتوحيد العمال، للمطالبة بقيام جسد نقابي، يمثلهم. ثم خاطبت ادارة السكة الحديد حول ذلك المطلب العادل. كانت الدولة الاستعمارية، تعتقد بان عمال السودان لم يصلوا لدرجة الوعي الكافي التي تسمح لهم بإنشاء نقابة. وعند اشتداد وتيرة المطالبة بتكوين نقابة تحركت السلطة الاستعمارية للسيطرة على الموقف وقامت بتقديم مقترح بديل لمطلب العمال حول قيام نقابة تمثلهم بطرح قيام ما سمته باللجان المصلحية. وهي لجان استشارية فقط، ليس من مهامها المطالبة بحقوق العمال الاقتصادية كالأجور والبدلات وشروط الخدمة. وهي ايضا تعمل تحت اشراف رؤساء الاقسام الانجليز حيث يترأس رئيس أي قسم لجنة قسمه. رفض العمال ذلك بقوة، وأصروا على قيام جسد نقابي حقيقي يمثلهم بدون وصاية من الادارة.
وعندما تعنتت الادارة في التعامل مع لجنة هيئة شئون العمال، ورفضت الاعتراف بها كممثل للعمال، قررت اللجنة تسليم مذكرة للإدارة، يشارك في تقديمها كل عمال السكة الحديد بعطبرة عن طريق موكب سلمى بعد ساعات العمل. وتحوطا للاعتقالات المتوقعة لأعضاء اللجنة القيادية تقرر، مسبقا، ان تكون هنالك عدة لجان احتياطية سرية، تحت قيادة الشفيع لتواصل قيادة العمل. وفعلا تم الصدام مع البوليس، وأعلن العمال الاضراب الفوري الذي قادته لجان الظل بقيادة الشفيع، بعد اعتقال اللجنة الرسمية، واستمر الاضراب لعشرة ايام عطلت الحركة تماما، في كل خطوط السكة الحديد والتي كانت بمثابة عظمة الظهر للاقتصاد الاستعماري. وكانت لجان الشفيع السرية هي القيادة المحركة للإضراب، ولم تفلح السلطات الاستعمارية وامنها في معرفتها او الوصول اليها وشل نشاطها. ويصف النقابي الحاج عبد الرحمن، الذي شارك في تلك المعركة النقابية الهامة، ذلك الموقف وقد سطره في كتابه: ” ملامح من تاريخ الحركة النقابية ” ما يلي:
” بعد اعلان الاضراب، تكونت في الحال ثماني لجان احتياطية ، لقيادته تحسبا لمفاجآت قد يترتب عليها فشل الاضراب الاول من نوعه. وكان الخوف من فشل الاضراب، وانتكاس قضية العمال وفشلها الشغل الشاغل لقادة العمال. وكان الشفيع احمد الشيخ الذي لم يستطيع البوليس التعرف عليه، يقود حركة الاضراب بعد ان أودع قادة هيئة شئون العمال السجن. فقد جرت في اليوم الثاني للإضراب اعتقالات عامة لكل اعضاء هيئة شئون العمال، وعدد من الكوادر التي ظهرت على مسرح الاحداث، حتى بلغ عدد المعتقلين 64 عاملا أودعوا سجن الدامر، وظهرت في شوارع عطبرة ولأول مرة عربات الجيش المصفحة، حاملة المدافع ومن خلفها جنود من القيادة الغربية “.
تصدت هيئة شئون العمال، فور الاعتراف الرسمي بها، للدفاع عن مطالب العمال حول تحسين اجورهم، وشروط خدمتهم، وعندما تعنتت الادارة قادت الهيئة عدة اضرابات أشهرها اضراب ال 33 يوما التاريخي وفى الدورة النقابية الثانية (1948) تقلد الشفيع منصب السكرتير العام للجنة هيئة شئون العمال، وهي اللجنة التي واصلت التقاليد النضالية المجيدة للجنة التأسيسية لهيئة شئون العمال. وقامت تلك اللجنة بفعل تاريخي بإنشاء نقابة عمال السكة الحديد.
ساهم الشفيع، من موقعه في قيادة النقابة، في قيادة الحملة المضادة لقانون النقابات لسنة 1948، وقد وصف الشفيع القانون بعبارة صارت مشهورة وسط العمال” بانه قانون للعقوبات وليس قانون للنقابات “. وبعد اشتداد وتوسع تلك الحملة تراجعت السلطات الاستعمارية، واجرت بعض التعديلات في القانون، ورغم مقاومة النقابة للقانون الا انها قررت بعد صدوره رسميا ان تستخدمه في تنظيم عمال السودان حيث قادت حملة عامة ادت لإنشاء العديد من النقابات.
siddigelzailaee@gmail.com
//////////////////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم