عيد سعيد إن كان ممكناً

زوايا
حمّور زيادة
عيد فطر رابع يمر هذا العام على السودانيين بعد اندلاع الحرب الأهلية الكبرى في إبريل/ نيسان 2023. عيد بلا دولة مكتملة الوظائف، وإن ثمّة حكومتان. حكومة الأمل في مدينة الخرطوم (المعترف بها من العالم أنها هي التي تمارس السلطة السيادية)، يرأسها المدير الأسبق للمنظمة العالمية للملكية الفكرية كامل إدريس، وحكومة تأسيس في مدينة نيالا (لم تعترف بها أي دولة، وحذرت الأمم المتحدة والاتحادين الأوروبي والأفريقي ودول عديدة من الاعتراف بها). وتتوسّع الحروب في الإقليم، بمواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة واسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، مع تعرّض دول الخليج لعدوان أدانه العالم كله تقريباً، ينعكس أثره على الاقتصاد العالمي وامدادات الطاقة وتهديد الملاحة الدولية. في هذا العالم المضطرب، يبدو السودان، مرّة أخرى، حرباً منسية تدور في الخلفية. في العام 2021 بعد أيام من انقلاب المكوّن العسكري (الجيش والدعم السريع) على الفترة الانتقالية وقتل المتظاهرين في الشوارع، تراجعت “الأزمة السودانية” مع تصاعد حرب التغراي في إثيوبيا. انشغل العالم بمحاولة إطفاء النار التي اشتعلت في القرن الأفريقي مهدّدة المنطقة بالانفجار، وتراجع الاهتمام بانقلاب عسكري في بلدٍ نامٍ أدمن الانقلابات العسكرية والثورات الشعبية عليها. ثم لمّا انفجر انقلاب السودان، وتقاتل طرفا المكون العسكري لفت العدوان على غزّة الأنظار العالمية. فتلك بقعة أكثر سخونة وتأثيراً. ثم حرب الـ12 يوماً، ثم مرّة أخرى حرب إيران الجارية. مرّ العالم بكل هذه الكوارث، وما زالت حرب السودان مشتعلة. وستمرّ كوارث أخرى، وتجد حرب السودان مشتعلة. الحرب التي تعدّ من أكبر الكوارث الإنسانية المعاصرة (وصفها وزير المالية بأنها سحابة صيف، وأكد أن الاقتصاد السوداني يتعافى) تراكم أرقام الضحايا مع كل يوم يمر. ملايين النازحين، مدن مدمّرة، واقتصاد منهار وإنْ لم تره هكذا تصريحات وزير المالية. تفيد تقارير “يونسيف” بأن ملايين الأطفال في السودان يعانون من سوء التغذية. ويوزع برنامج الغذاء العالمي الطعام للمواطنين في العاصمة الخرطوم، بينما تُعلن المجاعة في مناطق جديدة في شمال دارفور.

عرف العالم مشاهد مماثلة في حروب سابقة، لكن حصار سراييفو في تسعينيات القرن الماضي يبدو أقرب لما حدث في مدينة الفاشر من قوات الدعم السريع. شهد حصار سراييفو قطعاً شبه كامل للإمدادات وقصفاً يومياً. صمدت الفاشر (عاصمة ولاية شمال دارفور) حتى أعلنت فيها المجاعة، في وقتٍ كان فيه وزير الزراعة المكلف من الجيش يعلن من العاصمة المؤقتة بورتسودان أن الموسم الزراعي ناجح، وأن ادّعاءات المجاعة كاذبة. لاحقاً طردت سلطات الجيش مدير برنامج الغذاء العالمي من السودان، مثلما فعلت مع ممثل الأمين العام للأمم المتحدة.

رصد تقرير بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة أنماط الإبادة الجماعية والاستهداف الإثني في الفاشر ودارفور، وعمليات تجويع متعمّد واغتصاب. أوضح التقرير أن الحصار والحرمان من الغذاء كانا جزءاً من استراتيجية عسكرية، وليس نتيجة للقتال. مرّة أخرى، نتذكّر حصار سراييفو، حيث استخدم الحرمان من الخدمات الأساسية والغذاء وسيلة حربية، بل وسيلة لهدف أكبر: الإبادة.

تذكّرنا سراييفو أيضاً ببطء الاستجابة الدولية في البوسنة. استغرق المجتمع الدولي سنوات قبل التدخل بشكل حاسم. عندما فعل، كان الوقت قد فات على أي حل عاقل. فكانت الحرب سبيل إيقاف المذابح. في السودان، لم يحدُث شيءٌ فجأة. حتى انقلاب الجيش و”الدعم السريع” على الحكومة المدنية الانتقالية لم يكن مفاجئاً. كانت نذر حرب 15 إبريل (2023) تلوح منذ عامين، وطبولها تدق قبل شهور، وجيوشها تتحرّك علناً قبل أيام. والعالم يعرف ذلك كله. جاء المبعوث الأميركي للقرن الأفريقي في الخرطوم ليلة انقلاب أكتوبر/ تشرين الأول (2021)، يحذر من الانقلاب! هكذا قيل. يعرف الجميع “الدعم السريع” وما ارتكبت من جرائم، ويعرف الجميع سجل الجيش السوداني في الحروب الأهلية في دارفور والجنوب وفي تمسّكه بالسلطة، ويعرف الجميع الحركة الإسلامية وعلاقاتها بتنظيم القاعدة والجماعة الإسلامية وغيرهما. لكن الجميع انتظر حتى فجّرت أطماعهم السلطوية البلاد.

ستمرّ أعيادٌ لا يعلم عددها إلا الله. مثلما مرّت الأعياد منذ 1955. قاتلت البلاد نفسها أكثر من نصف قرن. لكنها كانت تحتفل بالأعياد. في هذا العيد، ستذكر أسر سودانية كثيرة أحبابها الذين سقطوا في القصف المتبادل في الأسبوع الماضي، إذ سقط أكثر من 30 مدنياً على الجانبين في آخر أيام شهر رمضان.

إنه عيد الفطر الرابع منذ بدأت حرب السودان. ومثل بقعٍ ملتهبةٍ عديدة، لا يمكن ادّعاء أنه عيد سعيد. لكنه عيد.

نقلا عن العربي الجديد

عن حمور زيادة

شاهد أيضاً

الأجانب… المتهمون دائماً

زواياحمّور زيادةشهدت جنوب أفريقيا في عام 2008 موجة عنف (تكرّرت في 2015 و2019) استهدفت الأجانب. …