عِيْدِيَّةُ الشَّارِقَة !!

 


 

كمال الجزولي
25 يوليو, 2022

 

روزنامة الأسبوع

الاثنين
جرى، بأدنبرة، قبل أيَّام، ولأوَّل مرَّة، اكتشاف لوحة لم تكن معروفة من قبل، للرَّسَّام الهولندي فينسنت وليم فان غوخ (30 مارس 1853م ـ 29 يوليو 1890م)، وكانت مخبَّأة على ظهر لوحة أخرى مغطَّاة بطبقات من الغراء والكرتون، وتسمَّى «رأس امرأة فلَّاحة». وقد وقع هذا الاكتشاف من جانب متخصِّصين في المعارض الوطنيَّة باسكتلندا عندما جرى تصوير هذه اللوحة بالأشعَّة السِّينيَّة، وعلَّقت مرمِّمة اللَّوحات ليزلي ستيفنسون على هذا الحدث النَّادر قائلة: «نحن سعداء للغاية! إنه اكتشاف رائع، ليس للمعارض الوطنيَّة فحسب، بل ولاسكتلندا كلها»!

الثُّلاثاء
كنت أنبش، مساء اليوم، عن مراجع بمكتبتي، عندما وقعت على إضبارة أوراق قديمة، حائلة اللون، سرعان ما تذكَّرت أنها أوراق حسن الطَّاهر زرُّوق التي كان أحضرها إليَّ سليمان حامد بعد وفاة الرَّجل، بوصفي مسؤولاً، وقتها، بالمكتب المركزي للأدباء والفنَّانين الشِّيوعيِّين، لأرى ما إن كان من الممكن الاستفادة منها على أيِّ نحو. لكن، على قدر فرحتي بإحضار هذه الأوراق من حيث كان الرَّاحل يعيش، عازباً، في منفى اختياري خارج السُّودان، بعد يوليو 1971م، لكوني تصوَّرت أنها تضمُّ ثروة من ابداعاته في السَّرد، والنَّقد، والتَّرجمة، بقدر ما صدمتني حقيقة أن الأوراق لم تكن سوى مسودات مقالات هي، في الأصل، إعادة صياغة لبيانات ووثائق حزبيَّة كي تصير صالحة للنَّشر في صحف عربيَّة مختلفة، فضلاً عن مكاتبات متفرِّقة مع اتِّحاد الصَّحفيِّين العرب، وإدارات مؤسَّسات صحفيَّة بخصوص مستحقَّاته الماليَّة. وأظنُّ أن الجِّهات الرَّسميَّة في بلد المنفى، والتي سلَّمت تلك الأوراق للحزب بعد الوفاة، استغلَّت ظرف عزوبيَّة الرَّاحل، فتعمَّدت اختيار بعضها لتسليمه، وحجز بقيَّتها، إذ لا يُعقل أن تكون تلك هي كلُّ ما ترك رجلٌ حرفته الأساسيَّة الكتابة الابداعيَّة والسِّياسيَّة!
تركت الاضبارة جانباً، واستعذبت السَّرحان مع ذكرياتي معه. فحسن الطَّاهر قائد استثنائي. والقائد الاستثنائي ليس مَن يُشعِر مرؤوسيه بأنه يصدر لهم تعليماته من علٍ، بل مَن يفهمون ما يريد، وينفِّذونه، دون أن يقوله. وذلك ما لمست، عندما عملت تحت قيادته، مغارب ستِّينات القرن المنصرم، كصحفيٍّ يافع بجريدة «الضِّياء»، بديلة «الميدان» بعد حلِّ الحزب، أوان كان هو مشرفها السِّياسي، فكان يسبغ على مهمَّته قدراً كبيراً من الرِّقَّة، واللطف، وخفَّة الروح، وزيَّنت تلك الخصال وسامة لهجته المصريَّة!
تصادقنا، بجامع الأدب والفنُّ، رغم فارق السِّن. وكانت سعادتي لا تُحد حين يرافقني لتناول الغداء معي بالبيت. وكنَّا نتَّكئ، بعدها، نرتشف الشََاي بالنَّعناع، ونستغرق في أحاديث الكتب، والكتاب، والشُّعراء، والرِّوائيِّين، والفنَّانين، سودانيِّين وأجانب. وكم أنا مدين لمؤانساتنا تلك بما فتحت لي من آفاق الحداثة والنُّضج. وكانت تسعده تلك الأوقات بنفس الدَّرجة. ولم يصادفني في حياتي من يعشق أمَّ كلثوم عشق حسن الطَّاهر لها. وإن كان ثمَّة ما يخجلني حتَّى الآن، فهو عدم قدرتي على اكتساب عُشر معشار محبَّته لفنِّها، وهي المحبَّة التي جعلت عبد الخالق، كما علمت، ينبِّه إلى عدم عقد أيِّ اجتماع يدعى له الرَّجل في أيِّ موعد يتزامن مع حفلات «السِّت»، أو برامجها الإذاعيَّة! ولن أنسى عبارة قالها لي مرَّة: «لو سابونا ياخي للأدب والفن، بسِّ هوَّ الفكر السِّياسي ابن الكلب ديَّة»!
وفي شخصيَّة حسن الطَّاهر جوانب إنسانيَّة آسرة لا تقتصر، فقط، على تعبيره عنها من خلال أدبه، بل ما تلبث أن تملك على كلِّ من يقف عليها في الحياة الواقعيَّة شغاف قلبه. فقد فوجئت، مرَّة، بما روى لي المرحوم عبد الرحمن عبده، القاضي العالم، ونائب رئيس القضاء الأسبق، والمحامي الفذ، في ما بعد، عن أن الفضل يعود لحسن الطاهر في رعايته، والإشراف على تعليمه، في كلِّ المراحل!
كذلك تشتمل شخصيَّته على جوانب مثيرة للدَّهشة! أذكر من ذلك أنني كنت، أثناء قضيَّة الفلاشا، أناقش، كممثِّل اتِّهام، شاهد الملك العقيد أمن الفاتح عروة. فسألته عن السِّلاح الذي كانوا يستخدمونه في حراسة عمليَّات النَّقل في المطار، فقال إنه من نوع «عوزي». فالتقط المناقشة رئيس المحكمة عبد الرحمن عبده، ليخوض مع الشَّاهد في حديث مطوَّل عن «عوزي»، وما إن كان مسدَّساً، كما وصفه عروة، أم مدفعاً كما يرى القاضي! ولمَّا لم أستطع مغالبة فضولي لمعرفة مصدر ثقافة مولانا في هذا الحقل المعرفي البعيد، تماماً، عن «القانون»، سألته عن ذلك، لاحقاً، فأثار دهشتي واستغرابي! قال إنه، بتشجيع من حسن الطَّاهر، التحق «ولداً BOY» بالجيش، منذ صغره، ثمَّ «نفراً» بعد ذلك، ثمَّ تدرَّج في مختلف الرُّتب، فكان يُسمح له بمواصلة تعليمه، والعودة، في الاجازات، للالتحاق بالوحدات التي يعمل بها!

الأربعاء
ربَّما، لألف سبب وسبب، حقَّ لوجدان صديقي الرَّاحل الشَّاعر الدِّينكاوي سِرْ أناي كِلوِلجانق، أوان انهماكه، قبل عشرات السِّنين، في نسج أكثر أعماله الشِّعريَّة اكتنازاً بضيمه «الطَّبقي = الإثني» المزدوج، ألا يهجس سوى بصورة «الجَّلابي/الأفندي/السُّلطوي/المستعلي/القامع» التي يجسِّدها «إبن العَمَّة محمد» المسترخي على رياش مكتبه الخطير، الوثير، الفخيم، الفاخر، مكيَّف الهواء، يصدر الأوامر بشنِّ «الكشَّات» تستهدف اليتامى، والمساكين، وأبناء السَّبيل من «العبيد/الرِّجرجة/الدَّهماء/الغوغاء/السُّوقة»! لهذا لزم عدالة النَّقد إحسان تقدير الحسِّ الرَّفيع الذي هيَّأ لإبداع ذلك «البان آفريكانست» الماجد أن يصعد من قاع جُبِّ «الثُّنائيَّة الإثنيَّة» المتناحرة لدى «ابن العمََّة محمَّد» الذي «حين يسمعنى أغنِّى للحريَّة والعدالة والمساواة يغضب/ ويصرخ في وجهي: وأنت يا عَبـِد .. تريد، أيضاً، أن تكون حُرَّاً ومساوياً لى؟!»، كي يتمكن من رؤية نموذج آخر لـ «الضَّيم الطَّبقي»، مغاير لوهم «الحظوة الإثنيَّة»، مِمَّا قد يجسِّد نموذج ابن الجَّلَّابة/المدقع/المعدم/المحروم/المرزوء بالفاقة والعوز محمَّد نصر الدِّين الذي ركله الفقر، في المناقل، بكعب حذائه، ذات صباح من عام 2008م، مثلما كاد يركل، في رمبيك، سِرْ أناي نفسه، ذات صباح بعيد، خارج عالم أقرانه في المدرسة، بل خارج مراتع الصِّبا بأسرها، ليقذف به إلى شوارع الخرطوم، يأخذ دنياها غلابا، ويشيل حمَّارة قيظها، طوال النهارات، على أمِّ يافوخه، بائعاً جائلاً في مواقف حافلاتها، بلا رخصة، ولا جنس ورقة ثبوتيَّة، لما تيسَّر من صنوف العلكة، والكباسين، والأزرار، وأمشاط الشَّعر، ومشابك الغسيل، وكلَّ سقط متاع مِمَّا يعدُّون، يزوِّده بها، مع كلِّ مطلع شمس، طفيليَّون، غاسلو مال حرام، وناهبو أقوات فقراء من جميع الإثنيَّات، ومن كلِّ شاكلة ولون، جلَّابة وغير جلَّابة!
لقد أدرك ذلك الشَّاعر «الاشتراكي الأفريقي»، عقلاً وعاطفة، أن أولئك هم من يوفِّرون، ليس على حسابه، فقط، بل وعلى حساب محمَّد نصر الدِّين نفسه، وآخرين كثر، من ملل ونحل شتَّى، هناءة «ابن العمَّة محمد»، ورغد عيشه! فكان لزاماً على الأخير أن يجيِّش، بالمقابل، عسسه، يطاردون، باسم أولياء نعمته، الصَّبيَّ محمَّد نصر الدِّين، في ذلك النَّهار الخرطومي الذي تدلَّت شمسه «فرناً فوق رءوس البشر»، تماماً مثلما يطاردون شول، وخدوم، وأدروب، وعشَّة، وآدم، بينما نصر الدِّين ما يفتأ يتراكض، كما قطٌّ جبليٌّ محاصر أينما يمَّم وجهه في القِبَل الأربع، يتشبث بحزم كباسينه، وأزراره، وأمشاطه، ومشابكه يخاف عليها أكثر مِمَّا يخاف على حياته ذاتها!
هكذا انطلق يلهث، ويلهث، ويلهث، حتى انقطعت أنفاسه، وهو الذي لم تُسكت جوعته، منذ صباح الرحمن، لقمة عيش، أو تُرطِّب حلقه جرعة ماء. وراحوا يتكاثرون حوله، ويتكاثرون، ويتكاثرون، حتى انغلقت حلقتهم عليه، تماماً، وهُم، بعدُ، فيالق مدقعين مثله، تركوا وراءهم، في أكواخ متداعية بأطراف المدينة، زغب حواصل ينتظرون عودتهم، في المساء، بما يسدُّ، بالكاد، الرَّمق.
نظر حوله، بعيون واجفة مذعورة، فلم يجد من مسرب سوى هيكل بناية تحت التَّشييد، طار يتسلقها، دونما أدنى تريُّث، والرُّعب يعصف به عصفاً، فلكأنما يلوذ مِن قسوة الأرض برحمة السَّماء! صعد، وصعد، وصعد، ولمَّا لم تعُد ساقاه تتحمَّلان .. واصل الصُّعود! ولمَّا لم تعُد عيناه تبصران .. واصل الصُّعود! ولمَّا أطبقت أضلاعه على رئتيه .. واصل الصُّعود! لكنه، لمَّا زلَّت قدماه، بغتة، في نهاية المشهد، تلاشى .. كرفَّة جناح، كصدى كتيم، كبصقة في الهواء!
الحلم الاشتراكي الذي لطالما تشبَّث به سِرْ أناي لا يتحقَّق، فقط، حسب قصيدته «إبن عمَّتي محمَّد»، بعودة «ابن العمَّة» هذا سيرته، قبل الاستقلال، على نبل هذه العودة، «ليبشِّر بمنظومة الحقوق الدُّستوريَّة، بالحريَّة، والعدالة، والمساواة للجَّميع/ لكلِّ السُّودانيِّين/ بغضِّ النَّظر عن العرق، أو القبيلة، أو الدِّين»، وإنما يتحقَّق، يقيناً، يوم يكون الحاكم، فعلاً لا قولاً، «إبناً لكلِّ الشَّعب/ وديموقراطيَّاً حقيقيَّاً يبذل نفسه لخير الكادحين المسحوقين»؛ يتحقَّق يوم لا تعصف بعقل «ابن العمَّة» خمرة السُّلطة «فلا تصبح هي عقيدته، وماله، وهناءه، وسعادته، وأمنه»، ولا يصبح هو هكذا «مسكيناً .. يعوِّل عليها في إخضاع الخصوم»؛ يتحقَّق يوم يكفُّ «ابن العمَّة» عن تسخير ما انفرد به من حظ في التَّعليم لأنانيَّته، «فكلَّما تعالى صراخ الجَّوعى كان لديه من الذُّرة ما يكفي أهل بيته وأكثر/ أطفاله متخمون/ ومع ذلك فهو نذلٌ بما يكفي لازدراء المدقعين/ الذين هم بالكاد على وجبة واحدة فى اليوم يحصلون/ قابعاً، متبطِّلاً، في مكتبه الغاصِّ بالسِّجاد والطَّنافس ومكيِّفات الهواء/ ومشغولاً بإصدار تعليمات يسمِّيها الأمر رقم كذا والأمر رقم كذا/ غافلاً عن أن التَّنمية هي حقُّ الجِّباه التي تتفصَّد بعرق الكدح الشَّريف/ وعلى حين لا يحسن حتَّى رسم خطة واحدة/ أو اتِّخاذ قرار يحظر استغلال البشر/ لا ينفكُّ يتضجَّر من أن المدن صارت مزدحمة بالخلق/ وقد وجب إرغامهم على الرجوع إلى أريافهم النَّائية/ لينكبُّوا على إنتاج غذائهم هناك بأدواتهم البدائيَّة/ لذا لا ينفكُّ يصرخ، صباح مساء، بأن قانون (الكشَّة) ينبغى تفعيله/ كون المتبطِّلين يشكِّلون تهديداً للحكومة/ لكنَّ النَّاس، لو يعلم ابن العمَّة، لا يكفُّون عن الرُّجوع، المرَّة تلو المرَّة، إلى المدينة الكبيرة/ لأنهم، ببساطة، يريدون أن يكونوا قريبين من القصر/ حيث لا تكفُّ النُّخبة الطَّبقيَّة عن اجتراح ما يُبقي على عذاباتهم»! (المجتزءات من مجموعة سِرْ أناي الشعريَّة «وهمُ الحريَّة وقصائد أخرى»، الصَّادرة بالانجليزيَّة عن «دار نيو بيكون للنَّشر» بلندن عام 1985م).

الخميس
يركب مركباً مثقوباً من يحاول النَّظر إلى ما جرى ويجري، بولاية النِّيل الأزرق، من إبادة جماعيَّة وتطهير عرقي، مباعداً بين الصِّراع على «اﻷراضي» والصِّراع على «السُّلطة»، و .. هل، تراه، يحتاج هذا القول إلى مذكِّرة تفسيريَّة؟!!

الجُّمعة
كانت عيديَّة بديعة تلك التي حملها إليَّ، يوم وقفة عيد الأضحى المبارك، الصَّديق الحبيب والتَّشكيلي البارع فتحي محمَّد عثمان، العائد للتَّو من الشَّارقة. فبالإضافة لمجموعة إصدارات «معهد أفريقيا Africa Institute» الذي يرأسه، هناك، صديقنا الحبيب الآخر صلاح الجَّرِّك، المنتدب لإدارته من جامعة كورنيل بأمريكا، أهداني فتحي النَّبأ الرَّائع باكتمال الدَّفع إلى جوف المطبعة بالأعمال الشِّعريَّة الكاملة لصديقنا وأستاذنا العزيز الشَّاعر الرَّاحل النُّور عثمان أبَّكر، والتي كنَّا سهرنا عليها، أخي عالم عبَّاس وشخصي، جمعاً، وتصنيفاً، وإعداداً، وتقديماً، ويا له من نبأ لو تعلمون عظيم.
وفي بعض تقديمنا لهذا العمل قلنا: كانت ثقة عظيمة مُنحناها، حين عهدت إلينا أسرة حبيبنا النُّور بهذه المهمَّة، فسعدنا بالتَّكليف، إذ أن علاقتنا بالنور وأسرته كانت، وما زالت، قوية ومتصلة لعقود عديدة، وأننا مطلعون على كتاباته، عموماً، وما يتَّصل منها بالشِّعر، خصوصاً، فيا طالما تبادلنا مسودات كثير من القصائد، وعكفنا على قراءتها بعمق، معه ومع أصدقاء آخرين ضمتنا وإيَّاهم حلقات أنس ونقاش في داره العامرة بحي "الصَّافية"، بالخرطوم بحري، وفي دورنا، ودورهم، فضلاً عن مجالس أسـاتذة لنا كـثر، على رأسهم محمد المهدي المجذوب، وعبد الله حامد الأمين، فضلاً عن أننا اعتدنا، منذ أواخر السِّتِّينات وأوائل السَّبعينات، أن ننشر بعض بواكير أعمالنا في الملاحق التي كان النور يشرف عليها، ونحن، إبانئذٍ، أيفاع يحوطنا برعايته.
ونعترف بأننا، حين أبدينا لابنتنا، وابنة النور الكبرى، الأستاذة إيزيس، موافقتنا غير المشروطة على تولي المهمَّة، لم نكن ندرك، بدقَّة، حجم العمل الذي تحتَّم علينا إنجازه لاحقاً. كان لدينا انطباع بأن الرَّاحل، كما في فكره وتعامله، على قدر كبير من التَّرتيب والنِّظام، فلن تكون مهمَّتنا، إذن، عسيرة! قوَّى من ذلك الانطباع أنه كان قد نشر أربع مجموعات شعريَّة، فقَدَّرْنا أنه لم تبق إلا أشعاره الأخيرة نجمعها، ونضيفها، فتمسِي لدينا أعماله الشِّعريَّة كاملة دون مشقَّة. غير أن إيزيس أوضحت لنا أن الكثير من تلك الأشعار في أوراق مبعثرة، وبعضها طيَّ كرَّاسات في أماكن متفرِّقة ما بين الخرطوم والدَّوحة، وحيث أنهم لم يستطيعوا تمييز الأعمال الشِّعريَّة عن غيرها، قاموا بجمعها كلها، مع كتبه ورسائله وأوراقه الأخرى، وأودعوها حاوية أحضروها إلى السُّودان.
من تجربتنا مع الرَّاحل، كنا نعرف اهتمامه بحفظ أوراقه ورسائله في خزانة كان يسميها "الجُّراب"! مثلما كان يحفظ مسودات كتاباته، ونادراً ما يتخلَّص منها، بل وكان يحفظ حتَّى الكثير من أعمالنا نحن أنفسنا، فكنا نهرع إليه كلما فشلنا في العثور على بعضها فنجدها عنده، يخرجها لنا بابتهاج وغبطة! نذكر أن صديقنا الروائي إبراهيم إسحق قدم مخطوطة روايته "فضيحة آل نورين" لإحدى دور النَّشر التي أضاعتها، ولم يكن عند إبراهيم نسخة أخرى منها، وهو في الرياض، فضاعت الرِّواية وتحسَّر عليها إبراهيم كثيراً، وشكا أمره بحرقة إلى النُّور، فإذا بالأخير يذكِّره بأنه كان قد أعطاه المسودة الأولى لتلك الرواية، وأنه أودعها "الجُّراب" بمخزن الصَّافية! وهكذا تمَّ العثور على الرِّواية، فنُشرت!
هكذا كان النور حريصاً على حفظ الأوراق، والأعمال الأدبية، سواء خاصَّته أو خاصَّة أصحابه، حتى وإن كانت مسودات أوليَّة متناثرة لم تنضج بعد! وربما كان ذلك كافياً لتوضيح الكم الهائل من الأوراق والأعمال التي كان علينا فرزها، والتقرير بشأنها، آخذين في الاعتبار الحرص الذي أولاه لها صاحبها، دائماً، والقيمة التي رآها فيها!
أثناء الفرز، تبيَّن لنا أن بعض القصائد مدوَّنة في كرَّاستين، الأولى تحمل في سطر العنوان: "رحلات العذاب والفقر"، وفي السَّطر التَّالي: «شعري لمارجريت MARGARET»، وفي السطر الثَّالث "زوجتي الحنون"، والكراسة هي كراسة محاضرات الجَّامعة التي يحمل غلافها صورة فوتوغرافيَّة لجامعة الخرطوم، وهي من الكرَّاسات ذات الثَّمانين ورقة، والتي كانت رائجة في أوائل السِّتِّينات. أمَّا الكرَّاسة الأخرى فتحمل عنوان: "أقنعةٌ في الرِّيح (الصَّفراء)". هكذا بدا العنوان في الغلاف، وكأن النُّور كان متردِّداً بين العنوانين، أي بين حذف كلمة (الصفراء) وبين الإبقاء عليها! قصائد هذه المجموعة كلها، وكما يدلُّ العنوان، عبارة عن أقنعة بلغت في مجموعها ستَّاً وثلاثين. وتحتوي هاتان الكرَّاستان على بعض أقدم أشعار النُّور التي قد يرجع تاريخها إلى أواخر الخمسينات. وقد وجدنا النُّور اختار بعض قصائد الكرَّاستين ضمن المجموعات الأربع التي نشرها بعدئذٍ، فرأينا حذفها عند الطباعة. ولفت انتباهنا أيضاً أن العديد من الأوراق تحوي قصائد يعود تاريخها إلى السِّتِّينات والسَّبعينات، لكنها ليست ضمن هاتين الكرَّاستين، ولم تشملها المجموعات المنشورة. بعض هذه الأوراق قصائد كاملة وضع النُّور لها عناوين، وبعضها بلا عناوين، فاستعاضت إيزيس عن ذلك بكتابة الجُّملة الأولى من كل قصيدة أعلى الصفحة كعنوان يسهِّل الرجوع إلى الأصل، وقد بدت لنا وجاهة هذا التَّدبير فاعتمدناه. جعلنا الأوراق التي لم تضمها الكرَّاستان، ولا المجموعات السَّابقة، على مجموعتين، إحداهما تضمُّ أوراقاً لقصائد مكتملة أو شبه مكتملة، والأخرى تضمُّ أوراقاً لكتابات شعريَّة من الواضح أنها غير مكتملة، أسميناها «مشروعات قصائد»، على غرار «البورتريهات غير المكتملة unfinished portraits» في الفنِّ التَّشكيلي، واخترنا لكلِّ مجموعة عنواناً من قصائدها قدَّرنا أنه يناسبها، مستأنسين بأسلوب النُّور نفسه في التَّسمية.

السَّبت
ما من عنزين تنتطحان على أن أكثر ما تكون قوَّة العارضة، ومتانة الحُجَّة، وشدَّة الإقناع، حين تستند الفكرة إلى «وقائع» ثابتة، غير مختلف عليها، والعكس صحيح!
فأمَّا بالنِّسبة للحالة الأولى، فقد أشار صديقي عبد الله علي ابراهيم، على سبيل المثال، في مقالة له، مؤخَّراً، حول الخلاف الأيديولوجي والسِّياسي الذي انفجر وسط الشِّيوعيِّين السُّودانيِّين، أواخر ستِّينات ومطالع سبعينات القرن الماضي، بشأن التكتيك الانقلابي، عموماً، وموقف الحزب من «انقلاب مايو 1969م»، بوجه مخصوص، فانقسم التَّنظيم، تبعاً لذلك، إلى جناحين رئيسين: جناح الشَّهيد عبد الخالق الذي استعصم بالنَّهج الجَّدلي الماركسي في تحليل ورفض تكتيك البرجوازيَّة الصَّغيرة الانقلابي، وجناح معاوية سورج واحمد سليمان الذي انحاز للانقلاب، داعيا لمؤازرته بشـروطه، وعلى رأسـها التَّخلي عن الحزب نفسـه، والانخـراط في هياكل السُّلطة الانقلابيَّة. في السِّياق أورد عبد الله واقعتين شهيرتين تلخِّصان الملمح الأساسي لذلك الانقسام. فمن جهة اجتزأ جانباً من الحديث الذي دار بين النِّميري وبين الشَّفيع أحمد الشِّيخ، القائد العمَّالي العالمي، وعضو سكرتاريَّة الحزب، حيث قال الشَّفيع للنِّميري إن الشِّيوعيِّين يعتزمون بناء الاشـتراكيَّة «طوبة فوق طوبة»؛ فردَّ النِّميري قائلاً: «والزول لو جاب ليكـم لوري طـوب فد مرَّة مالو»؟!
من جهة أخرى أورد عبد الله خُطَّة احمد سليمان بشأن «لوري الطوب» متمثِّلة في دعوته الشَّهيرة للجَّيش، عبر جريدة «الأيام»، قُبيل الانقلاب، «لاستعادة ثورة أكتوبر عن طريق التَّدخُّل العسكري لحسم قضيَّة السُّلطة»، وما ساقه عبد الخالق من ردٍّ عليه، بجريدة «أخبار الأسبوع »، مفنِّداً خطل تلك الخطَّة، وعارضاً خطَّة الحزب لتحقيق نفس شعار الاستعادة لثورة أكتوبر، ولكن .. «طوبة طوبة». ثمَّ ختم عبد الله عرضه للخلاف قائلاً إنه «لمَّا خرجت البرجوازيَّة الصَّغيرة العسكريَّة بانقلاب 1969م لم تعُد برجوازيَّة الحزب الصَّغيرة بحاجة إلى الحزب نفسه، فتخلَّصت منه بخروجها عليه»! ولَيت عبد الله دعم خاتمته الصَّائبة هذه بإيراد المساهمة الثَّاقبة والذَّكيَّة التي قدَّمها الكادر العمَّالي في قيادة الحزب مختار عبد الله، السِّكرتير التَّنظيمي الحالي، من خلال مشاركته في المؤتمر التَّداولي ــ أغسطس 1970م، متعجِّباً مِمَّن يطلبون من عناصر البرجوازيَّة الصَّغيرة ذات الثِّقل في قيادة الحزب، عندما جاء لها الانقلاب بسلطتها، أن تقف ضدَّها»!
أمَّا بالنِّسبة للحالة الأخرى، وهي مآل الفكرة حين تستند إلى وقائع غير ثابتة، أو مختلف عليها، فدوننا نَقْدُ عبد الله للشِّيوعيِّين، ضمن مقال آخر، قائلاً إن رأي حزبهم في 19 يوليو لم يتأسَّس على موقف طبقي، أو ضبط اصطلاحي، «فلم يذهب الانقلاب بخيار الرَّعيل الثَّوري لأربعينات القرن الماضي وخمسيناته في محاكمات الشَّجرة الرَّعناء فحسب، بل ذهب بملكة الشِّيوعيين في تحليل المحنة على ضوء مناهجهم المعتمدة .. فلن يدخل 19 يوليو كخبرة تراجيديَّة في تقاليد النِّضال الثَّوري ومستقبله إن ظل يتمتَّع بالاستثناء من حكم الشِّيوعيِّين على الانقلاب، فهو حركة تارة، وهو بسالة تارة أخرى، وهو تهمة لا ننكرها وشرف لا ندعيه .. الخ، حيث منع الحرج البرجوازي الصَّغير الشِّيوعيين من تسمية 19 يوليو بما سمينا به 25 مايو: انقلاب» .. أو كما قال!
هذا النَّقد لا يستند إلى واقعة مختلف عليها، فحسب، وإنَّما إلى واقعة غير صحيحة البتَّة؛ بل وينطوي على مغالطة جهيرة لواقعة ثابتة، وهي نفاذ بيان الحزب التَّقويمي لـ19 يوليو من منصَّة طبقيَّة، مع حرصه على مراعاة الضَّبط الاصطلاحي، حيث استخدم في تسميته مصطلح «انقلاب»، بصرف النَّظر عن التَّوفيق أو عدم التَّوفيق في ذلك! ولعلنا نستعيد، هنا، كلمة الرَّاحل نُقُد، السِّكرتير السِّياسي السَّابق للحزب، والتي صرَّح بها لجريدة «السُّوداني»، قائلاً: «التَّفكير الانقلابي كنَّا ضدَّه سياسيَّاً، لكن عمليَّاً وقعنا فيه؛ كنَّا طرفاً في انقلاب مايو، وعندما حاولت مايو اللخبطة انقلبنا عليها»!
أخيراً، لا يفوتنا أن نأخذ على الزَّميل السِّر عثمان تفاديه الاشارة إلى عبد الله باسمه، حين ردَّ عليه، مكتفياً بالتَّعميم في صيغة «من يقولون ..»، فعبد الله مِمَّن يجدر عدم الاستنكاف عن محاورتهم!

الأحد
رُوي أن أبا حازم القاضي غضب حين وصفوا أحد القضاة بـ «العِفَّة»، وقال: «هذا يُقال للشُّرطيِّ وليس للقاضي! فما ظننت أني أعيش حتى أسمع هذا، ولكن فسد الزَّمان، وبطلت هذه الصِّناعة، ولعمري دخل فيها من يحتاج للتَّقريظ! وما كان النَّاس يحتاجون لذلك، حتى تقلَّد المنصب فلانٌ»؛ وذكر اسم أبي عمر محمد بن يوسف، وهو القاضي الذي أفتى بقتل الحلاج مسايرة لرغبة الوزير حامد بن العبَّاس!

***
kgizouli@gmail.com

 

آراء