كتب / محمد عبد الله – رحيل الاستاذ / عبد الوهاب احمد الحبو
«شغّل القليب بالشوق على زولٍ بحنّ،
طبع الفراق الجُوّة إحساسي الدفين صورة شجن،
زاد الألم، سبب الفراق البينا كان غدر الزمن.
غدر الزمن مسح الأحاسيس النبيلة وبدّلها،
عِشرة سنين ممزوجة بأحرف وفاء، ما أجملها،
عزاي حروف بعد الشقاء، مسح الليالي وحوّلها،
سُلواي قصائد شاعرٍ اتغرّب، وزادوا بقى الصبر.
نعمل شنو؟ إلا الحصل بيناتنا ما نفّذ القدر،
يرجع يعاودني الحنين، خاطري انكسر يوم انجبر…»
هكذا كانت كلمات الشاعر والأستاذ العالم عبد الوهاب أحمد الحبو، كلماتٌ خرجت من وجدانٍ يعرف معنى الفقد، ويعرف كيف يحوّل الوجع إلى شعر، والحنين إلى قصيدة، والذكريات إلى أغنية تسكن القلوب.
كتب الراحل هذه الكلمات مهداةً إلى ابنة عمه الشاعرة سمرقندية محمد المحتسب، التي ارتبط بها وجدانًا ومودةً، غير أن ظروف الحياة حالت دون استمرار تلك العلاقة، فبقيت الكلمات شاهدةً على زمنٍ مضى، ثم ذاع صيتها، وتناقلها الفنانون السودانيون، حتى أصبحت «غدر الزمن» من الكلمات التي لامست وجدان المستمع السوداني، وبقيت حاضرةً على ألسنة الفنانين وفي ذاكرة الناس.
واليوم، وكأن غدر الزمن يعود من جديد، لا ليحكي قصة فراقٍ بين قلبين، وإنما ليكتب فصلًا موجعًا من فصول الرحيل؛ إذ يترجل الأستاذ القامة، العالم بن العالم، عبد الوهاب أحمد الحبو، عن صهوة حصان الحياة، بعد عِلّةٍ لم تمهله طويلًا.
رحل عبد الوهاب، ولكن الذين يعرفون الرجال يعرفون أن الأصيل لا يرحل وحده؛ بل يرحل معه شيءٌ من الأمان، وشيءٌ من الطمأنينة، وتذبل بعده الأرواح بين بدائل لا تشبهه.
هكذا علّمتنا الحياة أن الطيبين لا يبقون طويلًا، وأن بعض الناس حين يغادرون لا يتركون فراغًا في المكان فحسب، بل يتركون فراغًا في الذاكرة، وفي المجالس، وفي القلوب.
عبد الوهاب… ابنُ بيت العلم والتقى
نشأ وترعرع الأستاذ عبد الوهاب أحمد الحبو في كنف أسرةٍ دينيةٍ صوفية، وكان والده العالم أحمد الحبو من علماء مدينة النهود، وقد عمل أستاذًا لتدريس علوم القرآن بمعهد النهود الإسماعيلي، وكان منزله قبلةً لطلاب العلم، ومقصدًا لأهل المشورة والاستشارة.
وفي مثل ذلك البيت العامر بالعلم والذكر والقرآن، كان من الطبيعي أن يتفتح عبد الوهاب على علوم الدين، وأن ينشأ محبًا للعلم والمعرفة، حتى واصل تعليمه، وتخرج أستاذًا شاملًا، يحمل من المعرفة ما أهّله ليكون معلمًا ومثقفًا وداعيةً للكلمة الطيبة.
وعمل الراحل بمدرسة النهود الشرقية بنين، وظل طوال حياته وفيًا لرسالته التعليمية، مؤمنًا بأن العلم ليس وظيفةً فحسب، وإنما رسالةٌ وأمانة.
وكان بارًا بوالديه، واصلًا لرحمه، وفيًّا لأهله؛ يحرص على صلة أخواته وأرحامه، ولا سيما في يوم الجمعة والمناسبات، وظل حاضرًا بينهم بالود والسؤال والزيارة.
وكان مؤدبًا بأدب العلماء، متحليًا بأخلاقٍ صوفيةٍ رفيعة، حاضرًا في المنابر ودور العبادة، يفتي فيما يعلم، ويتحدث بما يعرف، ويترك أثرًا طيبًا في كل مجلسٍ يحل فيه.
وكان مثقفًا واسع الاطلاع، فصيح اللسان، متمكنًا من اللغة العربية، ملمًا بنواصيها، محبًا للأدب والشعر والكلمة الجميلة.
ولم يكن عبد الوهاب عالمًا ومعلمًا ومثقفًا فحسب؛ بل كان حمامة سلام بين الأهل، يسعى إلى الإصلاح، ويقرّب القلوب، ويطفئ نار الخصومات، ويجمع ولا يفرّق.
النهود تفقد أحد ظلالها الوارفة
برحيل عبد الوهاب تفقد مدينة النهود واحدًا من علمائها ووجوهها التي ألفتها المجالس والمساجد والأسواق.
تفقد المدينة صوتًا كان حاضرًا في حلقات الذكر، وختمات القرآن، ومجالس العلم، وتفقد مكانًا كان يجلس فيه الناس ليستأنسوا بالكلمة الطيبة، وبالحكمة، وبذلك الحضور الذي لا يحتاج إلى ضجيج حتى يفرض احترامه.
وسنفتقده في السوق، وفي المسجد، وفي حلقات الذكر، وفي «حكمة اليوم»، وفي المجالس التي كان يضفي عليها من أدبه وعلمه ووقاره ما يجعلها أكثر دفئًا وألفة.
لقد أحب عبد الوهاب النهود، وأحبته النهود.
وحين اشتدت المحن، وبسطت الحرب ظلالها الثقيلة على المدينة، وما صاحب ذلك من قتلٍ وسلبٍ ونهبٍ وممارساتٍ قاسيةٍ تركت آثارها النفسية والاجتماعية على أهلها، اختار الراحل أن يبقى في المدينة التي أحبها، رغم الضغوط والمخاطر المحيطة به.
ولعل ما أحاط به وبأهل المدينة من قسوة الحرب وضغوطها النفسية والإنسانية قد زاد من وطأة العلة، غير أن الأعمار بيد الله، ولكل أجلٍ كتاب.
«الخبر انطلق فوق الوسايط فايح،
والطير في سماهو الليلة باكي وصايح،
ناداك عبد الوهاب بأعلى صوتو وصايح:
وييييينك يا التقي… خليتنا ماشي ورايح؟»
أيها الراحل الذي كان يمشي بين الناس هادئًا، ويزرع في دروبهم الكلمة الطيبة، ها أنت اليوم تمضي إلى رحمةٍ أوسع من هذه الدنيا، وتترك خلفك أهلًا وأصدقاءً ومدينةً كاملةً ستفتقد ملامحك وصوتك ومجالسك.
وما أقسى أن نعيد اليوم كلماتك القديمة:
«يرجع يعاودني الحنين،
خاطري انكسر يوم انجبر…»
لكن هذه المرة، ليس الحنين إلى حبيبٍ فرّقته ظروف الحياة، وإنما الحنين إلى رجلٍ فرّقه الموت عن أهله وأحبابه، ورحل إلى حيث لا فراق ولا ألم ولا وجع.
«يا نفسُ توبي فإن الموت قد حانا
وأعصي الهوى فالهوى ما زال فتّانا
أما ترين المنايا كيف تلقطنا
لقطًا، فتُلحق أُخرانا بأولانا
في كل يومٍ لنا ميتٌ نشيعه
نرى بمصرعه آثار موتانا
ما بالنا نتعامى عن مصائرنا
ننسى بغفلتنا من ليس ينسانا»
نعم، نمضي في الحياة وكأن الموت بعيد، ثم يأتي خبرٌ واحدٌ فيوقظ فينا الحقيقة كاملة: أن الرحيل موعدٌ لا يتأخر، وأن الإنسان مهما طال مقامه، فإلى الله مآله.
وإن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا لفراقك يا عبد الوهاب لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي الله
نعزي أنفسنا أولًا، ونعزي كل الأسرة الكريمة: أبناء المرحومه الجده/ فاطمه أحمد الحبو
الجدة ريحانة الحبو، وأبناءها وبناتها، ومحاسن الحبو، وصفاء الحبو، ورقيّه الحبو والخوال: البروفيسور محمد أحمد عجبنا، ومحمد الهادي، ومحمد الحسن، والحبو، كما تمتد تعازينا إلى مأمون الحبو، وصلاح الحبو، وإلى جميع أفراد الأسرة الممتدة في الداخل والخارج، وإلى أهل النهود جميعًا، وأصدقاء وتلاميذ ومحبي الفقيد.
نسأل الله أن يربط على قلوبكم، وأن يجبر كسركم،
اللهم إنا نشهد لعبد الوهاب بالتقى، ونشهد له بطيب الكلم، وصلة الرحم، وحب العلم، ونشر علوم الدين، والسعي بين الناس بالخير والإصلاح.
اللهم إن كان محسنًا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئًا فتجاوز عن إساءته، وأكرم نزله، ووسّع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقّه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس.
اللهم اجعل القرآن أنيسه، واجعل قبره روضةً من رياض الجنة، ولا تجعله حفرةً من حفر النار.
اللهم ثبته بالقول الثابت، وآنس وحشته، ونوّر مرقده، وأكرم وفادته عليك، واجعل ما قدّم من علمٍ وخيرٍ وصلةٍ وإصلاحٍ وذكرٍ صدقةً جاريةً في ميزان حسناته.
اللهم ألبسه من حلل الجنة، وأسكنه في ظلال رحمتك، واجمعه بالصالحين والنبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقًا.
اللهم اجبر قلوب أهله ومحبيه، وألهمهم الصبر والسلوان، ولا تحرمهم أجره، ولا تفتنهم بعده، واغفر لنا وله ولجميع موتى المسلمين.
رحم الله الأستاذ العالم عبد الوهاب أحمد الحبو، وغفر له، ورفع درجته في المهديين، وجعل النهود وأهلها أوفياء لذكراه، كما كان هو وفيًّا لها.
رحل الرجل، وبقيت سيرته.
سكت الصوت، وبقيت الكلمة.
غاب الجسد، وبقي الأثر…
وما بين «غدر الزمن» التي كتبها يومًا عن فراقٍ بشري، وبين غدر الزمن الذي خطّ اليوم آخر سطور حياته، تبقى الحقيقة الكبرى:
أن الفراق قدر، وأن الذكرى وفاء، وأن الرجال لا يموتون حين تُوارى أجسادهم، وإنما يبقون ما بقي أثرهم في الناس.
إنا لله وإنا إليه راجعون…
habobsalah@gmail.com
