رياح ورماح
غرب كردفان: بين رصاص الحرب وسراب التنمية
- نحو نسق للتفكير داخل النسق*
محمد قور حامد
إن أخطر ما في الحرب ليس أنها تقتل الأجساد، بل أنها تقتل القدرة على التفكير. وعندما يغرق النسق الاجتماعي في “رهود الدم”، يصبح الحديث عن التنمية عبثاً فلسفياً، ويصبح التفكير خارج النسق ترفاً، والتفكير داخله انتحاراً. فكيف إذن نفكر؟ وكيف نغسل الإثم بالعقل لا بالبندقية؟
إن النسق الحالي في غرب كردفان يقوم على منطق الغنيمة: الموارد التي كان من المفترض أن تكون “ثدياً” يرضع منه المواطن، سُيقت إلى الرصاص، والإنسان سُيق إلى الحرب. وهذا نسق وجودي هش، لأنه يلغي السؤال الأهم: “من نحن بعد أن تضع الحرب أوزارها؟” أما التفكير داخل النسق فهو أن نعيد صياغة السؤال من الداخل. أن نسأل: إذا كان لا بد من وجود سلاح، فهل يمكن أن يكون لحماية “العقد الاجتماعي” لا لتمزيقه؟ هنا تتحول الفلسفة من برغماتية البقاء إلى برغماتية البناء. لا ننكر الواقع، بل نحقنه بجرعة عقل.
وكثيرون حملوا السلاح مرغمين أو مخدوعين أو حتى عن قناعة، والإثم هنا جمعي. ولكن الفلسفة تقول إن الذنب الجمعي لا يُغسل إلا بفعل فردي شجاع. والتفكير داخل النسق يعني أن يقول الفرد: “أنا جزء من هذا النسق، ولذلك أتحمل مسؤولية تحويله”. هذا ليس تبريراً للماضي، بل هو فعل تطهير. أن ترفض أن تورّث لأبنائك نسقاً أساسه الخوف. أن تختار السلم لا ضعفاً، بل لأن العزة الحقيقية هي في أن تبني لا أن تهدم. فمن يجنح للسلم اليوم لا ينقص قدره، بل يرفع مقام أجداده الذين كان الصلح عندهم فريضة، ويرتقي فوق صغار الحسابات إلى مقام المسؤولية التاريخية.
لقد علمنا النسق الحربي أن الشجاعة هي المواجهة. لكن الفلسفة تسأل: وأي شجاعة أكبر من أن تقف في وجه قطيعك وتقول “كفى”؟ أن تقول لقبيلتك: “كرامتنا ليست في أن نموت، كرامتنا في أن نحيا”. أن تقول لشبابك: “البترول الذي أنفقناه رصاصاً كان يمكن أن يكون مدرسة”. هذه هي الشجاعة الوجودية: أن تختار الحياة في زمن يمجد الموت.
وما دام صوت المدفع يغطي على كل مساحات الفكر، فعلينا أن نخلق “مساحات همس” داخل النسق نفسه. نستخدم مفردات النسق: الكرامة، الشرف، الأرض، ولكن نعيد ملأها بمعنى جديد. فالكرامة ليست في أن تقاتل، بل في أن لا تتسول الأمن. والشرف ليس في الثأر، بل في أن تصون العرض من نزوح جديد. هكذا نفك النسق بمفرداته، لا بشعارات تأتي من خارجه فتلفظها البندقية.
إن التفكير داخل النسق ليس خضوعاً له. هو احتلال عكسي للعقل. هو أن نقول لأبناء غرب كردفان: أنتم لستم وقوداً لحرب غيركم، أنتم المهندسون. أنتم من سيقرر إن كان “ثدي الولاية” سيعود لإرضاع أبنائه، أم سيظل يُحلب باروداً يغتال ما تبقى من أمل.
فجنوحنا للسلم اليوم هو الفلسفة الوحيدة القادرة على أن تحول “الرماح” إلى رياح، وأن تحول “سراب التنمية” إلى واقع معاش. والتاريخ لا يرحم من اختار أن يكون أداة، ولكنه يخلد من اختار أن يكون إرادة.
mqwr560@gmail.com
