غَرَائِبِيَّاتُ الانْقِلَابِيِّين! 

 


 

كمال الجزولي
28 يونيو, 2022

 

روزنامة الأسبوع


الاثنين

أوردت الـ (سي إن إن)، بالثُّلاثاء 14 يونيو 2022م، أن الرَّئيس المصري عبد الفتَّاح السِّيسي طالب دول مجلس التَّعاون الخليجي، وعلى رأسها السُّعوديَّة والإمارات، بتحويل «ودائعها» البنكيَّة في مصر إلى «استثمارات»، وذلك من خلال تصريحات أدلى بها في اليوم السَّابق، الإثنين 13 يونيو، لدى لقائه عدداً من الصَّحفيِّين على هامش افتتاح بعض المشروعات الخاصَّة بتنمية الانتاج الحيواني!

في تعليقه على الخبر قال عمرو أديب، الإعلامي المقرَّب من النِّظام المصري، عبر برنامجه التِّلفزيوني الرَّاتب، إن القاهرة تتبع، بذلك، سياسة «شكراً على السَّمكة .. ولكنَّني أفضِّل الحصول على السِّنَّارة»! ثمَّ أردف متسائلاً: «ليه إحنا ناخد قرض؟! وليه انت، أصلاً، تحط وديعة؟! طب ما الأفضل توطِّن استثماراتك عندنا ونبقى شُركا .. فالدَّرس اللي احنا اتعلمناه للمرَّة التَّلاتين إن أوَّل ما تحصل مشكلة الناس دي بتسحب فلوسها وتمشي! إنَّما مين اللي قاعد لك؟! اللي قاعد هو المستثمر اللي دخل معاك في صناعة، اللي دخل معاك في زراعة» .. الخ!

وبعد، أفلا نحتاج في السُّودان لأن نأخذ الحكمة، ولو من السِّيسي؟! ولو من عمرو أديب؟!


الثُّلاثاء

تهلُّ، خلال أيَّام، الذِّكرى الأولى بعد الخمسين لحركة 19 يوليو عام 1971م، بقيادة الشَّهيد هاشم العطا. وقد أهداني الأستاذ محمد علي خوجلي، مشكوراً، نسخة من كتابه الجَّديد «عمليَّة يوليو الكبرى في السُّودان»، الصَّادر، حديثاً، عن «دار المصوَّرات للنشر»، في 371 صفحة من القطع المتوسِّط، وإن أسقط من عنوان الكتاب، دونما سبب واضح، التَّساؤل الجانبي: «من قتل عبد الخالق»؟!

الكتاب، بالأساس، تجميع قصد المؤلف أن يجئ ممنهجاً لزهاء المئة والخمسين عنواناً استقصائيَّاً، في خمسة أبواب كبيرة، لمجموعة ضخمة من المقالات المثيرة للجَّدل، مِمَّا ظلَّ يوالي نشره حول الموضوع، لما يربو على العقدين من الزّمن، فضلاً عن السِّجالات شديدة السُّخونة، والتي درج على خوضها مع آخرين، في مختلف الصُّحف الورقيَّة والاليكترونيَّة.

ربَّما لهذه الأسباب التي تشكِّل طابعاً شديد التَّعقيد، من جهتي السَّرد والتَّحليل، للقضايا والمشكلات التي يتناولها، فإن الكتاب، برغم الأهميَّة الاستثنائيَّة لمضمونه، لم ينج، في بعض المواضع، من الهنَّات التي تترتَّب، عادة، على الخلط بين الوقائع، أو تداخل المصادر، أو ضعفها، أو الاستناد، في استدعائها، إلى محض الذَّاكرة، خاصَّة وأن بعضها قد يلامس حواف الخطورة، إن لم يستغرق فيها تماماً!

من نماذج تلك الهنَّات، على سبيل المثال، ما ورد بصفحة 152، حول مقابلة محمد نور السَّيِّد، عقب إطلاق سراحه، مباشرة، في 20 يوليو 1971م، وبصحبته مصطفى خوجلي، لعبد الخالق، في المنزل الذي كان يختفي فيه بالخرطوم، حيث طلب من نور ثلاثة أشياء: الأوَّل تبديل منزل الاختفاء، والثَّاني التَّحضير لاجتماع مع حوالي أربعين شَّخصيَّة، أمَّا الثَّالث فعلى حدِّ قول الكاتب حرفيَّاً «إجراء التَّرتيبات التَّنظيميَّة اللازمة كي يتولى قاسم أمين مسؤوليَّة الحزب»، الأمر الذي يشي بأن عبد الخالق «قرَّر» أن يعهد إلى قاسم أمين بخلافته في قيادة الحزب!

الرِّواية، بهذه الصِّيغة، تقدِّم عبد الخالق للأجيال الجَّديدة في صورة «العمدة» الذي كان يدير حزباً حداثيَّاً بأسلوب «الإدارة الأهليَّة»! فإن كان الكاتب قد قصد إلى ذلك، فهذا مؤسف، بلا شك، رغم أيِّ شواهد أخرى يمكن أن تُساق، من تواريخ مغايرة، في هذا الإطار! أمَّا إن كان مراده مجرَّد تعظيم شأن الشَّهيد، فلقد ضلَّ ضلالاً بعيداً! وإلى ذلك فإن دحض الرِّواية، أصلاً، لا يحتاج لكثير عناء، فقد نفاها لي، مستغرباً، محمَّد نور نفسه، مساء الثُّلاثاء الماضية، كما أكَّد لي هذا النَّفي، في ذات المساء، الشَّاهد الوحيد الذي حدَّده الكاتب بنفسه .. د. مصطفى خوجلي!

واقعة بمثل هذا الحجم والثِّقل سوف تحتاج من الكاتب، يقيناً، للمراجعة، في الطبعة التَّالية، دَعْ المراجعات التي قد تحتاجها غيرها من الوقائع، أيضاً، مِمَّا يعزِّز صدقيَّة الكتاب لدى القرَّاء، إنصافاً لما بُذل فيه من وقت ثمين، وجهد جهيد!


الأربعاء

هل انسحب الاتِّحاد الأفريقي من آليَّة الحوار الثُّلاثيَّة بالسُّودان، أم لم ينسحب؟! سؤال في غاية البساطة، غير أن الإجابة عليه تميل لأن تكون أشبه بلعبة كنَّا نمارسها ونحن أطفال، إذ نمسك بساق «جرادة»، ونضغط على مفصلها، فيرتفع السَّاق ثمَّ ينخفض، ونحن ننشد: «فكي صلِّي .. ما بصلِّي»!

ففي مؤتمر صحفي، بالثُّلاثاء 21 يونيو، أعلن محمَّد بلعيش، رئيس «بعثة الاتِّحاد الأفريقي بالخرطوم»، انسحاب بعثته، التي هي أحد أضلاع «الآليَّة الثُّلاثيَّة» مع «بعثة الأمم المتَّحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقاليَّة في السُّودان ـ يونيتامس»، و«الهيئة الحكوميَّة لتنمية دول شرق أفريقيا ـ إيقاد»، من حضور اجتماعات الآلية التي وصمها بلعيش بالافتقار للشَّفافيَّة!

غير أن مكتب الاتِّصال التَّابع للاتِّحاد الأفريقي بالخرطوم ما لبث أن عاد لنفي هذا الانسحاب، عبر بيان أصدره في اليوم التَّالي مباشرة، الأربعاء 22 يونيو، بزعم أن تصريح مندوبه تعرَّض لتأويل غير دقيق، حيث أن بلعيش كان قد أكد، حسب بيان المكتب، «أنه لن يحضر بعض الأنشطة بسبب انعدام الشَّفافيَّة، واحترام كلِّ الأطراف، والالتزام الدَّقيق بعدم الاقصاء في العمليَّة السِّياسيَّة، بما يضمن نجاحها، تماشيا مع مباديء وقيم المنظَّمة القارِّيَّة»!

وكان تصريح بلعيش في المؤتمر الصَّحفي المشار إليه، والذي عقده بعد لقاء مع «قوى الحريَّة والتَّغيير/ جناح التَّوافق الوطني»، قد أكَّد، حرفيَّاً، أنه «قرَّر، بناءً على توجيهات القيادة الأفريقيَّة، ألَّا داعي، مستقبلا، لحضور أيِّ اجتماعات يطبعها التَّمويه، والمراوغة، وعدم الشَّفافيَّة، في جو إقصائي»!

وهكذا فإن بيان الاتِّحاد الأفريقي، مقروءاً في ضوء نصِّ التَّصريح الذي أدلى به بلعيش، لينفي، في الواقع، أيَّ وجود للآلية الثُّلاثيَّة في الوقت الرَّاهن، على حدِّ تصريح حاكم دارفور، مني أركو مناوي، لتلفزيون السُّودان بالثُّلاثاء 21 يونيو، إن لم يؤكِّد، على الأقلِّ، وجود خلاف جدِّي داخل هذه الآليَّة، على طريقة «فكي صلِّي .. ما بصلِّي»!


الخميس

في إحدى أغرب غرائبيَّات انقلاب الفريق أوَّل ركن عبد الفتَّاح البرهان، المستمر في السُّودان منذ 25 أكتوبر 2021م، تقدَّم الانقلابيُّون، قبل أسابيع، بـ «شكوى» إلى مجلس الأمن الدَّولي، عمَّمتها الأمم المتَّحدة، واعتبرتها من وثائق المجلس، وسجَّلتها برقم متسلسل، ضدَّ الشَّباب المتظاهرين، لإضرارهم، على حدِّ قول «الشَّكوى»، ببعض أقسام الشُّرطة، كإتلاف بوَّابة، وأقفال مكتب، وكسر مروحة، وتحطيم نافذة، وحرق ركشة، ودرَّاجة ناريَّة، وزجاج ومرايا سيَّارات، وسرقة عدد 12 كرسي، و6  كنبات، وشنطة ملابس، ومبرِّد ماء، وأنبوبة غاز، وطلمبة ماء، وجهاز كمبيوتر، وكاميرا مراقبة، ووحدة مكيِّف خارجيَّة، وطبق بث فضائي، وشاشتين، وموبايل ماركة موتورولا!

الأغرب من غرائبيَّة الانقلابيِّين هذه غرائبيِّة تعليق «الخبير القانوني» نبيل أديب، رداً على سؤال بعض الصُّحف له حول المسألة، حيث «استبعد أن تقوم الحكومة بتقديم شكوى ضدَّ الثُّوَّار إلى مجلس الأمن» (الانتباهة؛ 14 يونيو 2022م) .. مع ذلك ليس في الأمر عجب! فمثل هذا «الاستبعاد» هو، أصلاً، من مهام «الخبراء»!

الجَّدير بالذِّكر، مِمَّا لم يعره «الخبير» أيَّة أهميَّة، أن قوَّات الانقلابيِّين الشَّاكين أقدمت، خلال الأشهر التِّسعة الماضية وحدها، على قتل أكثر من 100 شهيد وشهيدة من المتظاهرين السِّلميِّين العُزَّل داخل الخرطوم، كما ألحقت إصابات بالغة بأكثر من 4,000 منهم، مستخدمة مدافع «الدُّوشكا»، وبنادق «الخرطوش» التي تستعمل لصيد الحيوانات .. والحبل على الجَّرَّار!


الجًّمعة

ربَّما احتاجت «قوى الحريَّة والتغيير ـ المجلس المركزي» لأن تدفع عن نفسها، أكثر من اتِّهامها الجَّهير بالرَّغبة في استعادة الشَّراكة مع عسكريِّي «السَّـيادة» الانقلابيِّين، الهمس الذي ما ينفكُّ يعلو متَّهماً إيَّاها بأنَّ هدف قبولها اللقاءات المتواترة مع جنرالات هذا المجلس، تبعاً للوساطة الأمريكيَّة ـ السُّعوديَّة، هو التَّواطؤ لمنع الشِّيوعيِّين من التَّأثير على خيار الشَّارع الغاضب، والمطالب بإسقاط الانقلاب، ومحاكمة رموزه على جرائمهم!


السَّبت

رغم أن الكثيرين، للأسف، يعتبرون ممارسة السِّياسة مجالاً خصباً لـ «الكذب»، وهم غالباً ما يقصدون الدِّيماغوغيَّة (!) فإن المـرء ليحار، كيف شـاءت له الحـيرة، إزاء ساسة ومؤرِّخين «يكذبون» كما يشربون الماء! عفواً .. هذا لا يعني أن هذه الشَّريحة من  السَّاسة والمؤرِّخين هي وحدها التي «تكذب»، إنَّما يعني، فقط، أن «كذبها» هو الأخطر، في المستوى «الأخلاقي» بطبيعة الحال، لا سيَّما وأن مفهومنا لـ «الكذب» يقترن، من حيث هو، بتسبيب الأذى للآخرين، والإضرار بهم، على مذهب إِمانويل كانط الذي يُعرِّف «الكذب» بأنه نقيض «الصِّدق»، وأن الالتزام بهذا الأخير في كلِّ الحالات، وكيفما كانت الظروف، ومهما كان الثَّمن، هو، على إطلاقه، واجب قطعي، توقيفي، غير مشروط، لا زمانيَّاً، ولا مكانيَّاً، إلى حدِّ إقصاء كلِّ اعتبار تاريخي، وكلِّ تبرير آخر مِمَّا يلجأ البعض لتلفيقه، أحياناً، في باب طمأنة الضَّمير زوراً وبهتاناً، فيطلقون عليه «الكذب النَّافع»، وفق جاك دريدا.

لكن، لئن كان هذا الجَّانب «الأخلاقيُّ» بدهيَّاً، فإن اللافت أكثر هو افتقار «كذب» السِّياسي والمؤرِّخ لإتقان «التِّقنية»، أغلب الأحيان، ربَّما لاشتغالهما على الوقائع والآراء في نطاق بالغ الوُسع! فالسِّياسي والمؤرِّخ، كي يتسنى لأيٍّ منهما أن «يكذب»، ينبغي أن يمتلك، أصلاً، ذاكرة في قوَّة خزانة فولاذيَّة لا تسمح بتسريب ولو خيط رفيع من الضَّوء، وإلا فإنه سيلفى نفسه متورِّطاً في شِراكِ تناقض مفضوح بين ما يقول اليوم، وما قد يكون قال بالأمس! وللعرب في هذا مأثورات متداولة، كقولهـم: «إنْ كنت كذوباً فكـن ذكـوراً»، وهذا، بالضَّـبط، ما نعنيه بالجَّانب «التِّقني»!

ومع أن العنصر الغالب في «الكذب» هو «الواقعة»، بمعنى أن الشَّخص يُعتبر قد «كذب» إذا روى «واقعة غير حقيقيَّة»، أو ساق، عن «واقعة» واحدة، «روايتين متناقضتين»، فإن ذلك ليس هو، دائماً، الأمر الحاسم في التَّعريف الدَّقيق لـ «الكذب»، إذ يندرج في عداده، أيضاً، وخصوصاً بالنِّسبة للسِّياسي والمؤرِّخ، الإدلاء بـ «رأيين متناقضين» حول نفس المسألة، فيروح الواحد منهما يتقافز، كما الجُّنْدَب، من الرَّأي، مرَّةً، إلى نقيضه، بعد حين، دون أن يطرف له جفن، ودون أن يكون لديه من المبرِّرات سوى النَّسيان، وهذا أهونها، أو الانتهازيَّة التي لا تأبه لعقول الآخرين، وهذا أغلظها!

جالت بذهني هذه الخواطر في مناسبتين مختلفتين بفارق زمني متقارب:

ففي أولاهما شاهدت شريحتَي فيديو تتضمَّنان رأيَين متناقضَين لقيادي «إسلاموي» سوداني، وشمولي بالضَّرورة، كان قد انشقَّ، في فترة سابقة، عن نظام الحكم، فجرى إقصاؤه منه، يخاطـب، في إحدى الشَّريحتين، جـمعاً من الشَّباب والطلاب، يحرِّضهم ضدَّ النِّظام، ويدعوهم، وهو يرغي ويزبد، للانتفاض عليه، وإسقاطه، باعتبار ذلك من صميم مقتضيات الإيمان!، لأن النِّظام، في رأيه، ميئوس من إصلاحه، رغم أنه، هو ذاته، كان أحد أكبر المشاركين في تأسيسه! لكنه، في شريحة الفيديو الأخرى، ما لبث أن انقلب يشيد بنفس النِّظام، وبنهجه السِّياسي الذي يبدو كما لو أنه «انصلح»، فجأةً، بعد أن صدر قرار رئاسي أعاد الرَّجل إلى موقعه في دست الحكم!

أمَّا في المناسبة الأخرى فقد رأيت مؤرِّخاً شموليَّ الهوى، بدوره، يقيِّم حدثاً تاريخيَّاً سلبيَّاً بأنه إيجابيٌّ، ولمَّا انتقد النَّاس تقييمه هذا انبرى يردُّ عليهم قائلاً: «لا، أنتم مخطئون، بل ولا تفهمـون، فرأيِّي أن ذلك الحـدث سلبيٌّ، لكـنه، فـي الواقـع، إيجابيٌّ»!

كذبُ هذين السِّياسي والمؤرِّخ لا يتَّصل، في ما هو واضح، برواية كلٍّ منهما واقعة معيَّنة بوجهين يدحضان بعضهما بعضاً، بل بإظهار الواحد منهما موقفين متعارضـين، أو رأيين متناقضـين تماماً، إزاء أمر واحد فحواه، بالنِّسبة للسِّياسي الإسلاموي، التَّقرير بشأن ما إنْ كان النِّظام يتَّسم بـ «الفساد» أم بـ «الصَّلاح»، وبالنِّسبة للمؤرِّخ الشُّمولي التَّقرير بشأن ما إن كان الحدث التَّاريخي المعيَّن «إيجابيَّاً» أم «سلبيَّاً»!

ومن المعلوم أن الشُّموليِّين، كقاعدة، وبحسب مراقبة مفكِّرين كُثر، لا يأبهون بـ الحقيقة «الموضوعيَّة»، الأمر الذي يمكن ملاحظته في خطاباتهم ودعاياتهم، حيث يرون أنه ليس ثمَّة مقياس واحد، أصلاً، أو أساس موضوعي ثابت، للحصول على هذه الحقيقة. ومن ثمَّ فإنَّهم يسعون، ليس، فقط، لتقديم روايات مغايرة عن حقيقة الماضي، بل حتَّى عن حقيقة الحاضر المُعاش نفسه، والمرئي بالعين المجرَّدة!

ولا تغيِّر من جوهر الكذب حتَّى محاولات التَّذاكي التي تدعو إلى السُّخرية، والتي قد تقع، أحياناً، عن طريق التَّلاعب بالوقائع والآراء، كما في الطريقة الملتوية، مثلاً، التي تتمُّ بها إعادة كتابة التَّاريخ، أو في التَّحوير المضحك في الشَّـكل الكلاسـيكي للتَّنظير السِّـياسي!

والكذب مدموغ أخلاقيَّاً، من الزَّاويتين «الدِّينيَّة» و«الوضعيَّة». فالحكم «الإسلامي» على الكذب معلوم، بالطبع، كما في الآية الكريمة: «إنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِـنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ» [النَّحل:105]؛ وكما في الحديث الشَّـريف: «قيل: يا رسـول الله، المؤمن يكون جباناً؟ قال: نعم، قيل: يكون بخيلاً؟ قال: نعم، قيل: يكون كذَّاباً؟ قال: لا» [رواه مالك في الموطَّأ]. كما وأنه لا جدال في أن الكذب مدموغ، أيضاً، من زاوية الأخلاق «الوضعيَّة»، حيث التَّوافق في الحكمين ناشئ، بطبيعة الحال، من التَّوافق بين «الدِّين القويم» وبين «الفطرة السَّليمة».

وتجدر الإشارة، هنا، وبمناسبة الفكر «الوضعي»، إلى أن «الكذَّاب»، في قول أرسطو، سواء كان على صعيد «اختلاق الوقائع» أو على صعيد «تبديل الرَّأي»، ليس هو، فقط، من يملك القدرة على «الكذب»، بل هو من «يميل» إلى «الكذب»!

لكن ما يلفت الانتباه، حقَّاً، كما سبق وذكرنا، هو عدم «إتقان الكذَّاب»، كهذا السِّياسي وذاك المؤرِّخ، ترتيب قوله «تقنيَّاً» إلى المدى الذي يضمن فيه لقوله الثَّاني أقوى تماسك داخلي، فضلاً عن أوثق اتِّساق مع قوله الأوَّل، خصوصاً على صعيد «كذب الرَّأي»! على أن الافتراض الذي لا يمكن قبوله لفض الحيرة، في هذه الحالة، هو أن هذين السِّياسي والمؤرِّخ مطمئنَّان لـ «قدرة» قوليهما معاً على إقناع الآخرين بحقيقتيهما، رغم تناقضهما البائن، انطلاقاً من اقتناعهما، هما نفسيهما، قبل كلِّ شئ، بتلك «القدرة»! اعتماد هذا الافتراض يعني، في المقام الأوَّل، الاعتقاد بإمكانيَّة «خداع الذَّات»، وهو ضرب من ممارسة «الكذب» بالغ الصُّعوبة، إن لم يكن مستحيلاً قولاً واحداً! فأمر «الكَّذب»، إذن، لا يتعلق، فحسب، بـ «الأخلاق»، على خطورتها، وإنَّما بالتَّدنِّي المريع في مستوى «تقنيَّة الكذب»، أو ما سبق أن سخر منه أوسكار وايلد، حين أسماه «انحطاط الكذب»، ونعته بـ «الهبوط» المستمر في مستوى «إتقان فنِّه» في العصر الرَّاهن!


الأحد

ليس نادراً ما تنشر الشُّرطة، في الصُّحف، إعلانات، قد تكون مصحوبة، أحياناً، بصور فوتوغرافيَّة لمتَّهمين تطلب تسليمهم. لكن، مع التقدم التِّقني، أضحت الشُّرطة، في بعض البلدان المتقدِّمة، تستخدم وسائط الاتِّصال الحديثة لهذا الغرض. وقد حدث أن نشرت بعض مراكز الشُّرطة الأمريكيَّة، مؤخَّراً، إعلاناً كهذا على الفيسبوك، مصحوباً بصورة المطلوب، ويدعى أنتوني أكيرز. الطريف أن أنتوني هذا وضع ردَّاً على الفيسبوك، أيضاً، قال فيه إنه قادم في الطريق إلى المركز ليسلم نفسه! لكن، عندما تأخَّر في ذلك، نشرت الشُّرطة تنبيهاً له فحواه أن ساعات العمل من 8 صباحًا إلى 5 مساءًا، ووضعوا رقم هاتف ليتواصل أنتوني، عن طريقه، معهم. وبالفعل اتَّصل أنتوني، ووعد بالحضور خلال 48 ساعة! غير أنه، للمرَّة الثَّانية، أخلف وعده، فقرَّرت الشُّرطة اتخاذ إجراء ضدَّه، حيث قامت بنشر تهديد له شديد اللهجة على الفيسبوك! فسارع انتوني لتدارك الأمر، بأن نشر اعتذاراً مؤثِّراً، أكد فيه أن ظرفاً ضاغطاً اضطره للتَّأخُّر، وأنه سيلتزم بالموعد القادم، راجياً أن تتسامح الشُّرطة معه شيئا! وبالفعل، قبل أن يسلِّم نفسه بدقائق، نشر أنتوني صورة له على الفيسبوك وهو على أهبة عبور باب المركز ليؤكِّد أنه حضر في الموعد المحدَّد!

القصَّة حظيت بتفاعل كبير من الجُّمهور، حيث، بسبب الأسلوب الطريف الذي اتبعته الشُّرطة مع أنتوني ظهرت جماعات تدعمه بالآلاف حول العالم، وتتشفَّع له، راجية العفو عنه، لا سيَّما وأن القضيَّة المطلوب فيها لم تكن خطيرة!


***


kgizouli@gmail.com

 

آراء