فـوضى الخـراب في الـدولـة اليبـاب  .. بقلـم: عمـر العمـر

 


 

عمر العمر
22 مارس, 2022

 

 مطلح الأمن الوطني يشكل منذ منتصف القرن السابع عشر أحد الأعمدة الأساسية في بناء الدولة القومية. فبالإضافة إلى نأمين هيبة ادولة وسيادتها يعني بسط الطمأنينة في قلوب المواطنين ضد الخوف ،الحرمان، الترويع، القهروالفمع تطور العلوم لسياسية اتسعت مظلة المصطلح حتى غدت تشمل توفير جميع عناصر إسقرار المحتمع بالإضافة إلى حمايته من كافة أشكال التهديد لداخلية والخارجية بالإضافة حماية القيم الجماعية الجوهرية. كما أضحى المصطلح يشمل التجانس الديمغرافي، المقومات الثقافية ونظافة البيئة..

***   ***    ***


   على قدر قُدرة الدولة في حماية إستقرار الوطن في وجه التهديدات الداخلية والخارجية، تأمين المكتسبات اوالقيم الوطنية يقاس نجاحها في نشر مظلة الأمن الوطني. عديد من الساسة ، المفكرين والكتاب من أمثال روبرت ماكنمارا  وجوزيف ناي يربطون  بين مصطلح الأمن الوطني وإنجاز التنمية الإقتصاية والإجتماعية باعتبارهما واجهتين لحقيقة رفاهية الشعب..الأنظمة العرجاء تعتمد فقط على البعد العسكري أساسا غالبا – إن لم يكن يتيما - من أجل ترجمة المصطلح واقعا  .هي تخلط حقا بين مفهومي أمن المجتمع وأمن النظام ، بل تغلّب الثاني عل الأول فتخفق بذلك على الجبهتين.

***    ***    ***


   ذلك الخلط المفضي بالجميع إلى الجحيم من طبائع الأنظمة التوتاليتارية. فهي لا تتورع عن  التوغل  عمداً في إرتكاب  أخطاء فادحة في سياق فهمها المغلوط المشوشل للمصطلح. من تلك الخطايا الإسراف في القمع الجماعي بحجة إسكات المعارضة. تجاه رزايا تلك الأنظمة بمافيها من فساد وسوء إدارة وإهدار لمصالح المواطنين وحقوقهم.ربما لا يثير إخفاق تلك الأنظمة في تحقيق تطلعات الشعب لجهة التقدم الإجتماعي والرفاهية قلقا موجعا كما التفريط في الأمن الوطني.ذلك  يجعل الوطن قطعة من الجحيم.

فالأمن ضرورة حياتية مثل الماء والهواء لايستقيم الإحساس بنعمة العيش في غيابه.

***    ***    ***


  في تاريخنا المعاصر عديدٌ من فصول الإخفاق على درب التقدم والتنمية لكنّا لم نعايش فصلا مشحونا بالخوف تحت فقدان الشعور بالأمن ، السلم الإجتماعي والطمأنينة العائلية كما يحدث في هذه الحقبة الإنقلابية.على نقيض الأنظمة العسكرية حيث تشدد على آليات صبط الأمن من منطلق الحرص على بقائها يجتاح الوطن حاليا علي إيقاع يومي مشاهد بالغة الأذى بقدر توغلها في التوحّش على نحو يجعل أي مواطن يتناسى رهانه علي حكومة  تطوّر أوضاعه الإقتصادية أو تحسّن فرص حياته اليومية. تلك أزمة لا تشغل كما هو واضحٌ أي حيز من بال القابضين على مفاصل الدولة – اليباب.ألم يقل تي إس إليوت في صدر قصيدته الشهيرة " نيسان –إبريل-أقسى الشهور" .في وسع أي مخرج سينمائي - ولو غير مبدع- صناعة أحد افلام الرعب الواقعية ذات البريق العالمي عبر تأطير وتصوير مشاهد مما يحدث في الشارع السوداني.

***    ***    ***


  هذه المشاهد المجافية للذوق السليم المبثوثة يوميا تأخذ في الواقع طابعا فضائحيا لكل مسؤول في الدولة مثلما تشكل مصدر وقلق لكل أفراد الشعب.فما يحدث لا يؤكد فقط عجز الدولة عن كبح الإنفراط في الإنفلات الأمني بل هناك ما يؤشّر لتورط أجهزة بعينها تمارس تلك الفظائع تحت بصر وسمع المسؤولين إن لم يكن بتحريض منهم.ما من منطق يبررالإنتهاكات ضد السلم الإجتماعي  في سياق أي صراعٍ سياسي. الدولة ليست مسؤولة فقط عن توفير حماية النظام بل  هي مكلّفةٌ بتوفير سلم المواطنين. التاريخ يحدثنا ألا بقاء لنظام يعجز عن نشر مظلة الأمن الوطني. كما يقول لكل عنف بالضرورة عنف مضاد وإن تباينت أشكالهما.

***    ***    ***


  كم هو مؤذٍ مثلما هو مخجل مشاهدة رجال في لباس عسكري ينهالون على المواطنات والمواطنين بالضرب والركل. هذه ممارسات تنافي ضوابط الجندية مثلما تناقض أخلاقيات الرجال وقيم الشعب السوداني. الصراع السياسي لا يبيح البتة إذلال المواطن وانتهاك إنسانيته أو  حقوقه المكفولة بادستور. التوحّش ضد النساء ، الأطفال والمسنين ليس من طبائع السودانيين عامة أو فحولة الأحرار المألوفة في أوساط كل القبائل. فما من سوداني سوى التنشئة يسمح لنفسه بالاعتداء على الفتيات .  تجريد المواطنين من ممتلكاتهم المحمولة ،ونهبها ليستا من ممارسات الجنود ضد شعوبهم  في العالم المتحضر هذه إحدى مساهمات الإنقلابيين إلى منظومة العالم العسكرية.

***    ***    ***


   لو سلّمنا جدلا بإباحة ترويع المواطنين من أجل إخماد جذوة المعارضة فمن غير المنطقي  أو الأخلاقي التسليم ببلوغ ذلك الترويع حد إزهاق أرواح الشبان العزّل، كسر كبرياء الرجال ، نحر كرامتهم بل أدهى من ذلك – ويا للهول -  اغتصاب الفتيات. هذا لعمري مختصر الإنحطاط الأخلاقي في أبشع صوره كما هو من طبائع الغزاة ا البرابرة القساة . فعن أي مسؤولية وطنية أو تصحيح مسار يتشدق الإنقلابيون  المكابرون إذاً! هذا إذلال تمقته التنشئة السليمة، يحرّمه الدين ،يأباه الخلق الحسن ويحاسب عليه القانون.

فهل الدولة في حالة ثبات أم في مكمن تحريض!.؟.

***    ***    ***


من المخزي حدوث كل هذه الفوضى الأمنية العارمة بينما تصدى كبار الجنرالات عند مطلع تشكيل سلطة الثورة لتولي إدارة مؤسسات الجيش ، الشرطة والأمن. رغم ذلك الإصرار مثّل كسرا لهيبة السلطة التنفيذية  غير أن الغفلة السياسية إرتضت تمرير ذلك الإثم من منطلق الحرص على "شراكة الدم" .

هؤلاء الجنرالات ألحقوا بالمؤسسات العسكرية عاراً مشينا. فللمرة الأولى في تاريخنا لا تعجز تلك المؤسسات فقط عن ضبط الساعة الأمنية الوطنية بل- وياللهول- تُتهم بالتورط في الجريمة البشعة.

***    ***    ***


        أحقاً بلغت شهوة السلطة بكبار الجنرالات حد غض البصر عن رؤية مشاهد هذا الفصل الأسود من المأساة الوطنية؟ أحقا يمارس بعض القادة -كما يزعم البعض- الإيعاز والتحريض على نشر تلك الممارسات الشوهاء الخرقاء ؟ أحقا يتورط أولئك في مخطط عنصري بغيض وراءه دوافع فاسدة حشوتها ثارات متوهمة ؟ بغض النظر عن مدى صدقية  تلك الفرضيات فالثابت تعرُض المجتمع إلى رياح القلق والتمزق على نحو يهدد تماسك وحدته. من إفراز ذلك تتابع مويجات النزوح هربا من هذا الواقع البئيس! حتى لو نجحت الجهود المهيضة في تشكيل سلطة تنفيذية إنتقالية فالثابت كذلك تجسيد إعادة ضبط السلم الإجتماعي عبئا ثقيلا على كاهل تلك السلطة في الوطن اليباب. كما قال إليوت"ما كنت  أحسب أن الموت حصد كل هذا العدد": من الشبيبة إبان هذه الحقبة الإنقلابية.


aloomar@gmail.com

 

آراء