فى بيان أن ضرورة ضوابط السوق أصبحت مسلمة للفكر الإقتصادي المعاصر

د. صبري محمد خليل – أستاذ فلسفة القيم الإسلامية في جامعة الخرطوم

تمهيد ” ملخص”: تهدف هذه الدراسة الموجزة إلى بيان أن ضرورة وضع ضوابط قانونية وأخلاقية للسوق أصبحت من مسلمات الفكر الاقتصادي المقارن والمعاصر بمذاهبه المتعددة، وإن اختلفت هذه المذاهب في مضمون هذه الضوابط وحدودها ومدى تطبيقها.
فعلى الرغم من أن الموقف النظري للرأسمالية من هذه الضوابط قائم على رفض فرض أي ضوابط على السوق، اعتمادًا على وجود قانون طبيعي ينظمها، فقد أثبت واقع المجتمعات الرأسمالية خطأ هذا الموقف. لينتهي الموقف العملي التطبيقي للرأسمالية إلى إقرار ضرورة وضع ضوابط للسوق، وهو ما أكده منظرو النظام الاقتصادي الرأسمالي والمدافعون عنه. وأصبح الخلاف بين المجتمعات الرأسمالية محصورًا في حدود هذه الضوابط ومدى تطبيقها.
أما مذاهب الفكر الاقتصادي الاشتراكي المتعددة، فقد اتفقت على ضرورة وضع ضوابط للسوق، وإن اختلفت في مدى هذه الضوابط وكيفية تطبيقها. كما أن رفض الأخطاء التي صاحبت تطبيق بعض التجارب الاشتراكية لضوابط السوق لا يعني رفض هذه الضوابط من أساسها، بل يعني تصحيح هذه الأخطاء في تطبيقها.
أما الفكر الاقتصادي الإسلامي، فينطلق من جملة من المفاهيم والقيم والقواعد الكلية التي ينبغي أن تضبط حركة السوق، واستنادًا إليها قرر جملة من الضوابط الأخلاقية والقانونية والدينية للسوق.

أولاً: موقف الليبرالية والرأسمالية من ضوابط السوق:لا يمكن الحديث عن موقف الليبرالية كفلسفة ومنهج، والرأسمالية كنظام ليبرالي في الاقتصاد من ضوابط السوق إلا بعد التمييز بين المستويين النظري والتطبيقي لكليهما.

  1. المستوى النظري: “عدم فرض أي ضوابط”: على المستوى النظري، نجد أن الرأسمالية قائمة كنظام اقتصادي ليبرالي – واستنادًا إلى فكرة القانون الطبيعي – على أن مصلحة المجتمع ككل تتحقق حتمًا من خلال محاولة كل فرد تحقيق مصالحه الخاصة، أي دون تدخل الدولة كممثل للمجتمع.
    وبناءً على ذلك، فإن الموقف الليبرالي-الرأسمالي من ضوابط السوق قائم – على المستوى النظري – على عدم فرض أي ضوابط أخلاقية أو قانونية على السوق، اعتمادًا على أن هناك قانونًا طبيعيًا ينظم السوق، ويحملها على نحو يجعلها تؤدي وظيفتها تلقائيًا.
  2. المستوى التطبيقي: “ضرورة وضع ضوابط”: أما على المستوى التطبيقي، فقد أثبت واقع المجتمعات الرأسمالية خطأ هذا الموقف النظري، إذ قبل نهاية القرن التاسع عشر، أصبحت ضرورة وضع ضوابط أخلاقية وقانونية مسلمة في كل المجتمعات الرأسمالية، وإن اختلفت في حدود هذه الضوابط ومدى تطبيقها.
    فالمنافسة الحرة في النظام الاقتصادي الرأسمالي في المجتمعات الغربية أدت إلى الاحتكار، أي أن ترك كل فرد يفعل ما يشاء أدى إلى منع الأغلبية من تحقيق مصالحها. وقد حاول العديد من منظري النظام الاقتصادي الرأسمالي والمدافعين عنه التأكيد على هذه الضرورة بطرق مختلفة.

أ. ضرورة الضوابط عند ماكس فيبر:في كتابه الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية، أبرز ماكس فيبر الدور الذي لعبته الأخلاق العليا والبنية الدينية في نشوء النظام الرأسمالي، من خلال دراسة الأخلاقيات الاقتصادية للدين وما يؤكد عليه من قيم اقتصادية. وميز بين البروتستانتية والكاثوليكية في القرن السادس عشر، حيث تحث الأولى على العمل الحر والادخار وتراكم الثروة، بينما تميل الكاثوليكية إلى الزهد والتقشف. وينتهي إلى أن السوق الحرة، كتعبير عن تطور الرأسمالية، يُفترض أن تتسم بروح الأخلاق من خلال الأفراد المتحكمين في عملياتها.
ب. ضرورة الضوابط عند آدم سميث:كما يقول آدم سميث في كتابه نظرية الوجدان الأخلاقي:”ينبغي على الرجل أن ينظر إلى نفسه على أنه مواطن في هذا العالم، وعضو في جمهورية الطبيعة، وليس فردًا مستقلاً ومنفصلاً عن العالم، ومن أجل مصلحة هذا العالم الكبير ينبغي عليه طوعًا أن يضحي بمصلحته الشخصية الصغيرة في كل الأوقات” (عبد الإله سطي، السوق الحرة: هل هي نهاية الأخلاق؟).

الأزمة الاقتصادية العالمية وتجدد الدعوة إلى ضرورة الضوابط: بعد انهيار الكتلة الشرقية وظهور نظام عالمي أحادي القطب، ظهرت بعض الدعوات التي التزمت بالموقف النظري الليبرالي القائم على عدم فرض أي ضوابط على السوق. إلا أن هذه الدعوات شكلت الأساس الأيديولوجي للأزمة الاقتصادية العالمية الأخيرة، مما أدى إلى تجدد الدعوات لوضع ضوابط أخلاقية وقانونية للسوق.
يقول د. رضوان السيد:
“وعلى أي حال، فإن منتدى دافوس لهذا العام، وتحت تأثير الأزمة المالية العالمية، وللدفاع عن الرأسمالية وليس لإدانتها في الأساس؛ لجأ إلى ‘الأخلاقيات’، وهي دعوة لإعادة النظر والمراجعة، وتطلب الضمانات والضوابط الأخلاقية العلمانية والدينية؛ لكي تكون عاملاً مساعدًا في الخروج من الأزمة وعدم تكرارها، بالإضافة طبعا للضوابط القانونية والتنظيمية التي تفرضها إدارات الدول والبنوك المركزية” (أخلاقيات الاقتصاد وأخلاقيات السوق).

ثانياً: الفكر الاشتراكي وضرورة وضع ضوابط للسوق: إتفقت مذاهب الفكر الاقتصادي الاشتراكي المتعددة على ضرورة وضع ضوابط للسوق، وإن اختلفت في مدى هذه الضوابط وكيفية تطبيقها.
إن واقع انهيار بعض التجارب الاشتراكية، مثل التجارب الماركسية، لا يعني رفضًا مطلقًا لفرض ضوابط على السوق، بل يجب اعتماد موقف نقدي يقر بالإيجابيات ويرفض السلبيات. ويتضمن هذا الموقف النقدي الإقرار بضرورة وضع ضوابط للسوق، مع مراعاة ضوابط إضافية لضمان عدم حدوث أخطاء في تطبيقها، مثل:
إقرار الملكية الفردية ذات الوظيفة الاجتماعية.
تطهير القطاع العام من البيروقراطية والفساد لضمان قيامه بدوره القيادي في النشاط الاقتصادي.
تعزيز الشفافية والديمقراطية وتفعيل الرقابة الشعبية.

ثالثاً: الفكر الاقتصادي الإسلامي وضرورة وضع ضوابط للسوق:

المفاهيم والقيم والقواعد الكلية للفكر الاقتصادي الإسلامي:ينطلق الفكر الاقتصادي الإسلامي من أصوله النصية الثابتة، ويستند إلى مفاهيم وقيم وقواعد كلية تضبط حركة السوق، ومنها:

الله تعالى مالك المال الأصلي: ﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (النور: 33).

الانتفاع الجماعي بالثروة: يُستخلف الفرد عن الجماعة في الانتفاع بالمال، والجماعة لها الحق في إدارة مصادر الثروة الرئيسية. قال الرسول ﷺ: “الناس شركاء في ثلاثة: الماء والكلأ والنار” (رواه أحمد وأبو داود).

الملكية الخاصة مقيدة: على الرغم من الاعتراف بالملكية الفردية، فهي مقيدة بضوابط المالك الأصلي (الله تعالى) وبحق الجماعة في الانتفاع.

نماذج لضوابط السوق في الفكر الاقتصادي الإسلامي:استنادًا إلى المفاهيم السابقة، قرر الفكر الاقتصادي الإسلامي ضوابط أخلاقية وقانونية ودينية للسوق، منها:

الحلال والحرام كضابط للسوق: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أن رسول الله ﷺ قال: “يأتي على الناس زمان لا يُبالِي الرجل من أين أصاب المال، من حلال أم حرام” (سنن النسائي، كتاب البيوع، حديث رقم 4454).

تحريم الاحتكار: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قال: “من احتكر حُكْرة يريد أن يُغلي بها على المسلمين فهو خاطئ” (مسند أحمد، حديث رقم 8403).

منع التواطؤ بين البائعين: “ولا تناجشو” (البخاري، كتاب البيوع، ج 2، ص 16).
النهي عن الغش: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ…﴾ (المطففين: 1-5) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أن النبي ﷺ قال: “أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غش فلا مني”.

الصدق والوضوح في بيان حقيقة السلعة: عَنْ أَبِي ذَرٍّ أن النبي ﷺ قال: “ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة… والمُنفق سلعته بالحلف الكاذب” (صحيح مسلم، كتاب الإيمان، حديث رقم 106).

النهي عن البيع على البيع والشراء على الشراء: “لا يبيع بعضكم على بيع أخيه” (البخاري، كتاب البيوع، ج 2، ص 16).
النهي عن تلقي الركبان وبيع الحاضر للبادي: “لا تلقوا الركبان ولا يبيع حاضر لباد” (البخاري، كتاب البيوع، ج 2، ص 19).

المصدر: د. صبري محمد خليل خيري | دراسات ومقالات

عن د. صبري محمد خليل

شاهد أيضاً

العلمانيون والإسلاميون والدوران في الحلقة الاستعمارية المفرغة كأداة لتفتيت الأمة

د. صبري محمد خليلأستاذ فلسفة القيم الإسلامية – جامعة الخرطومSabri.m.khalil@gmail.comملخص المقال:نستخدم مصطلح العلمانيين للدلالة على …