فى نقد المظاهر السلبية للمتعلمين والمثقفين السودانيين

 


 

د. صبري محمد خليل
15 نوفمبر, 2022

 

Sabri.m.khalil@gmail.com

تمهيد: هناك العديد من المظاهر الفكرية والسلوكية السلبية ، التي تسود بين المتعلمين والمثقفين السودانيين (نعنى بالمتعلمين الذين لا يعرفون من العلم إلا ما تعلموه في جامعاته ومراكزه ومعاهده المتخصصة، ويجهلون علاقته بمشكلات الواقع الاجتماعي، أو لا يهتمون بتلك الصلة. ونعنى بالمثقفين الذين لهم المقدرة الفكرية لإدراك المشكلات الاجتماعية، ومعرفة حلولها، والمقدرة على العمل الجماعي اللازم لحلها). فهذه المظاهر السلبيه توجد في مجموعهم وليس بالضروره فى جميعهم .

افراز التخلف الحضارى واحد اسباب استمراره: هذه المظاهر السلبية هي إفراز امتداد الحياة في ظل تخلف النمو الحضاري للمجتمع السوداني، نتيجة لعوامل داخليه (كالتقليد، الجمود،الاستبداد..) وخارجية(كالاستعمار،التبعية،
التغريب...) متفاعلة ، و في ذات الوقت فإنها احد أسباب استمراره. لأنها تفتك بمقدرة المثقفين، الذين هم قادة حركة التطور الاجتماعي في كل المجتمعات، ومن أهم هذه المظاهر السلبية :

الفردية )الأنانية) : من أهم هذه المظاهر الفردية ،ومرجع هذه النزعة الفردية (التي يعبر عنها عامه الناس بمصطلح الانانيه) عند المتعلمين و المثقفين أنهم قادة حركة التطور في كل المجتمعات، وإذا كانوا في المجتمعات المتقدمة كثرة تفيض عن الحاجة. فإنهم في المجتمعات النامية –
كالسودان- قوة نادرة؛ ذلك لأنهم أكثر معرفة وعلماً ومقدرة على العمل من الكتلة السائدة. فلا تستطيع مجتمعاتهم أن تستغني عنهم، وبينهم وبين سواد الشعب ثغرة فاصلة.يمكن أن يضاف إلى هذا أسباب عدة، منها أن برامج التربية والتعليم والثقافة والإعلام في المجتمعات النامية كانت لفترة طويلة من وضع القوى الاستعمارية لخدمة غاياتها، ومن غاياتها إضعاف العلاقة الاجتماعية التي تربط الناس بمجتمعاتهم في مصير واحد ، حتى لا تعود هذه الروابط إلى وعى الناس التزامهم بتحرير مجتمعاتهم. ومنها ميراث الممارسة الليبرالية ذلك المذهب الفردي الذي يتجاوز تمجيد الإنسان إلى إطلاق الفرد من التزاماته المترتبة علي انتمائه إلى مجتمعه؛ فيتحول المجتمع إلى ساحة صراع فردي لا إنساني؛ وتكون الفردية فيه قيمة لا يخجل منها صاحبها، بل يفخر بها، بقدر ما يكون لها من ضحايا من أفراد آخرين.

الانعزال الفكرى او الانفعال الاجتماعى السلبى مع الجماهيروقضاياها:
ولهذه الانانيه اشكال متعدده منها: الانعزال الفكرى عن قضايا الجماهير أوالانفعال الاجتماعى السلبى مع الجماهير ومن اشكاله الاستعلاء عليها، والتشبث بالقيادة، والتوقف أو الانعزال، أو التمرد على العمل الجماعي ما لم يخضع الناس لإرادته.

البيروقراطية: من أشكال الانفعال الاجتماعى السلبى مع الجماهير البيروقراطية؛ فالبيروقراطيون هم قطاع من المتعلمين، يشكلون جزءاً من موظفي الدولة، يُفرطون في توفير الشرعية الشكلية للقوانين واللوائح (عدم تناقضها مع قواعد الدستور أو القانون مع إهمالهم لمضمونها ( كأدوات وُضِعت لتنظيم حياة الناس وحل مشاكلهم)، كما تستخدم فئة منهم السلطة الممنوحة له للتعويض - السلبى- لسنوات الفقر بالاختلاس أو التعويض - السلبي ايضا - لسنوات الذل بالاستبداد بالناس. ولا يمكن مقاومة البيروقراطية إلا بمنح الشعب حق الشكوى ،لا بمنح الموظفين الحضانة ضد الشكوى.

تجاوز المثقف لدوره التنويري ومحاولته فرض وصايته على الشعب : ومن هذه المظاهر السلبية عدم معرفة كثير من المثقفين السودانيين لحدود دورهم الاجتماعي (الدور المعرفي التنويري( ، مما يؤدى في كثير من الأحيان لتجاوزهم لهذا الدور.ومن أشكال هذا التجاوز محاولة كثير من المثقفين السودانيين فرض وصايتهم على الشعب السوداني .

الدوران في الحلقة المفرغة "التغريب والتقليد:" من هذه المظاهر السلبية أن المثقف السوداني في محاولته الاجابه على السؤال المتعلق بكيفية تحقيق التقدم الحضاري للمجتمع السوداني ظل –فى غالب الاحيان - يدور في حلقه مفرغة ، مضمونها إما القول بإلغاء القيم الحضارية للشخصية السودانية واستبدالها بقيم جديدة (الموقف التغريبى)؛ متناسيا أن أن محاولة اجتثاث أي شخصية من جذورها محاولة فاشلة لن تؤدى إلا إلى حطام شخصية. أو القول بالإبقاء علي الشخصية السودانية كما هي كائنة (الموقف التقليدى)؛ متناسيا أن هذا يعنى الإبقاء على المظاهر الفكرية والسلوكية السلبية التي أفرزها التخلف الحضاري. ولم يفلح المثقف السوداني فى الوصول إلى إجابة جدلية ، مضمونها إلغاء المظاهر السلبية للشخصية السودانية بإلغاء سببها "تخلف النمو الحضاري"،وفى ذات الوقت إبقاء القيم الحضارية للشخصية السودانية لتسهم سلبا في بناء شخصية مطهرة من هذه المظاهر السلبية، وإيجابا في إنتاج مظاهر ايجابية جديدة.(الموقف التجديدي و الجمع بين الأصالة والمعاصرة(

التقاء تياري التقليد والتغريب في تكريس الفهم الخاطئ للدين: ومن أسباب استمرار هذا الجهل بالدين و الفهم الخاطئ له ،أن التيار التغريبي يرى أن التقدم لا يمكن أن يتم إلا بإلغاء الدين أو تهميشه،وهو بهذا يكرس للجهل بالدين وسط المثقفين الذين من المفترض أن يكونوا طليعة المجتمع في تثقيفه، وتوعيته بالإسلام وقيمه الحضارية الإنسانية، ومحاربة الفهم الخاطئ للدين الذي يساهم في الإبقاء على واقع التخلف الحضاري، وتقديم فهم صحيح له. بالإضافة إلى أن التيار التقليدي يخلط بين الدين الصحيح وقيمه الإنسانية والحضارية، والمظاهر السلبية التي افرزها واقع تخلف النمو الحضاري للمجتمعات المسلمة. وأخيرا نلاحظ ان من احد أسباب الدوران في هذه الحلقة المفرغة )التغريب والتقليد) أن من خصائص التفكير الاسطورى القبول المطلق لفكرة ما والرفض المطلق لنقيضها ، وهو ما يتحقق هنا في الموقف من قيم المجتمع الحضارية، اى القبول المطلق لقيم المجتمع الحضارية (التقليد) أو الرفض المطلق لها )التغريب(.

النخبوية بدلا من الطليعية: ومن هذه المظاهر السلبية انصاف المثقفين السودانيين بالنخبوية بدلا من اتصافهم بالطليعية، اى إنه بدلاً من أن يكون المثقفين السودانيين طلائع التغيير الفكري للمجتمع السوداني بتبنيهم لنمط تفكير اجتهادى /علمي /عقلاني ، فإنهم أصبحوا انعكاسا لواقع تخلف النمو الحضاري، بتبنيهم لنمط تفكير بدعى شبه خرافي شبه أسطوري - شانهم شان باقي فئات المجتمع - مع رغبتهم فى التميز الوظيفي والاقتصادي والاجتماعي... عن هذه الفئات.
علاقة المثقف بالسلطة وضمور الدور النقدي( الرفض او القبول المطلقين):ومن المظاهر السلبية للمثقفين السودانيين ضمور دورهم النقدي، الذي يمثل جوهر دور المثقف في المجتمع .ودورانهم في حلقة مفرغة مضمونها القبول المطلق"كما في حالة كونهم جزء من السلطة "، و الرفض المطلق "كما في حالة كونهم خارج السلطة."

معوق لنجاح الثورات الشعبية السودانيه واستمرارية التجارب الديمقراطية السودانية : هذه المظاهر السلبيه عند المتعلمين والمثقفين السودانيين هى احد معوقات – وليس بالضروره كل - نجاح الثورات الشعبية السودانيه فى تحقيق اهدافها ، ومن ضمنها استمرارية التجارب الديمقراطية السودانية، في الماضي والحاضر والمستقبل . لانها ذات تاثير سلبى على قضايا التغيير الفكري ودور المتعلمين والمثقفين في التطور الاجتماعي.

خاتمه(ضرورة تحرر المتعلمين والمثقفين السودانيين من المظاهر السلبيه):
من العرض السابق نخلص إلى وجوب تحرر المتعلمين والمثقفين من هذه المظاهر السلبيه ، بما يضمن اضطلاع المثقفين السودانيين بدورهم الحقيقي " المعرفي التنويري التقويمى"، وعدم تجاوزهم لحدود دورهم بفرض وصايتهم على الشعب ، وذلك بالالتزام بالاتي:

أولا:التمييز بين نوعين من أنواع المشاكل :

ا/ مشكلات التنمية : وهى المشكلات المتجددة التي يعانيها الشعب وهو يحاول أن ينتج من الإمكانيات المتاحة ما يشبع به حاجاته المتجددة...ومصدر معرفتها هو الشعب نفسه ب/ مشكلات التقدم : وهى التي تتعلق بالعقبات التي تحول بين الشعب وحل مشكلات النوع الأول من المشاكل ، و مصدر معرفتها هو الواقع الموضوعي والقوانين الموضوعية (السنن الالهيه) التي تضبط حركته...

ثانيا: الإقرار أن دور المثقفين هو تحديد الصيغة السليمة للعلاقة بين علاقات الانتماء المتعددة للشعب السوداني(علاقة الانتماء الوطنية "السودانية" ، ذات المضمون الجغرافي- الاقليمي . وعلاقه الانتماء القومية " العربية" ذات المضمون الحضاري- اللساني "اللغوي" ،والتى تعنى ان اللغه العربيه هي اللغه القوميه المشتركه لكل الجماعات القبليه والشعوبيه السودانيه ، بصرف النظر عن أصولها العرقية ،ولهجاتها القبلية ولغاتها الشعوبيه القديمة الخاصة ، و علاقة الانتماء الاسلاميه ذات المضمون الديني " المقصور على المسلمين" ، والحضارى " الذى يشمل المسلمين وغير المسلمين " . وعلاقة الانتماء الافريقية ذات المضمون الجغرافي - القاري .
و علاقة الانتماء الانسانيه " العالميه "...) . ولا يتجاوزه إلى محاولتهم إيجاد أو إلغاء هذه العلاقات او بعضها.

ثالثا: أن قياده المثقفين للتطور الاجتماعي يعنى- بالضرورة - قيادتهم للتغيير الفكري- المعرفى- ، ولا يعنى - بالضرورة – قيادتهم للتغيير السياسي، بما يتضمن ذلك من توليهم للسلطة أو احقيتهم بها دون غيرهم - دون انكار ضرورة دورهم الاستشارى " العلمى" فى كل الاحوال.
*****************************
الموقع الرسمي للدكتور/ صبري محمد خليل خيري | دراسات ومقالات:
https://drsabrikhalil.wordpress.com
//////////////////////////

 

آراء