في الرد على النيل إبراهيم وآخرين
الاختراقات والعزلة السياسية: توضيحات ضرورية
عاطف عبدالله
في إطار السجال السياسي، أعلم أن إقناع أي طرف بتغيير قناعاته أمر ليس باليسير، لذلك أحرص دائماً على البحث عن الأرضية المشتركة، خاصة عندما يوحدنا الهم العام. ولم أعتد التعقيب على كل من يعلق أو يكتب حول رؤيتي السياسية، فهي في نهاية المطاف رؤية تحتمل الصواب والخطأ كسائر الرؤى والأفكار. غير أن بعض الكتابات تفرض عليك مواصلة الحوار والرد عليها لأسباب مختلفة.
وفي مقال الأستاذ النيل إبراهيم الموسوم: “الاختراق الأمني والمد الثوري: في الرد على عاطف عبدالله”، والذي جاء تعقيباً على مقالي “من يعزل من؟ الحزب الشيوعي وأزمة الهروب من الواقع”، وجدت أكثر من دافع للرد. أول هذه الدوافع رصانة المحتوى وجدية الطرح، وثانيها، وهو الأهم، أن كثيراً من الزملاء وجدوا في المقال ما يعبر عن وجهة نظرهم، ومن بينهم القامة الحزبية الدكتور صدقي كبلو، عضو اللجنة المركزية والمكتب السياسي، الذي أعاد نشره على صفحته الرسمية في “فيسبوك”.
ولئن كنت قد عقبت سابقاً على المقال بملاحظات موجزة في صفحة الدكتور صدقي وفي صفحتي الشخصية، فإنني أجد من المفيد هنا أن أتوسع في الرد، أملاً في إدارة حوار هادف وبنّاء، يعود بالفائدة على القارئ والمتابع والحزب في آنٍ واحد.
في البدء أشكر الأستاذ النيل إبراهيم على هذا الرد المطول، وأعتقد أن بيننا مساحة اتفاق أكبر مما قد يبدو للوهلة الأولى. فمعظم الوقائع التي أوردتها بشأن دور الحزب الشيوعي في بناء لجان المقاومة، والمساهمة في تكوين تجمع المهنيين، وتصعيد العمل الجماهيري ضد نظام الإنقاذ، ليست موضع خلاف عندي، بل هي جزء من التاريخ النضالي الذي أفخر بالانتماء إليه مثلك تماماً.
لكن يبدو أن هناك سوء فهم لجوهر ما طرحته.
فعندما تحدثت عن وجود اختراقات أمنية أو عن مجموعة متنفذة داخل الحزب، لم أقصد أن كل قيادة الحزب أو كل أعضائه أو كل قراراته كانت نتاج عمل أمني. مثل هذا الاستنتاج لا يستقيم لا سياسياً ولا منطقياً. فالأحزاب الكبيرة ذات التاريخ الطويل لا تُدار بهذه الميكانيكية المبسطة التي تجعل كل ما يصدر عنها صحيحاً أو خاطئاً بسبب وجود أفراد بعينهم.
الحزب الشيوعي السوداني يمتلك إرثاً نضالياً هائلاً تراكم عبر عشرات السنين، وأسهم في صنعه آلاف الشيوعيين الحقيقيين الذين قدموا التضحيات الجسام في السجون، والمعتقلات، ومواقع العمل، والجماهير. لذلك فإن النجاحات التي أشرت إليها هي، في تقديري، حصيلة هذا الإرث الجماعي، وليست ملكاً لمجموعة بعينها أياً كان موقعها داخل القيادة.
لكن هذا لا ينفي في الوقت نفسه أن تكون هناك مجموعة محدودة العدد استطاعت، عبر الزمن والتكتل، أن تفرض نفوذها على بعض مفاصل القرار، وأن تلعب دوراً سلبياً في إبعاد أو تهميش عدد كبير من الكوادر الفاعلة والمفكرين وأصحاب الرأي المستقل داخل الحزب. وهذه هي القضية التي أطرحها.
خذ مثلاً مسيرة يناير 2018 التي أشرت إليها. بحسب ما هو معروف داخل الحزب، فإن المبادرة الأساسية جاءت من قيادة مديرية الخرطوم، وواجهت في بداياتها تحفظات، بل ورفضاً، من بعض المستويات المركزية. لكن عندما تحولت إلى واقع سياسي وجماهيري، انخرطت فيها القيادات العليا وأسهمت في إنجاحها. وهذا يؤكد أن الحيوية والمبادرة كثيراً ما جاءت من القواعد والكوادر الميدانية، وليس بالضرورة من المركز وحده.
ولذلك فإن نجاح الحزب في المساهمة في بناء لجان المقاومة أو تجمع المهنيين لا يلغي ضرورة مساءلة الخط السياسي الذي اتبعته القيادة لاحقاً، ولا يجيب عن السؤال الذي طرحته: لماذا أصبح الحزب اليوم أقل تأثيراً وأشد عزلة مما كان عليه خلال سنوات الثورة الأولى؟
وهذا، في اعتقادي، هو السؤال الجوهري الذي ينبغي أن يدور حوله النقاش. فليس الخلاف حول الدور التاريخي للحزب أو مساهماته في الثورة، فذلك محل تقدير واسع حتى بين منتقديه، وإنما حول أسباب تراجع قدرته على التأثير في الواقع السياسي الراهن، واتساع الفجوة بينه وبين قطاعات من القوى الديمقراطية والمدنية التي كان يشكل معها، في مراحل سابقة، مساحات عمل ونضال مشتركة.
أما بشأن موقف الحزب من انقلاب الحادي عشر من أبريل 2019، فأنا لا أرى أن مجرد صحة التحليل في نقطة معينة تعني صحة كل السياسات اللاحقة. نعم، أثبتت التطورات أن المؤسسة العسكرية لم تكن منحازة بالكامل لمطالب الثورة، وأن كثيراً من المخاوف التي أثيرت آنذاك كانت في محلها. لكن يبقى السؤال مطروحاً حول كيفية إدارة التحالفات السياسية، وحول أسباب اتساع الفجوة بين الحزب وبين قطاعات واسعة من القوى المدنية والديمقراطية.
وأعتقد أن إحدى المشكلات الأساسية التي يواجهها الحزب اليوم لا تكمن فقط في صحة أو خطأ موقف سياسي بعينه، وإنما في درجة الجمود التي أصابت عملية قراءة الواقع. فمن حق أي حزب أن يسترشد بتجاربه الناجحة، لكن من الخطأ أن يتحول حدث تاريخي، مهما كانت عظمته، إلى عدسة وحيدة يُنظر من خلالها إلى كل التطورات اللاحقة.
لقد كانت ثورة ديسمبر محطة فارقة، وكان للحزب دور مقدر فيها، لكن التاريخ لم يتوقف عند ديسمبر. فقد جاءت الحرب لتحدث تحولات عميقة في الواقع السوداني، غيّرت الخريطة الديمغرافية والاجتماعية والسياسية، وأعادت ترتيب أولويات قطاعات واسعة من المواطنين، وخلقت أسئلة وتحديات جديدة لم تكن مطروحة من قبل.
ويبدو لي أن الحزب الشيوعي ما زال، إلى حد بعيد، أسير الأسئلة والاستقطابات التي حكمت مرحلة ما بعد ثورة ديسمبر، في حين أن الحرب فرضت واقعاً جديداً أكثر تعقيداً. فقد تبدلت أولويات قطاعات واسعة من المواطنين من شعارات الانتقال السياسي إلى قضايا الأمن والاستقرار ووقف الحرب واستعادة سبل العيش، كما أعادت الحرب تشكيل الخريطة الاجتماعية والسياسية للبلاد بصورة عميقة. ومن ثم فإن التحدي المطروح اليوم لا يتمثل في تكرار الإجابات القديمة، وإنما في تطوير قراءة جديدة تستوعب التحولات التي فرضها الواقع الجديد.
أما قضية الاختراق، فأستغرب أن يتم التعامل معها وكأن مجرد إثارتها إساءة للحزب أو تشكيك في تاريخه. فالاختراقات الأمنية ليست عيباً خاصاً بالحزب الشيوعي، وإنما هي خطر واجه معظم الأحزاب والتنظيمات السياسية السودانية التي عملت في ظروف العمل السري والملاحقة الأمنية. وما يهم هنا ليس وقوع الاختراق في حد ذاته، وإنما كيفية التعامل معه.
وفي هذا السياق، لا أتحدث عن تكهنات أو شائعات، وإنما عن وقائع وتصريحات صدرت من داخل الحزب نفسه. فقد أقر الأستاذ علي الكنين، أمام عدسات التلفاز، بوجود اختراقات داخل الحزب، رغم أنه حاول الالتفاف لاحقا على إقراره، إلا أن الحقيقة خرجت للناس، ويصعب إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، كما سبق أن أشارت كلمة الميدان في عددها الصادر في 20 مارس 2018 إلى أن نشرة أخبار الحركة الجماهيرية التي تصدر من المكتب الإعلامي للحزب إلى الاختراق.
ولا تقف المسألة عند الاعترافات أو التصريحات الصادرة من داخل الحزب. فقد تناول بعض الكتاب والباحثين من خارج الحزب هذه القضية أيضاً، ومن بينهم إبراهيم مطر، والذي نشر سلسلة مقالات تناول فيها مزاعم حول تجنيد أجهزة الأمن لبعض العناصر داخل الحزب. “راجع الراكوبة – إبراهيم مطر “أحذر اليساريين الكذبة” أكتوبر 2024،” وقد أشار إليهم بأسمائهم، وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع إبراهيم مطر، وسواء صحت روايته أو لم تصح، فإن مجرد نشر مثل هذه الاتهامات، إلى جانب التصريحات الصادرة من قيادات حزبية عن وجود اختراقات، كان يستوجب من القيادة الحزبية فتح تحقيقات تنظيمية شفافة وحسم الأمر بصورة قاطعة، حماية لسمعة الحزب وتاريخه وعضويته.”
ويظل السؤال الأهم ليس: هل حدث اختراق أم لم يحدث؟ بل: كيف تعاملت القيادة مع هذه الوقائع؟ وهل اتخذت الإجراءات التنظيمية التي تتناسب مع خطورتها؟ فبحسب ما هو معلوم لي وللرأي العام الحزبي، لم تُشكل لجان تحقيق معلنة، ولم تُجر مراجعات تنظيمية شاملة، ولم يُفتح نقاش جاد حول الثغرات التي سمحت بمثل هذه الاختراقات. وحتى حادثة وقوع وحدة تخزين إلكترونية USB تحتوي على معلومات تنظيمية حساسة في يد أجهزة الأمن، دون أن تكون مؤمنة بالحماية اللازمة، لم نسمع عن تحقيق تنظيمي واضح بشأنها.
وفي تقديري، فإن الحزب الذي يمتلك هذا التاريخ الطويل من النضال والتضحيات لا تضعفه المراجعة، بل تقويه. فالاعتراف بالمشكلات، ومحاسبة المقصرين، وإعادة تقييم التجربة، ليست علامات ضعف، وإنما شروط ضرورية لتجديد الحياة الحزبية واستعادة الثقة والدور السياسي.
القضية إذن ليست إنكاراً لدور الحزب التاريخي، ولا تنكراً لتضحيات عضويته، ولا اتهاماً شاملاً لكل قياداته. القضية هي البحث عن موضع الخلل الذي جعل حزباً بهذا التاريخ وبهذه التضحيات يفقد جزءاً كبيراً من تأثيره السياسي والجماهيري، ويشهد خروجاً أو إبعاداً لعدد معتبر من كوادره وكفاءاته ومفكريه خلال السنوات الأخيرة.
هذا هو السؤال الذي أعتقد أنه يستحق النقاش الجاد: لماذا أصبح الحزب الشيوعي السوداني أقل تأثيراً في الحياة السياسية والجماهيرية مما كان عليه في سنوات الثورة الأولى؟ ولماذا اتسعت الفجوة بينه وبين قطاعات من القوى المدنية والديمقراطية، وغادر صفوفه أو أُبعد عدد معتبر من كوادره ومفكريه خلال السنوات الأخيرة؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تكون باللجوء إلى التخوين، ولا بتحويل أي نقد إلى معركة للدفاع عن التاريخ النضالي للحزب، فذلك التاريخ محل تقدير واحترام ولا يحتاج إلى شهادة من أحد. وإنما تكون بمواجهة الواقع كما هو، والاعتراف بما فيه من نجاحات وإخفاقات، وفتح الباب أمام مراجعة جادة للتجربة السياسية والتنظيمية.
فالحرص الحقيقي على الحزب لا يكون بإحاطته بهالة من العصمة، وإنما بامتلاك الشجاعة اللازمة لمراجعة تجربته واستخلاص الدروس منها. وأقول ذلك لا من موقع الخصومة، بل من موقع من أمضى قرابة نصف قرن في صفوف الحزب، وعمل مع قامات بحجم محمد إبراهيم نقد والخاتم عدلان وغيرهم، مؤمناً بأن النقد الصريح كان دائماً أحد تقاليد الحركة الشيوعية الأصيلة، وأن الحزب الذي لا يراجع نفسه محكوم عليه بأن يراجعه التاريخ.
atifgassim@gmail.com
