د.صبري محمد خليل/أستاذ فلسفة القيم الإسلامية في جامعة الخرطوم
تمهيد: يهدف المقال إلى الرد على دعاوى حملة تشويه صوره العلم السوداني الحالي ” كالقول بأنه لا يعبر عن علاقة الإنتماء الوطنية السودانية، او أنه نسخة من أعلام دول عربية اخرى، أو انه مفروض على الشعب السوداني…”. وهذه الحملة هي – موضوعيا وبصرف النظر عن النوايا الذاتية، وسواء بوعى او بدون وعى ينساق اليها – تخدم حملة أكبر تستهدف تشويه الرموز” الوطنية والقومية والدينية والتاريخية…” للبنيه الحضارية ‘ العربية- الإسلامية’ للشخصية الحضارية السودانية. وهى حملة يؤسس لها – نظريا- مذهب محاولة نقض هذه البنية الحضارية ‘العربية الاسلاميه’ لهذه الشخصية الحضارية العامة’ السودانية’، وهو ليس مذهب واحد ، بل نتيجة فكرية تلزم منطقيا – وبصرف النظر عن النوايا الذاتية – من مذاهب متعددة مختلفة – احيانا لحد التناقض مثل مذاهب العلمانية ومذهب التفسير السياسى للدين ‘ الإسلام السياسى’ – وهذا المذهب النظرى يخدم – موضوعيا وبصرف النظر عن النوايا الذاتية لأنصاره – القوى التي تقف وراء مشروع الشرق الأوسط الجديد ” الإمبريالي -الصهيوني” ، والذي يهدف إلى الإرتداد بالنظام الرسمى العربي، من مرحلة التجزئة على أساس شعوبي “سيكس – بيكو ١٩١٦ ” ، إلى مرحله التفتيت على أساس طائفي / قبلي – عشائري ” بمحاولة إقامة دويلات طائفية او قبلية على انقاض الدولة الوطنية العربية “، مع بقاء الكيان الصهيونى كحارس لهذا التفتيت” والذى بدأ تطبيقه فى المنطقة، منذ العقد السابع من القرن الماضى .
نبذه تاريخية عن كيفيه إختبار تصميم العلم القديم والحالى:
ا/ العلم القديم من تصميم مواطنة سودانية وإقتراح زوجه الحاكم العام البريطاني: هناك روايتان حول كيفية إختيار العلم القديم:
الرواية الأولي روتها الحاجة/ السريرة مكي عبد الله الصوفي ، ومضمونها أنها بعد صدور قرار إعلان الاستقلال من داخل البرلمان، قامت بإعداد قصيدة بعنوان ” يا وطني العزيز اليوم تم جلاك”، وتصميم علم يحمل ثلاثة ألوان: الأزرق يعني الحياة والأصفر امتداد الصحراء والأخضر رمز النماء والخصوبة الزراعية، وأنها أرسلت القصيدة وتصميم العلم مع أخاها حسن للإذاعة ،وتمت إذاعة القصيدة ، ولكنها لم تعرف شيئا عن مصير تصميم العلم ،حتى فوجئت برفع علم بذات التصميم على سارية القصر الجمهوري في احتفال إعلان الاستقلال ١ يناير ١٩٥٦ ، وانه لم يتم الاشاره إليها باعتبارها مبتكره هذا التصميم .
الرواية الثانية: انه فـي نوفمبـر من عام 1955، اجـتمع نواب الجـمعية التأسيسـية ليناقشـوا شـكل العلـم القادم ، واختلف الأعـضاء فـي الاقتراحات التـي قدمت امامهم، وراح كل حـزب يصـر علي أن تصـوره للعلم هـو الأحسن. وفـي ظل الخـلافات الكبيـرة بيـن الأعـضاء فـي الجـمعية التأسيسـية وعـدم اتـفاقـهم عـلي تـصـور مـعيـن للعلـم السوداني الـمرتقب ،أصبح الكل فـي السـودان قلق للغاية مـما يـحـدث بالبـرلـمان من مناوشات عـقيـمة قـد تؤدي إلي تأجيل يوم رفـع العلـم من عـلي السارية بالقـصـر الجـمهوري ، وبالتالـي إلي تأجيل إعلان الاستقلال والاحـتفالات الرســمية والشعبية به. وفـي بادرة شـخـصـية مـنها قـامت زوجـة الـحاكم العام البـريطاني بالخرطوم ” روبـرت هاو” بـمقابلة السيد/ عـبد الرحـمن المهدي بالسرايا بامدرمان، و تقـدمـت بمـقتـرح لـحـل أزمة العلم ، ومضمونه تصميم لعلم ذو ألوان ثلاثة “الأزرق، والأصـفر، الأخـضـر “، تـمثل تضـاريس الأقالـيـم السـودانية “النيل والصحراء و الغابة”، ولا يحمل اى علامات سـياسـية أو رموز دينيـة ، قد تكون محل خلاف بين الأحزاب . ونقل السيد/ عـبد الرحـمن التصميم للجمعية التأسيسية وعبـر أعضاء حـزب الأمـة فيه. وتم عقد جـلسة لمناقشته اسـتمـرت لـمدة أربعة ساعات تـمت فيها إجازته . وظل هذا التصميم هو التصميم المعتمد من الدولة للعلم من 1 يناير 1956 وحتى 20 مايو 1970 ، حيث تم استبداله بالتصميم الحال للعلم.ويمكن التوفيق بين الروايتين من خلال تقرير:
أولا: أن المصممة الاصليه للعلم القديم هو المواطنة السودانية الحاجة السريرة مكي عبد الله الصوفي.
ثانيا: أن هذا التصميم للعلم تم اعتماده رسميا بعد اقتراح من زوجه الحاكم العام البريطاني روبرت هاو.
ب/ اختيار تصميم علم السودان الحالي: اعتمد تصميم علم السودان الحالي في20 مايو 1970 ، وذلك بعد أن قررت حكومة الرئيس الأسبق/ جعفر محمد نميري اختيار علم جديد للدولة ، من خلال مسابقة عامة مفتوحة للجمهور، شارك فيها فنانون تشكيليون ووزراء ومواطنون عاديون، وفاز التصميم الذي قدمه الفنان التشكيلي/ عبد الرحمن أحمد الجعلي، الذي تخرج عام 1970م، في كلية الفنون الجميلة والتطبيق التابعة لمعهد الخرطوم الفني، بالخرطوم، قسم الجرافيك، من ضمن 72 نموذجاً ،تأهلت للفرز الأخير من قبل لجنة شُكِلت خصيصاً لهذا الغرض، ونال التصميم الفائز مبلغ عشرة جنيهات سودانية كجائزة،ورُفع العلم بالتصميم الجديد لأول مرة خلال احتفالات الذكرى السنوية الثانية لثورة مايو .
ج/ دلالات الألوان في تصميم العلم الحالي: تم تفسير الألوان الأربعة للعلم على النحو التالي:
أولا: اللون الأحمر : يرمز لدماء شهداء الوطن،ومنهم شهداء معركة كرري “حوالي 50 ألف شهيد” ، وشهداء مقاومة الاستعمار وشهداء القوات المسلحة.
ثانيا:اللون الأبيض : ويرمز لنقاء السريرة ونبل الطباع والسجايا الصافية والوفاء، وهو أيضاً يرمز للسلام والوئام. كذلك هو لون جمعية اللواء الأبيض، التي وقفت ضد الاستعمار البريطاني ونادت بوحدة وادي النيل.
ثالثا:اللون الأسود:هو اللون الذي اشتق منه اسم بلاد السودان ويجسد الشجاعة والاعتزاز بالوطن والتراث ويرمز أيضاً للانتماء إلى قارة افريقيا.
رابعا: اللون الأخضر : ويجسد نماء البلاد وثرواتها الطبيعة التي يمكن أن تجعل منها سلة غذاء العلم.
دلالات مجموع الألوان: وتشكل الألوان الأربعة معا ألوان أعلام الثورة المهدية التي تمخض عنها قيام أول دولة سودانية مستقلة بعد الحكم التركي.
الرد على دعاوى حمله تشويه صوره العلم الحالى:
- إن تصميم علم السودان الحالي لا يتطابق مع تصميم اى علم أخر لدولة أخرى “عربية أو غير عربية”، لكنه يتشابه مع أعلام دول “عربية وغير عربية”.والفرق بين التطابق والتشابه أن الأول عدم وجود اى اختلاف، بينما الثاني وجود أوجه اشتراك و أوجه اختلاف. وفى الحقيقة لا يوجد تصميم علم دوله يتطابق مع تصميم علم دوله أخرى، وإلا لم يعتمد من المنظمات الدولية.
- إذا كان تصميم العلم الحالي يشبه تصميم أعلام دول عربيه ” كمصر والعراق واليمن وسورية والأردن وفلسطين…فان ألوانه موجودة أيضاً في أعلام دول غير عربيه ” أفريقية مثل مالاوي وكينيا. وآسيوية مثل أفغانستان “
- فهناك أعلام الكثير من الدول تتشابه ، بعضها توجد بينها روابط موضوعيه ،وبعضها لا توجد بينها روابط موضوعيه. على سبيل المثال لا الحصر أعلام : تشاد ورومانيا – السنغال ومالي-إندونيسيا وموناكو- نيوزيلندا وأستراليا- أيرلندا وساحل العاج…
- أن سبب تشابه علم السودان مع أعلام دول عربيه أخرى، أن هناك روابط موضوعية، تربط الشعب السوداني بغيره من شعوب الامة العربية المسلمة، اى انه نتيجة استدعاء مصمم العلم والذين اختاروا هذا التصميم ” الشعوري – أو اللا شعوري” لهذه الروابط.
- أن السبب الحقيقي وراء تشويه أنصار مذهب محاوله إلغاء علاقة الانتماء العربية للشخصية السودانية ، لصوره العلم السوداني الحالي ، هو تشابهه مع أعلام العديد من الدول العربية- كما اشرنا أعلاه- بعبارة أخرى هو محاوله- فاشلة- لإلغاء الروابط الموضوعية”الحضارية، التاريخية، الجغرافية ، الدينية..”، التي تربط الشعب السوداني بغيره من شعوب الامه العربية المسلمة.
- أن علم السودان الحالي يجمع بين التعبير عن علاقة الانتماء الوطنية السودانية” من خلال دلاله ألوانه على مكونات وطنية سودانيه” ، وعلاقة الانتماء العربية للشخصية الحضارية السودانية”من خلال تشابهه – وليس تطابقه- مع أعلام دول عربيه أخرى”
- في ذات الوقت الذي يبررالبعض رفضه للعلم الحالي ، بأنه لا يعبرعن المكونات الوطنية السودانية، فانه يسخر من بعض هذه المكونات ، حتى تلك التي يعبر عنها هذا العلم” فشبهه بعضهم بأنه يشبه جلباب دراويش الـمهدية ، في استهزاء واضح بالثورة المهدية، احد ابرز معالم تاريخ السودان الحديث، والتى رغم ما شابها من سلبيات، فإنها تضمنت بعدا تحرريا من الإستعمار “..
- أن تصميم العلم القديم قد تم اختياره من طرف دوله الجابون مع تغيير طفيف في ترتيب الألوان.
- كما أن وحيد القرن “الخرتيت” الرمز الملازم للعلم القديم قد انقرض في السودان.
- أن العلم القديم كان يعبر عن دوله تشمل شمال السودان وجنوبه ” اللون الأصفر يدل على الصحراء التي ترمز للشمال ، واللون الأخضر يدل على الغابة التي ترمز للجنوب” ،وهو واقع كان متحققا حينها، ولكنه لم بعد موجودا بعد إنفصال جنوب السودان.
- ما لم ينتبه إليه أنصار هذا المذهب هو انه إذا كان العلم الحالي يعبر علاقة الانتماء العربية، من خلال تشابهه مع دول عربيه أخرى ، فان العلم القديم يتضمن أيضا التعبير عن الانتماء العربي الاسلامى” فاللون الأصفر فيه يدل على الصحراء التي ترمز للشمال العربي المسلم “.
- رغم أن هناك توافق بين ألوان علم الثورة العربية،والألوان الواردة في قصيدة الشاعر/ صفي الدين الحلي (1277هـ – 1349 هـ) التي يقول : (بيض صنائعنا، سود وقائعنا ، خضر مرابعنا، حمر مواضينا )، إلا انه ليس هناك دليل تاريخي قاطع ، على أن رواد الحركة القومية العربية قد استخلصوا ألوان هذا العلم من هذه ألقصيده، لأن اللون الرابع “الأحمر” كان وليد الثورة العربية في الحجاز.
- انه لا صحة للروايات التي تروج لها بعض الدوائر المشبوهة في الغرب- بهدف إلى الحط من شان كل ما هو عربي أو اسلامى ، وتصوير كل التاريخ العربي بأنه من صنع الغرب- و التي تقول أن العلم العربي بألوانه الأربعة التي نعرفها كان من ابتكار مارك سايكس، و الرواية الصحيحة الثابتة تاريخيا نقلتها جريدة “القبلة” (عدد 6، 3 ذي القعدة 1334هـ) أن شعار الثورة العربية في السنة الأولى ، كان علم أشراف مكة الأحمر، وبعد مرور أقل من سنة على إعلان الثورة، اقترح رجال الحركة العربية، الألوان الثلاثة المعروفة مسبقاً بينهم، لتكون ألوان علم الدولة العربية.
- أن دلالات الألوان المشتركة في أعلام الدول العربية مختلفة: فمثلا في فى علم مصر: يدل اللون الأحمر على الإشراق والأمل والقوة، فيما يدل الأبيض على النقاء، ويدل الأسود على ظلام عصور التخلف والاستعمار التي تخلصت منها مصر . وفى علم الأردن يدل اللون الأسود على راية الدولة العباسية، والأبيض على راية الدولة الأموية، والأخضر على راية الدولة الفاطمية، والأحمر يدل على السلالة الهاشمية.
· رغم تشابه علم السودان الحالي مع علم فلسطين إلا أن دلالات
الألوان في العلمين مختلفة:حيث كان لهذه الألوان دلاله تاريخيه هي عهود التاريخ الاسلامى المختلفة”العهد الاموى،العباسي، الفاطمي…”، كما أعطيت دلالات معاصره منها : الأسود يدل على الظلم الذي يعانيه شعب فلسطين جراء الاغتصاب الصهيوني لوطنه ، الأبيض يدل على السلام والمحبة وهي رسالة الأنبياء الذين بعثوا على ارض فلسطين ،الأخضر يدل على الخير والنماء والبركة والأمل بالمستقبل ، الأحمر يدل على الشهادة والتضحية والعطاء .
· إذا كان العلم الحالي قد تم اعتماده بدون استفتاء شعبى، فإن العلم القديم أيضا اعتمد فى البرلمان ، لكن بدون استفتاء شعبى أيضا، كما هو ثابت تاريخيا.
الرد الشرعى على مذهب وجوب اتخاذ جميع المسلمين علم معين واحد : هناك مذهب معاصر يقول به كثير من أنصار الجماعات، التي تنسب نفسها إلى الإسلام- ويتخذونه كحجه لرفض أعلام الدول التي ينتمون إليها – ومضمونه أن الإسلام اوجب على جميع المسلمين، اتخاذ علم معين واحد. وهو مذهب خاطئ ولا أساس شرعي له .
- الخلط ببن الراية والعلم : اهم أوجه الخطأ في هذا المذهب انه يقوم على الخلط بين دلالات مصطلحي الراية والعلم، استنادا إلى الإشتراك في المعنى بين المصطلحين.
- الراية تنظيم عسكري للجيوش في الحرب : حيث أن دلاله مصطلح الراية في النصوص تتصل بالقتال ، فهي جزء من آليات التنظيم العسكري للجيوش في حاله الحرب.
- اتخاذ الرايات سنه وليس واجب: وحكم اتخاذ الريات في الحرب ليس الوجوب ، بحيث يأثم تاركه، بل الاستحباب والندب فقط ، يقول الإمام ابن القيم في ” زاد المعاد” في ذكر فوائد وفد صداء: “فيها استحباب عقد الألوية والرايات للجيش”.
- تعدد الرايات النبوية : ولم يتخذ المسلمين في عهد الرسول “صلى الله عليه وسلم” راية واحده في حاله الحرب بل رايات متعددة، فكان للمهاجرين راية وللأنصار راية، و لكل قبيلة راية، قال الإمام الشافعي في كتاب الأم: “وجعل النبي للمهاجرين شعاراً وللأوس شعاراً وللخزرج شعاراً “.
- العلم تنظيم ادارى حديث للدولة : أما دلاله مصطلح العلم فتتصل بالدولة، فهي جزء من آليات التنظيم الادارى الحديث للدولة ، في حالات الحرب والسلم على السواء.
- الأصل في اتخاذ العلم الاباحه ما لم يتضمن محرم : والأصل في اتخاذ العلم ،كتنظيم أدارى حديث للدولة، هو الإباحة ما لم يتضمن ما هو محرم ، وهذا الحكم يستند إلى استنادا قاعدة الأصل في الأشياء الاباحه ، ما لم يرد دليل تحريم . كما يستند إلى أن الصحابة “رضي الله عنهم ” اخذوا كثير من آليات التنظيم الادارى من مجتمعات أخرى معاصرة لهم.
- لم يتخذ الرسول شكل أو لون معين للرايات : والثابت في السيرة النبوية ان الرسول “صلى الله عليه وسلم” لم يتخذ لونٌ واحد أو شكلٌ واحد لرايات الحرب، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له راية سوداء، وأحياناً بيضاء، وقيل أيضًا صفراء وحمراء .
- إقرار الإسلام علاقةالانتماء الوطنية : و بالاضافه إلى كون العلم تنظيم ادارى حديث للدولة ، فانه رمز لعلاقة الانتماء الوطنية، التي اقرها الإسلام كدين – بجانب إقراره لعلاقات الإنتماء الأخرى – ما لم تقم على التعصب ، أو يترتب على الإقرار بها إثم ، قال الرسول ” صلى الله عليه وسلم” ( اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا لمكة أو أشد) ( رواه البخاري ومالك والإمام أحمد ) .
….
الموقع الرسمى للدكتور صبرى محمد خليل / دراسات ومقالات
الصفحه الرسمية للدكتور صبرى محمد خليل فى الفيسبوك بوك ( sabri khalil khieri).
sabri.m.khalil@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم