في ذكري إعتصام نيرتتي ٢٠٢٣
روز ماري نيرتتي
بقلم : محمد بدوي
مدَّت سبَّابتها اليُسرى نحو إطار نظارتها السوداء بمحاذاة أرنبة أنفها، ومرَّرت كلتا ضفيرتيها نحو شعرها المتدلِّي على جانبي رأسها؛ فبدت على هيئة طائر نورس ضمَّ جناحيه على مهل. كرَّرت حركة لمس إطار نظارتها في تلقائية اعتادت عليها كلما استغرقها التفكير؛ لتفرِّغ فيه شحنة توترٍ مبالغٍ فيها تعتريها حينما تستعصي بعض المقاطع عن اللحن تمرُّدًا، فتعود إلى النوتة لتمارس دوزنة اللحن مع بقية الأحرف. حنَت رجلها اليمنى من مفصل الركبة على هيئة زاوية لا تتعدى خمسًا وعشرين درجة، فأوكلت إليها حمل ثقلها بمقدار فاق الأخرى. فهي، بحكم استخدامها ليسراها، ظلَّ الجانب الأيسر أكثر نشاطًا من الآخر. حرَّكت يسراها ثم أعادتها، كأنها تختبر تكيُّفها مع هيئتها في اختبارٍ للطقس المقبل.
تذكَّرت ماريا (ماري) سؤال صديقتها (فوح) التي التقتها بعد أكثر من سبع سنوات، منذ أن افترقتا عقب نهاية الدراسة الجامعية. فالأخيرة التحقت للعمل بأحد المصارف في وظيفة لا تمت بصلة لدراستها للكيمياء. ثم التفتت ناحيتها، وهما جالستان في صالة المطار للمغادرة حيث التقيتا صدفة، ووجَّهت لها سؤالًا: وأنتِ، اشتغلتِ شنو؟
ابتسمت: أعمل في مصنع لإنتاج العطور.
فهتفت فوح بصوتها الحاد المرح: أووه! جميل، فأنتِ تعملين قريبًا من تخصصك، في تركيب العطور!
أحسَّت بخيبة كبيرة؛ فتركيب العطور مهنة لا تحتاج إلى دراسة الكيمياء، فأردفت قائلة: أنا أعمل في مصنع للعطور.
رفعت فوح حاجبها: أووه! أنا آسفة.
ردَّت: لا عليكِ. ومهامي هي التعاقد على شراء واستيراد الأزهار التي تُصنع من خلاصتها العطور من الخارج. واليوم مغادرة إلى كينيا لذات المهمة. الأمر الثاني أن هنالك من يقوم بصنعها من المختصين.
واصلت: أمَّا أنا، فمهمتي الأساسية، بعد إكمال الصنع، أن أقوم باختبارها. وكيف تقومين بذلك؟
ابتسمت حتى كادت أن تطلق ضحكة، ثم قالت: أعتمد على هذا الأنف الشامخ، وحاسة شمي المنتمية إلى أرومة سبر أغوار الجمال في العطور، وتحديد اقترابها من مسارح الجمال والبساط الأحمر والأناقة.
جحظت عينا فوح، وفغرت فاها، وهزَّت رأسها للتأكد بأنها ليست نائمة.
أدركت ماري أنها لم تستوعب ما قالته، فرسمت ابتسامة، وكانت حينها قد التقطت أحمر شفاه بلون الجزر من حقيبة يدها، ومررته على شفتيها ثم أعادته، وأشعلت ابتسامة صغيرة، ثم قالت: وظيفتي شراء الورد وتذوق العطور. أنا معيار يُقاس الحال عليه يا صديقتي.
كانت موظفة الخطوط الكينية قد أعلنت بدء إجراءات الصعود للطائرة، فغادرتها بعد أن مدت نحوها بطاقة قائلة: عليها عناويني ورقم هاتفي، برجاء التواصل.
ثم نهضت مغادرة.
تذكَّرت كل ذلك قبل أن ترشَّح العطر على قطعة من الورق المقوَّى، ثم قرَّبتها إلى أنفها. استنشقته بتمهُّل مرة وثانية وثالثة، ومدَّت يدها إلى القلم القابع على الطاولة، فتناولت ورقة عليها مواصفات مقادير العطر، ثم كتبت في خانةٍ مخصصة لاسم العطر المقترح Special Moments
رنَّ جرس هاتفها. لم يكن رقم المتصل مدوَّنًا. نظرت إليه؛ فقد كان رقمًا محليًّا، وفشلت ذاكرتها، بعد استدعاء قصير، في التعرف على المتصل، فاستقبلت المكالمة. سرعان ما ابتسمت؛ عرفتها على الفور، فقد كان صوت فوح يحتفظ بدسامة موسيقاه الحادة.
مضى شهر ونصف منذ لقائهما القصير بصالة المغادرة بمطار الخرطوم. اعتذرت فوح عن عدم المبادرة والتواصل؛ لأنها لم تعد إلا بالأمس من رحلتها. أووو، مقدمًا حميدًا للخرطوم، وشكرًا لكِ على مبادرة الاتصال، فأنا لم أحصل على رقمك حينها.
اتفقتا على اللقاء في معرض الزهور الذي يبدأ بعد أربعة أيام بدار المهندس بالخرطوم، ثم غاصتا في ثرثرة حميمة. أخبرتها فوح بانتهاء الدورة التدريبية بقيادة محترمة قد تؤهلها لترقية وظيفية قادمة، ثم عرَّجت على ارتيادها أسواق دبي، وتسوقها ملء عينها بما ترغب فيه. ماذا عنكِ؟ كيف كانت رحلتك إلى نيروبي؟
قالت مولى متأوهة: لقد بذلت الكثير من الجهد خلال الأسابيع المنصرمة، وأحتاج إلى إجازة طويلة للراحة.
ثم أردفت: بعد عودتي، سافرت إلى إثيوبيا، حيث أشرفت على استيراد أزهار الروز الحبشية ذات اللون الكريمي المميز، وورود الأوكالتوس التي تُنتجها مع البوكيه الأحمر الذي تشتهر به مرتفعات بالي. وعدت منها لأسافر إلى مدينة زنجبار، حيث اختارتني الشركة لتصوير إعلان باللغة السواحلية عن منتج جديد من العطر: (الأزرق والأبيض)، يستهدف أسواق شرق أفريقيا.
وأضافت: بعدها تمت استضافتي في برنامج (مساء وبوح)، وكان الحديث عن العطر وتجربتي كامرأة في تخصص إنتاج العطور. خططت للظهور بزي أفريقي اشتريته من تنزانيا، وأحضرت معي كمية من الإكسسوارات المصنوعة من العاج والأبنوس والخرز، لكن مخرج البرنامج اقترح أن أظهر بثوب سوداني.
واسترسلت: اخترته بلون بنيٍّ عليه ورود بلون شمس قبل الغروب، والأناناس في تصميم جعلهما في تقابل حميم على نسق القبلة السكرى. وكان حذائي الجلدي الأسود تبرز طقطقته مع جمال الأنامل التي استقر عليها طلاء أبيض ناصع، فقد اختار المخرج بداية اللقاء بدخولي إلى مسرح الاستديو، تتابعني الكاميرات المتعلِّقة بابتسامتي وقوامي الممشوق، حيث أبرز ربط الثوب على الخصر الذي، لو حضره شعراء أغنية الحقيبة، لتراصُّوا على مدار الساعة في المسارات التي أقصدها، وبدلًا من البكاء: (يا ليلي هوي يا ليلي هوي) لصار: (يا ماري هوووي… وووب الموت حلال).
ضحكت في حياء، ثم حثَّتها فوح على المواصلة: واااو! لقد فاتني الكثير يا صديقتي.
واصلت مولى: عقب البرنامج انهالت الاتصالات من أقاربي والأصدقاء وزملاء العمل.
ضحكت: هه ههه… ضحكة كفوح الروز! أحد زملائي اتصل عليَّ قائلًا: «أنتِ الآن تمثلين الجيل الرائد بعد جيل العطور المحلية، من شاكلة الخمرة وبت السودان»، ثم هتف: — مدنيااااو!
حتى ذعرت وأبعدت الهاتف عن أذني.
ضحكتا معًا في دلال. ومن هو زميلك التقدمي؟
— إنه في قسم الإدارة، لكن ليس بيننا شيء يا ستّي.
ضحكت مرة أخرى، ثم قالت: لكن كاد نبض قلبي أن يتوقف حينما اتصل بي مولانا، مدير الحسابات، وهو رجل وقور يلبس هالة دينية، حذر في نظراته، رغم أنه يسترقها إن خلا المكان من الرقيب من الزملاء. كان ذلك بعد خروجي من الاستديو مباشرة. دون تحية قال، بغتةً غامرة سكنت كل حرف من حديثه: محمد وردي غنَّاكِ قبل ولادتك لما قال: (الوجنات بتشبه أزهار موسمية، والخصر المضمر والقامة الطرية).
كانت الشمس تلبس جاكتًا أزرق حين يعبرها الغمام الراحل، فتظهر بالغة الوسامة، كأنها في محراب معبد تايلندي توهَّط بمهل في أعلى مرتفعات جبل مرة، باصمًا بأن بين المرتفعات والآلهة والسماء سير عبادات وتعبُّد منذ الأزل.
رفعت ماري حاجبي الغبطة وهي ترمق المسرح الأنيق خلف حديقة معرض الأزهار، الذي انتقل طوعًا من قرب مقرن النيلين ليشارك في الذكرى الثالثة لاعتصام نيرتتي، على سفحٍ وادعٍ لجبل مرة.
رفعت علامة النصر ملوحة لضاحية طور، التي تقدل في سيرة متقدمة الزغاريد نحو المكان الذي احتشد بكل بريق وسمرة من نواحي السودان، والذي تزيَّا بمزاج أنيق تعلو شعر رأسه ريشة نعامة من وادي هور.
لم يكن عسيرًا على فوح أن تلتقط حضورها بين الجمع؛ فقد كانت عروس موسيقى، خلخالها تجسيدًا لما وصفهم خليل فرح في رائعته «عازة في هواك» بـ«ظبياتنا الكمال». ارتدت بلوزة من الكتان بلون تفاح الجبل، وتنورة تقاسمت مع فيروزة الزمام على أنفها أنها تركة همس الولهان على خدَّي الحبيبة من حياء، وغطاء رأس صغيرًا من القرمصيص، وحقيبة بنية بحامل طويل تدلت من كتفها الأيسر، وساعة سويسرية صغيرة تناسبت مع رقة معصمها.
تصافحتا، وطبعتا قبلات ودٍّ وترحاب.
قالت فوح: لم أكن أعلم بأنك بهذا الذكاء يا ماري! كيف استطعتِ إقناعهم بتغيير المعرض إلى هنا؟
ضحكت: بعد مهاتفتنا، قلبت مفكرتي، وكانت ذكرى نيرتتي تتزامن مع ميعاد المعرض. قبلها كنت مشغولة الخاطر: كيف نعيد ترتيب خطواتنا ونكسر طوق العادة بعيدًا عن شوارع الخرطوم؟ فالتقطت هاتفي وتحدثت مع جمعية فلاحة البساتين، واقترحت عليهم أن نستضيف المعرض بنيرتتي، وستتكفل الشركة بكل المنصرفات.
ثم أردفت:للأمانة، ترددوا، لكن حينما أشرت إلى أن التوقيت يصادف الذكرى السنوية الثالثة لذلك الاعتصام، الذي تقاطرت إليه جموع وأجيال من محمد قول، والباوقة، ومستري كلبس، وكازقيل، والعباسيتين الأم والصبيَّة الأمدرمانية، والمجلد، وقيسان، تتقدمهم موسيقى فرقة كنداكات وشفوت الديوم الشرقية على أنغام المارشات:
«نيرتتي بت الأمير
سراجه خيل الدواس
غناية تطرد نعاس
تارارا… ترارار راا…»
ثم قالت: هنا نحن ذا يا صديقتي، في هذه البقعة الساحرة من الوطن.
بدأ الاحتفال بترحاب من الشرتاي التجاني، الرجل الثمانيني الذي يحتفظ بهيئة قوية، وتقاطيع تشبه غبطة السودان يوم إعلان جلاء المستعمر.
قال ما سيظل خالدًا في الوجدان، وترك الدمع يتقاطر، مانحًا إياه حرية المشاركة في تلك العظمة: لم نصب باليأس بأن هنالك فرجًا قادمًا، فلم نستسلم رغم حصار المغول وقسوته. تحصَّنا بثبات من ذاك الجبل.
وأشار نحو الشرق حيث يظهر.
وحين أُفرط في العنصرية وخطاب الكراهية، ربطنا تحت القلب حفنات من رمال وادي رملة البيضاء الناصعة.
وأشار نحو الجنوب.
روت الدموع المنصة الصغيرة دون أن يهتز تون صوته: نرحب بكم وبأنفسنا، فنحن اليوم نعيد اكتشاف من نحن. فهذا تاريخ قد لا يتكرر، لكنه سيظل خالدًا في ذاكرة المناهج المدرسية.
ثم قال مبتهجًا: شكرًا لكم، ولمحمد قول، فقد كنا على أهبة السفر إليه، لكنه سبقنا بالحضور.
تصفيق، وشهقات، ودموع أعادت الذاكرة إلى القصة التي حملها مقرر الجغرافيا للصف الرابع الابتدائي: «رحلة إلى محمد قول».
وختم حديثه لتزداد الدموع: كنت أتمنى أن أردد: (منقو قل لا عاش من يفصلنا)، لكنه حدث، ويا للأسف.
ترك الجميع في سكون حزين، وذاكرة انفتحت بشدة على ألم مباغت. كاميرات القنوات والوكالات، والصحفيين، والمصورين، وكاميرات الهواتف النقالة، انطفأت في توقيت واحد عقب إعلانه افتتاح الذكرى، حينما لوَّح بيده اليمنى، جاعلًا إياها مستقيمة ممتدة إلى أعلى ثم أسفل، كأنه يلوح براية، مردفًا: الآن أُعلن افتتاح الاحتفال بالذكرى الثالثة لنيرتتي.
انتقل الحضور إلى الفقرة الثانية، وكانت على مقربة من الكبري. كان المكان أحد مشاتل مشروع جبل مرة الذي امتدت إليه أيادي القبح والخراب علنًا.
وهنا قصَّ العمدة أحمد شريط الافتتاح. فهو مزارع فارع الخبرة والبال فيها. أزهار حملتها الطائرة من الخرطوم في أصص فخارية لونتها أنامل ملوِّنات من كلية الفنون الجميلة بجامعة السودان، وأصص أخرى بلاستيكية باللونين القرمزي والكاكي، عليها شعار مطبوع: «معرض الزهور… نيرتتي الجمال».
أمسكت ماري بيد فوح، وسارتا حتى توقفتا في ركن قصيٍّ على اليسار. مدَّت إصبعها نحو عدد من الشتول الصغيرة التي بدأت بألوان مختلفة، ثم قالت: هذه أزهار الروز، أحضرتها لتوطَّن أعلى جبل مرة، فهو يحمل بعض تقاسيم السفوح الإثيوبية، بل هنا أفضل؛ لأن البرد ممطر وليس جافًّا.
نظرت إليها فوح في دهشة ورغبة صراخ من هول المفاجأة.
لم تدعها ماري تكمل اندهاشها، فأضافت: قريبًا سنقطف ورد جبل مرة ليكون العطر سوداني الهوى. حينها سيُكتب على الصندوق الخارجي: «خلاصة جذوة رعشة الحب بين الفراشات والبتلات».
