لا وصية على المستقبل: حين يكتب الآباء أحلام الأبناء
في فلسفة الأجيال والعدالة الزمنية وصناعة المستقبل السوداني
بقلم: د. صلاح أحمد الحبو
ذات مساءٍ سودانيٍّ بعيد، جلس أبٌ تجاوز الستين يحدّث ابنه العشريني عن المستقبل. كان الأب يستدعي من ذاكرته وطناً يعرفه، بينما كان الابن يستحضر من خياله وطناً لم يعرفه بعد. تحدث الأول عن التجربة، وتحدث الثاني عن الأمل؛ احتج الأب بما عاش، واحتج الابن بما يريد أن يعيش. وبين ذاكرةٍ تستكثر ما مضى، ومخيّلةٍ تستشرف ما سيأتي، ظل المستقبل جالساً بينهما، لا ينطق، كأنه ينتظر من يسأله عمّا يريد، لا عمّن يحق له امتلاكه.
تلك الحكاية الصغيرة تختصر سؤالاً كبيراً ظل يتوارى خلف ضجيج السياسة السودانية: هل يملك الذين صنعوا حاضرنا حق كتابة مستقبلنا؟ وهل يحق لجيلٍ تجاوز الخمسين أن يرسم ملامح حياة أجيال لم تولد بعد، أم أن امتداد العمر يمنح صاحبه خبرةً في الماضي، لا ولايةً على المستقبل؟
لم أجد في السؤال خصومةً بين شيخٍ وشاب، بقدر ما وجدت فيه خصومةً بين زمنين؛ زمنٍ يستمد مشروعيته مما يعرف، وزمنٍ يبحث عن مشروعيته فيما يستطيع أن يكتشف. فكم من شابٍّ شاخ خياله قبل أن تشيب مفرقاه، وكم من شيخٍ ظل عقله غضّاً، يزهر كلما ظن الآخرون أن مواسمه انتهت! ليست الشيخوخة ما يفعله الزمن بأجسادنا، بل ما نسمح للمألوف أن يفعله بعقولنا.
تتقدم المدرسة الأولى في هذا الحوار، حاملةً سؤال العدالة بين الأجيال. تقول إن الذين أمضوا عقوداً في إدارة شؤون الدولة والمجتمع قد استنفدوا جانباً من فرصتهم التاريخية، وإن استمرارهم في تحديد المصائر القادمة قد يحوّل الخبرة إلى وصاية، والذاكرة إلى سلطة، والتجربة إلى قيدٍ من حرير. فكيف يستقيم أن يقرر إنسانٌ ما سيحدث بعد ثلاثين عاماً، بينما سيعيش غيره تبعات القرار؟ وكيف نمنح الماضي حق التصويت على مستقبلٍ لن يقيم فيه؟
لكن المدرسة الأخرى لا تتأخر عن الحضور. تأتي محمّلةً بحكمة السنين، وتقول إن المستقبل الذي يقطع جذوره لا يصنع غابةً، بل يزرع أشجاراً بلا ذاكرة. فالتجربة ليست عبئاً ينبغي التخلص منه، والسنوات ليست جريمةً تستوجب الإقصاء. أليس في كل خطأٍ قديم درسٌ جديد؟ وأليست ذاكرة الأمم إحدى أدواتها في مقاومة تكرار المآسي؟
أصغيت إلى المدرستين، فرأيت أن كلاً منهما تحمل بعض الحقيقة وتغفل بعضاً منها. الأولى تخشى وصاية الآباء، والثانية تخشى قطيعة الأبناء؛ وبين الخشيتين تضيع حقيقة ثالثة: أن المستقبل لا يُورث كما تُورث البيوت، ولا يُحتكر كما تُحتكر المناصب، وإنما يُصنع كما تُصنع الحياة؛ بتراكم المعرفة وتجدد الخيال.
ولعل اللغة العربية، بما تختزنه من جمال المعنى ودقة المبنى، تفتح نافذةً للتأمل في المفارقة بين قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾، والحديث النبوي «لا وصية لوارث». وليس بين النصين تعارض فقهي؛ فلكلٍّ موضعه في أحكام المواريث، ولا أستدعيهما لاستنباط حكمٍ في علاقة الأجيال، وإنما أستأنس بمفردة الوصية بوصفها جسراً بلاغياً إلى سؤالٍ أخلاقي: أين تنتهي مسؤولية الرعاية وتبدأ سلطة الوصاية؟
فالآباء يستطيعون أن يتركوا لأبنائهم مفاتيح البيوت، لكنهم لا يستطيعون أن يورثوهم مفاتيح الأحلام. يستطيعون أن يعلّموهم الطريق، لكن ليس من حقهم أن يفرضوا عليهم الوجهة. ولعل أجمل ما يتركه جيلٌ لجيلٍ بعده ليس الإجابات التي اهتدى إليها، بل الأسئلة التي تعلّم كيف يطرحها.
وحين أعود ببصري إلى السودان، أرى وطناً لم تكن أزمته في ندرة الأحلام، بل في إعادة إنتاج الحالمين للأحلام القديمة بأسماء جديدة. تتبدل الوجوه وتبقى القوالب، وتتغير الشعارات وتستقر البنى، حتى يبدو المستقبل أحياناً كأنه ماضٍ يرتدي ثياب الغد. نختلف حول من يقود الطريق، ونادراً ما نسأل إن كان الطريق نفسه يقود إلى المكان الذي نريده.
وفي هذا المشهد تتشكل لديّ فكرة «الملكية الزمنية المشتركة للمستقبل»؛ لا بوصفها ملكيةً قانونية للزمن، وإنما تصوراً أخلاقياً يحرر صناعة الغد من احتكار الأعمار. فلكل جيل حق المشاركة، وعليه واجب المراجعة، لكن لا جيل يمتلك تفويضاً أبدياً بالحديث باسم الذين سيأتون بعده.
وقد تخيلت مجلساً سودانياً للمستقبل، يجلس فيه الشاب إلى جوار الشيخ، والباحث إلى جوار صاحب التجربة، وبينهم كرسيٌّ فارغ لا يجلس عليه أحد. ذلك الكرسي للأجيال التي لم تولد بعد؛ يحضر غيابها كلما اتخذ الحاضرون قراراً، ويُسأل باسم مصالحها: ماذا نترك لمن سيأتي؟ وطناً تتسع فيه الاحتمالات، أم مستقبلاً أُغلقت أبوابه قبل أن يصل أصحابه؟
ليس الكرسي الفارغ تمثيلاً لإرادة الغائبين، بل تذكيرٌ بمسؤوليتنا عن حقوقهم وفرصهم. ومن حوله يمكن أن تنشأ مختبرات سودانية لاستشراف المستقبل، تختبر السيناريوهات، وتقارن البدائل، وتقرأ آثار القرارات عبر الأجيال، فلا يصبح المستقبل خطبةً جميلة، بل معرفةً قابلةً للفحص والمساءلة.
لقد علّمتني هذه الرحلة الفكرية أن استشراف المستقبل ليس ادعاء معرفة الغيب، وإنما شجاعة النظر إلى ما وراء المألوف؛ وأن كتابة المستقبل لا تعني تأليف نهايته، بل توسيع احتمالاته. فالأمم لا تتقدم حين تتفق على صورة واحدة للغد، وإنما حين تمتلك القدرة على مراجعة صورها كلما اتسعت المعرفة وتغيرت الحياة.
وأعود إلى الأب وابنه في ذلك المساء البعيد. لم يعد السؤال أيهما أحق بالكلمة الأخيرة؛ فقد أدركت أن جمال الحكاية يكمن في ألا تكون لها كلمة أخيرة أصلاً. أن يترك الأب لابنه خبرته دون أن يورثه خوفه، وأن يأخذ الابن من أبيه الحكمة دون أن يستعير منه حدود الحلم.
فالمستقبل ليس تركةً نوزعها، ولا وصيةً نمليها، ولا روايةً نكتب خاتمتها نيابةً عن أبطالها. إنه كتابٌ تتعاقب الأجيال على صفحاته؛ وأجمل ما يكتبه جيلٌ فيه أن يترك للجيل الذي يليه مساحةً بيضاء، وقلماً حراً، وشجاعة أن يكتب ما لم يخطر للأسلاف على بال.
ذلك هو الميراث الذي أراه جديراً بالسودان: ألا نورّث أبناءنا المستقبل، بل نورّثهم القدرة على صناعته
