في مدح الكبار (عن نقد الشباب) (1/3) .. بقلم: عبدالله مكاوي


abdullahaliabdullah1424@gmail.com

بسم الله الرحمن الرحيم
توطئة
هذه المادة مهداة الي كبارنا الاعزاء، بروف مهدي التوم دكتور الشفيع خضر استاذ عبدالقادر محمد احمد واستاذ محمد عتيق، وغيرهم من الذين يوازنون بين المخاطر والطموحات، القدرات والامكانات، طبيعة المرحلة وحجم التحديات. ومؤكد هذا ليس من فراغ، ولكن تعبير عن النضج وحكمة التجارب التي اكتسبوها من المعرفة والمهنية والاهتمام بالشان العام، من موقع الرغبة في التقدم والمحافظة علي كيان الدولة من الانفراط.
ومعلوم التجارب التي لا تورث حكمة تستحيل الي وبال، وهذا كما ينطبق علي الافراد والاسر، ينطبق علي المجتمعات والدول. وليس ادل علي ذلك من حالتنا الراهنة، التي يحاول فيها العسكر تجريب المجرب الفاشل، بذات الادوات والممارسات والمبررات، لدرجة اصبح هذا المسلك يعبر قبل كل شئ عن الذهنية العسكرية، بوصفها ذات اتجاه واحد، ومن ثمَّ هي علي استعداد لانفاق عمرها ورهن مصير البلاد للضياع، فقط لتفسير الماء بعد خسائر مهولة وعناء بالماء. والمحصلة، تردي وانحطاط علي كافة المستويات، وانسداد يهدد بقاء الدولة وتماسك المجتمع بحلول نذر الفوضي.
وعموما، علي المستوي السياسي وادارة الدولة، درجنا علي تحميل كبارنا مسؤولية الفشل والاخطاء، وما وصلنا اليه من وضعية ميئوس منها، وذلك عبر التهم المعلومة داء الكنكشة وغيبوبة عدم المواكبة. ومن المغالطة انكار ذلك او معظمه، ولكن كذلك من التحامل وعدم الموضوعية تحميلهم كامل المسؤولية، وكانهم آتون من فضاءاتٍ خارجية. في هذا السياق هنالك عامل آخر نادرا ما تم التعرض له، كاحد اسباب ما نعايشه من تردٍ مادي وانهيارٍ معنوي، يكون يكون هو السمة البارزة لمسيرة الدولة واحوال المجتمع منذ الاستقلال. والعامل المقصود هو دور الشباب في هذه المسيرة المكللة بالفشل والاخطاء والكوارث.
وعندما نقول الشباب كل ما نعنية ان ينصرف الانتباه الي الانبهار والاستسهال والاستعجال الذي يميز هذه الشريحة. والحال كذلك اول ما تجدر ملاحظته، ان التحديث وطلب التغيير في هذه المنطقة بصفة عامة والسودان بصفة خاصة، اتخذ طابع الانبهار المصحوب بالاستسهال والاستعجال في جوانب تَصدَرها الشباب، وهو ما ادخلها في مركبات صعبة، اقصاها الدخول في نفق الانقلابات العسكرية المظلم، واقلاها الاستهانة والاستخفاف بالقوي السياسية والاجتماعية والمرحلة التاريخية، لمسيرة الدول بعد خروج الاستعمار. اي التحديث منظور اليه من وجهة نظر وممارسات الشباب، اتسم بالخفة، التي لا تتناسب حتي مع طريقة التحديث الخارجية المبهرة التي يتطلعون اليها. اي التحديث كواقعة تشير الي صيرورة طويلة ومعقدة وبطيئة وشاملة، بقدر ما هي محكومة بظروف ومرحلة تطور كل مجتمع. وهذا نظريا ما كان يحتاج للمحافظة علي ما تركه ارث الاستعمار سواء علي مستوي هيكلة الدولة او طريقة ادارتها او النخبة السياسية المرتبطة بها. علي ان تتكاثف الجهود لمعالجة التشوهات والاخطاء التي خلفها الاستعمار لخدمة مصالحه، وبما في ذلك الضغط بادوات مدنية علي الطبقة السياسية التي ورثت الاستعمار وحاولت ان تحل محله. وكل ذلك يتم من غير احداث مفاجآت او انقطاعات حادة، تعيق عملية النضوج والتطور البطيئة ولكن الاكثر تماسك وصلابة وديمومة علي المدي الطويل. ولمزيد من التوضيح نذكر شئ من التفاصيل، ولكن قبل ذلك يجب التاكيد علي ان كل ما سيرد مبني علي فرضية وقراءة استرجاعية بناء علي ماحدث، واحتمالات ما كان يمكن ان يحدث لو تم ما سيرد ذكره، من غير ما يشير الي ان هذه الاحتمالات تحوز اي ضمانة نجاح بديهية في ظل تلك الظروف المحيطة (تجربة الاستعمار وآثارها النفسية) او كان يمكن التنبؤ بما كانت ستؤول اليه الخيارات التي تم تبنيها حتي يمكن تلافي سلبياتها.
وعموما سينصب تركيزنا علي نماذج شابة شكل حضورها في المشهد العام انعطافات حادة في مسيرة المجتمعات والدول. وعندما نقول شابة نستصحب ما ذكرناه من تحكم روح الشباب كالانبهار والاستهانة والاستعجال، ليس في التصدي لمشروع التغيير والتحديث، ولكن كذلك في الشخصيات القيادية والمشاريع المصاحبة، رغم تقدم العمر وتقادم التجربة، لتصبح سمة لهذه الشخصيات وتلك المشاريع.
ونسبة لمركزية الدولة المصرية وقوة تاثيرها الاقليمية، يفضل قول شئ عن التجربة المصرية، كمدخل لتناول التجربة السودانية، والتي ارتبطت بشكل او آخر بالتجربة المصرية، التي اتسعت موجتها لتطال معظم الدول العربية غير الملكية.
فالدولة المصرية حكمتها اسرة محمد علي وخلفت طبقة من البشوات والاقطاعيين الذين يتحكمون في موارد الدولة وشعبها. واستفاد الاستعمار من هذه الحالة ليكرس هذه الوضعية لصالحه. ولكن هذه التجربة بكل ارثها الاستعماري الثقيل، لم تمنع بروز نخبة مصرية سياسية وادارية. استطاعت عبر نضال طويل من شق طريق مدني للخلاص، يجسده سياسيا حزب الوفد الليبرالي علي وجه الخصوص. واهم ما انجزه هذا الحزب وغيره من الاحزاب والكيانات المدنية، هو الحصول علي دستور وطني يشكل البداية القانونية والسياسية لخروج الاستعمار وتحجيم الملكية، والترسيخ لدولة مدنية بمحتوي ديمقراطي. اي باختصار، كانت هنالك مقدمات لحياة ليبرالية ودولة مدنية، ولو انها تنمو ببطء في ظل عديد من العقبات المرتبطة بمرحلة التطور التاريخية (الحالة الاجتماعية ) من جهة، وما صنعه الاستعمار وقبله الملكية (الاستبداد والفساد) من جهة. المهم، هذا المسار الذي عبرت عنه المسيرة الطبيعية (من ناحية تطور اجتماعي)، والذي كان يمكن ان يفضي لما ترغبه الشعوب، تم قطعه بهوجة ضباط شبابية (ثورة يوليو/ الاصح انقلاب!!) تتطلع الي احداث تغييرات جذرية باسرع وسيلة واقصر طريقة، وهي ما تركت آثارها حتي اليوم. وهي هوجة يمكن ان يقال عنها كل شئ، إلا انها انجزت ما تتطلع اليه الشعوب، من تحول ديمقراطي ودولة مدنية وتنمية مستدامة وحرية للافراد وحفظ لكرامة الشعوب. اي بكلمة واحدة، الحصول علي حياة تليق بالبني آدم وليس بالايديولوجيات. وهذا دون الحديث عن كم الفظائع والخسائر، من هلاك للانفس والثمرات، وانغلاق لافق المستقبل بالضبة والمفتاح. ويكفي ان هذه التجربة العدمية، خلفت لنا كائنات دموية، تتسلط علي الشعوب مستخدمة جهاز الدولة، كامساخ حميدتي والبرهان وحفتر والسيسي والقذافي وصدام وعلي صالح وبشار والحبل علي الجرار.
المهم، مواصلة للتجربة المصرية، فقد انتجت شريحة الشباب او بالاصح روحهم السالف ذكرها، نموذج جمال عبدالناصر، كضابط شاب ساهم مع غيره من الضباط (الاحرار!!) علي القيام بانقلاب عسكري علي الحياة الدستورية. ورغم ان قيادة الانقلاب صوريا تصدي لها محمد نجيب اكبر الضباط رتبة، إلا انه وبحكم سنه كان اقل جذرية، ويشاع عنه انه كان ينوي ارجاع الحياة الدستورية. ولكن غلبة الروح الشبابية علي الانقلاب، ساهمت في ازاحته، وتصدر جمال عبدالناصر للمشهد بصورة شاملة، تتلاءم وسنه وتجربته وتوقعاته. اما ما حدث بعد ذلك فهي تجربة ناصر المعلومة، التي بدأت بالتفاؤل وانتهت نهايتها الدراماتيكية. ولكن ما تركته من آثار ما زالت تداعياتها تتفاعل مع الواقع والوقائع. وهو ما يدل علي ان التغييرات الجذرية الرومانسية، بمثابة زلزال كبير، ليس بمقدور احد توقع تبعاته او مداه سواء علي المدي القصير او الطويل.
ولكن كملاحظة عابرة علي تجربة ناصر، يصح انه احدث تحولات جذرية ذات طبيعة مادية اجتماعية، كانت له نتائج ايجابية علي شريحة الفلاحين والعمال والموظفين علي وجه الخصوص، وكذلك توسيع مواعين التعليم والصحة وانجاز مشاريع عملاقة ذات طابع قومي. ولكن بوصفه انقلاب ذو دوافع وتطلعات شبابية، فقد انعكس ذلك علي سعيه لحرق المراحل واستعجال النتائج. وهذا ليس بالتفصيل البسيط الذي يمكن التغاضي عنه، ولكن كانت له تبعات عظيمة الاثر ومترتبات شديدة الخطورة. ومنها ان المشاريع رغم ما يحكي عن انجازها، إلا انها نتاج قرارات ارتجالية واجراءات تعسفية وليس سياسات واولويات بمشاركة المجتمع لتعبر عنه، الشئ الذي يراكم الخبرة السياسية ويجود اداء المشاريع ويحافظ عليها ويعالج قصورها اول باول. اي نموذج ناصر والذي للاسف تحول الي موجة ضربت معظم البلاد العربية، قائم علي صناعة القائد الفذ الفاتن والقادر علي القيام بكل شئ! اي تضخم وزيادة مزايا السلطة وقداستها ووصايتها، علي حساب ضمور المجتمع كحقوق وحريات ومشاركة في مصيره. وكذلك تمدد الطموحات الطوباوية والرغبة في السيطرة الشمولية، بتبني ايديولوجيات ومشاريع متوهمة، متجاوزة للامكانات وحدود الداخل، لتمد انفها (استخباراتها) للتدخل في شؤون الآخرين في الخارج (تصدير النموذج علمنته/عالميته)! وهو ما يعبر غالبا عن تضخم الشخصية وانبعاجها، بعد تشبعها من مدح الانصار والمستفيدين. ويضاف لذلك الاعتماد علي الولاء وشراء تاييد المناصريين (يدخل في ذلك انشاء مشاريع وبرامج دعائية) وقمع المعارضيين، عوض عن الاقناع القائم علي المبررات العقلانية والرضا الطوعي. والمفارقة، رغم ان تجربة ناصر شبابية وتحمل ملامح الشباب، إلا انها لم تفسد الحياة السياسية والسلطة البرلمانية بقطع الطريق علي التدرج الطبيعي، ولكنها افسدت الحياة نفسها، وبما في ذلك حياة الشباب المتطلعة للحرية والانطلاق، بتكريسها لنموذج الدولة البوليسية الطاردة. لينفسح المجال امام الهروب من هذه البلدان، التي قُمعت فيها كل محاولات التحرير وسُدت طاقات الامل والخلاص. اي الاستعجال في حدوث التغيير والتحديث، ومحاولة قسر الظروف والوقائع وتطويعها استجابة للرغبات، ياتي بنتائج عكسية ليس بتاجيل التغيير ولكن برهن التحديث نفسه للمجهول. ويبدو انه هذه اهم خلاصة من الاندفاعة الشبابية، يجب الاستفادة منها، لكل من يتصدي لمشروع التغيير بمسؤولية.
المهم، تجربة ناصر كتجربة شبابية تنقصها الحكمة وتغريها الرغبات الجامحة في تغيير الواقع لواقع مشتهاء، وتعمد الي طريقة اخراج القيادة كبطل الفلم، الذي يملك كل الادوات والصفات التي تمكنه من تحقيق الانتصار المضمون! ساهم ذلك في تكرار هكذا نموذج في عدد من الدول المحيطة، شاء حظها العاثر ان تعيد تجربة ناصر بكارزما اقل وجهل اعظم وعنف جنوني. ولكن ما يجمع بينها هو الاستعلاء علي المكتسبات السياسية والانسانية، وهندسة المجتمع بما يستجيب لطموحات ورغبات القادة في السيطرة علي السلطة، غض النظر عن الكلفة ومعقولية هذه الهندسة.
لكل ذلك، ما يربط بين التجارب الحديثة الرافضة للاوضاع الماثلة ما بعد الاستقلال، سواء وصلت للسطة عبر الانقلاب او ظلت في المعارضة، هي الانبهار والاستعجال والتصور بامكان احداث تغييرات جذرية بكل سهولة. اي هي انعكاس للنزعة الشبابية في شقها الانفعالي، او بقول آخر احلال الرغبات الفردية محل القراءة الموضوعية للواقع. والحال كذلك، ما يربط بين الانقلابات وهذه القوي الحديثة هو اكبر مما يمكن انكاره. ولذلك اذا لم تتورط هذه القوي الحديثة في الانقلابات بشكل او آخر، فاستبطان التجربة الانقلابية وان بتصور جديد في ظنها، هو ما يشكل عامل اغراء يصعب مقاومته عندما تحين الفرصة.
////////////////////////////

 


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

0 تعليقات