باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأحد, 6 سبتمبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
عادل سيد احمد
عادل سيد احمد عرض كل المقالات

فَاطنَة أم زُميِّم وأحاجي من وسط السودان- 12

اخر تحديث: 5 سبتمبر, 2026 10:14 مساءً
شارك

فَاطنَة أم زُميِّم وأحاجي من وسط السودان- 12
أَخدَر عُزاز فِي قَزَاز
ترويها مَيْ زُمراوي
حررها عادل سيد أحمد

عاش تاجرٌ كبير مع بناتهِ الثلاثة وزوجته كانت متوفية، وقد توفيت أثناء ولادتها لبنتها الأخيرة أصغر البنات، وأسماها أبوها (قوت القلوب)، ولكن الناس كانوا يدعونها (القُوت).
بحكم إن القُوت لم ترَ أمها، ولم تحظَى بحنانها، ولم تعش معها فكان والدها يعطف عليها ويعاملها معاملة خاصة، وظلت حنيته ورأفتها بها إلى أن كبرت، لدرجة إن إخواتها كنَّ يغيرن من تلك المعاملة الخاصة التي يعامل بها أبوهم أختَهم الصغيرة (القُوت).
ولما كان الأب يعمل في التجارة، فقد كان ذلك النشاط يتطلب منه السفر والغياب لشهرين أو ثلاثة في كل مرة، فكان عندما ينوي السفر يأتي فيسأل بناته عن طلباتهن وماذا يحضر لهن عند عودته من السفر، فتطلب بنتاه الكبيرتين طلبات كثيرة ومكلفة جداً، فيقلن له نريد ملابس ولا تنسى العطور وأكثر من الحلي ونريد، ونريد… فيوعدهما بتلبية طلباتهما، ثم يسأل القُوت عن طلباتها، فلا تطلب شيئاً وتقل له:

  • أريد سلامتك
    وكُبُر عُمامتك
    وسط جماعتك!
    تقل له هذا الكلام، ولا تزيد عليه ولو عن طريق الخطأ. فكان والدها عندما يعود بعد شهرين أو ثلاثة، يخص القُوت بهدايا قيمة وثمينة وكثيرة أكثر بكثير من نصيب أختيها رغم إنه يحضر لهن ما طلبن ولكن كان للقوت النصيب الأكبر من الهدايا. فزادت الغيرة في قلبيهما.
    وكان والدهن قد أحضر لهن خادماً تآنسهن وترعاهن وتخدمهن أثناء رحلات سفرة المتكررة، فهو لم يتزوج من أي امرأة أخرى بعد أمهن.
    وفي كل مرة كانت أخوات القُوت يزددن غيرة منها ويملأ قلوبهن الحقد عليها، بسبب العلاقة الخاصة بين أختهم الصغيرة وأبيهم، فلم تكونان راضيتين عن ذلك الود والحب الكبيرين، فقررن أن يخربنها بأي شكلٍ من الشكال، حتى يخلو لهن المكان في قلب أبيهم.
    فذهبن عند عجوزٍ في الحي عرف عنها الشر وتدبير المكائد ليستشرنها في يجب عليهن فعله لإفساد علاقة القُوت بأبيها.
    وحكن لها إن أباهن يفضل القُوت عليهن ويأتي لها وبالهدايا الغالية، يدللها ويغدق عليها من عطفه وحنانه، أكثر بكثير مما يفعله معهن، وطلبن منها أن تدلهن على حيلة تخرب تلك العلاقة، وأن يراهن أبوهن أحسن من أختهن الصغيرة (القُوت)، فقالت لهن العجوز بأنها ستُدبر حيلةً ناجعةً لفض علاقة القُوت بأبيها، فشكرنها وقلن لها إنهن سيعطيانها ما تريد وتشتهي، وودعنها وانصرفن.
    وجاءت العجوز الشريرة للقوت في البيت في زيارة تبدو عادية، كأنها جارة مقربة ودخلت عليها في غرفتها وسلمت ثم بدأت تتجاذب معها أطراف الحديث، وسألتها:
  • كيفك؟ وكيف أحوالك؟
    فردت عليها القُوت بأنها بخير وأحوالها على ما يرام، فواصلت العجوز إلقاء الأسئلة:
  • ما بك يا (القُوت) حتى تُغضبي أباك؟
  • أنا أغضبت أبي؟ هذا لم يحدث!
  • أبوك في كل مرة يسافر فيها يسألك عما تريدين من هدايا، وأنت تردي عليه بأنك لا تريدي منه شيئاً، ومن الواجب عليك أن تطلبي فهو أبوك، وهو يريد أن يلبي كل طلباتك فهذا سيسعده.
  • أنا لا أطلب منه لأنه لا يدع لي مجالاً لأحتاج لشيء، فهو يحضر كل ما أريد وما لا أريد.
  • لابد أن تجبري أنت بخاطره، وعندما يسألك ماذا تريدين، قلي له أريد الشيء الفلاني أو العلاني، لابد أن تطلبي.
  • في الحقيقة ليس هناك شيء لم يجلبه لي، ولا أعرف، أنا ذاتي، ماذا أطلب وماذا أقول؟
  • أنا سأخبرك بما يجب أن تطلبيه عندما يأتيك في المرة القادمة، قلي له أن يُحضِر لكِ (أَخدَر عُزاز فِي قَزَاز)!
  • لو هذا الطلب يريحه، ويجعله يحس بأنني احتاجه ولا استغنى عنه فسأقل له ذلك، وأطلب منه: (أَخدَر عُزاز فِي قَزَاز).
    وعادت العجوز إلى بيتها، تمني نفسها بنجاح خطتها بعد أن تطلب القُوت من أبيها: (أَخدَر عُزاز فِي قَزَاز).
    دارت دورة الأيام، وحلَّ الموسم التجاري الجديد، فنوى والد البنات السفر في واحدة من رحلاته الطويلة، ولكنه قبل المغادرة سأل بنتيه الكبيرتين عما تُريدان، فحددوا له طلباتهما كلها، ثم جاء للقوت، وقال لها:
  • أها يا القُوت، ماذا أحضر لأجلك؟
  • جيب لي (أَخدَر عُزاز فِي قَزَاز).
    واستغرب أبوها لأنها كانت المرة الأولى التي تطلب القُوت منه شيئاً، فقال لها:
  • حاضر سوف أحضر لك (أَخدَر عُزاز فِي قَزَاز).
    وسافر، وعندما وصل لوجهته باع بضاعته وكسب فيها مكسباً كبيراً، واشترى البضاعة الجديدة، واشترى لبنتيه الكبرى والوسطانية الهدايا التي طلبتاها، ثم بدأ البحث عن (أَخدَر عُزاز فِي قَزَاز) وسار وهو يسأل، ويسأل إلى أن التقى برجل كبير، فسأله وقال له:
  • أنا أريد الحصول على (أَخدَر عُزاز فِي قَزَاز)، فمن أين يمكنني أشتريه؟
    فأخذ الرجل العجوز يضحك ويضحك، ثم قال له:
  • (أَخدَر عُزاز فِي قَزَاز) ليس بضاعةً يشتروها يا ولدي!
  • وما هو إذن؟
  • (أَخدَر عُزاز فِي قَزَاز) هذا شخص يعني من البني آدم، أماته سبعة غوالي.
    فتفاجأ أبو القُوت، وكيف أن بنته أرسلته لإحضار رجل، وهو أمر كبير وغير معقول، يعني القُوت (أول ما شطحت نطحت) كما يقول المثل، فكيف يكون أول طلب تطلبه بهذه الطريقة؟
    ثم قال له العجوز:
  • ماذا تريد أنت (بأَخدَر عُزاز فِي قَزَاز)؟
  • عندي رسالة أريد فقط أن أوصلها له، فليتك تدلني على مكانه، ومتى أستطيع أن أذهب لأقابله؟
  • أمَّات أَخدَر عُزاز فِي قَزَاز السبعة غوالي يخرجن في الفترة الصباحية للصيد، وقضاء شئونهم الأخرى، ويكون هو موجود في البيت في انتظار عودتهن. وأنصح لك بأن تدخل عليه أثناء غياب الغوالي السبعة، لأنهن لا يدعن أحداً يقرِّب منه أبداً، فادخل عليه وأوصل له رسالتك هذه، ثم أنصرف في أمان قبل أن تعود الغوالي.
    فشكره أبو القُوت، ثم ذهب إلى المكان الذي وصفه له العجوز، البيت الذي يسكن فيه (أَخدَر عُزاز فِي قَزَاز) وكان عبارة عن قصرٍ كبير وعال، وتأكد من أن الغوالي غير موجودات بالداخل، فدخل، وهناك وجد (أَخدَر عُزاز فِي قَزَاز) فسلم عليه وتعرف به ثم عرَّفه بنفسه، وقال له:
  • أنا التاجر فلان فلاني، وأنا في الحقيقة لا أعرفك وأنت أيضاً لا تعرفني، لكن بنتي الصغيرة (القُوت) أوصتني وقالت لي أنها تريد (أَخدَر عُزاز فِي قَزَاز)، وأنا لم أكن أعرف ما هو (أَخدَر عُزاز فِي قَزَاز)، وسألت فعرفت إنه أنت ولهذا أتيت لك.
  • وكيف هو شكل بنتك هذه؟
  • بنتي والله بنت جميلة وخلوقة وطيبة.
    فأعطاه مرآة وقال له:
  • خذ هذه المرآة، ولو أرادت بنتك أن آتي إليها لتراني أو تقابلني أو لديها حاجة عندي، فقط تدعك (تمسح بقوة) على هذه المرآة، وتنظر فيها، وأنا سأظهر لها.
  • حسناً، وشكراً جزيلاً لك.
    وأخذ التاجر (أبو القُوت) المرآة من (أَخدَر عُزاز فِي قَزَاز) وعاد بها راجعاً لأهله.
    رجع أبو القُوت إلى البيت وهو غضبان وساخط على بنته سخطاً شديداً، لا يريد أن يقابلها ولا أن يرى وجهها، فأعطى أختيها هداياهن، وأرسل للقوت المرآة مع الخادمة، وأوصاها قائلاً:
  • خذي هذه المرآة وأعطيها للقوت.
    الخادم عندما أعطاها الأب المرآة لتسلمها للقوت، نظرت فيها، ودون أن تشعر لمستها، فرآها (أَخدَر عُزاز فِي قَزَاز)، ولما كانت الخادمة قبيحة جداً، أحس (أَخدَر عُزاز فِي قَزَاز) بأن الرجل قد خدعه، وإن شكل بنته مختلفٌ عما وصفه له ذلك التاجر الكذَّاب، لأنه اعتبر إن الخادمة هي بنت التاجر، وبهذا فإن الموضوع بالنسبة له قد انتهى، حتى أنه لا يريد أن يرى ولا يريد أن يعرف. وصرف النظر عن الأمر كليةً. بعد ذلك ذهبت الخادم بالمرآة وأعطتها للقوت ثم قالت لها:
  • لقد جاء أبوك من السفر وأحضر لك هذه المرآة.
    واستغربت القُوت من جفاء والدها، فقد اعتاد أن يهرع إليها ويسالمها بحرارة كلما عاد من السفر، ويسألها من أحوالها في فترة غيابه وتحكي له ويحكي لها، ثم يغدق عليها الهدايا، وقالت في نفسها:
  • ما الذي حدث؟ أيعقل أن يُرسل لها تلك الهدية مع الخادمة؟
    فخرجت من غرفتها دون أن تنظر للمرآة أو تلمسها حتى، ووجدت أخواتها واقفات بجوار غرفة والدهن، فسألتهن:
  • ماذا جرى لوالدي؟
  • أبوك مريض وتعبان، وأنت السبب في مرضه، وأنت التي طلبت منه طلباً صعباً.
  • ماذا فعلت يا إخواتي؟
  • أسكتي، هو غاضب منك وساخط عليك، وقال إنه لا يريد أن يرى وجهك، فلا تأتي إليه ولا تدخلي عنده.
    فسألتهن القُوت وهي تبكي:
  • لكن، أخبروني ماذا فعلت أنا به؟
  • من يومك ملازمك الشؤم وقتلتي أمنا. فعندما جئت إلى هذه الدنيا أمنا ماتت. والآن ها هو أبونا مريض، وأنت من يومك وجه فقر عليه.
    وواصلوا في توجيه هذا الكلام الجارح لها، وشنُّوا عليها حرباً نفسية، ووصفوها مراراً بالفقر والشؤم.
    فانهارت القُوت وأخذت تبكي بحرقة دون أن تدري ماذا يجب عليها أن تفعل.
    وأرسلوا في طلب الحكيم ليفحص أباهم، فدخل الحكيم عليه، وأعطاه الدواء اللازم لعلاجه، وقال لهن:
  • اتركوه بالداخل ودعوه يرتاح، ولا تزعجوه.
    وحاولت القُوت عبثاً أن ترى والدها ولكنهن منعنها، وهو ذاته رفض أن يُقابلها، وقال لها:
  • لا، لا أُريد أن أرى وجهَك، فلا تدخلي عليَّ.
    وجلست القُوت أمام باب غرفة والدها وهي تبكي، واستمرت على هذا الحال فلم تأكل ولم تنم بل ولم تبارح مكانها، وقررت أن تنتظر على هذا الحال حتى يسمح لها أبوها بالدخول فتعرف ما به، وتطمئن عليه. ولكن، للأسف، توفي أبوها في الصباح الباكر.
    ووجدت أختيها فرصةً أكبر في إهانتها والنيل منها، وأخذن في شتمها والإساءة إليها، وقُلن لها:
  • أنت الفقر وأنت الشؤم وأنت السبب في وفاة والدنا، وأنت قتلت أمنا، وبسببك مات أبونا الآن، وتيتمنا، وفقدنا السند ولم يعد لنا ظهر و…. و….
    ودخلت القُوت لغرفتها وهي حزينة على فراق والدها وحانقة على أختيها، وجلست على سريرها وهي تبكي وتبكي وهي لا تعرف ما الذي حدث، ولا تفهم ما يدور، ولم يكن هناك من يريد إفهامها، ولم تشرب ولم تأكل، فقط تبكي وتبكي… وأكسبها الحزن هالةً إضافيَّةً من الجمال على جمالها.
    وأثناء ما هي تفكر وتعيد في كلامها مع أبيها وتراجع طلباتها قبل سفره، وطبعاً هي لم تقابله بعد عودته ولا عرفت ماذا حدث، ولكنها كانت تعيد في شريط الذكريات، لتر ماذا فعلت وماذا قالت لأبيها حتى يغضب منها لهذه الدرجة. وطبعاً هي، ولأول مرة، طلبت منه هدية وأوصته أن يُحضر لها (أَخدَر عُزاز فِي قَزَاز)، وهي لا تدري ما هو؟
    ثم نظرت حولها أثناء رحلتها في التذكر، فوجدت المرآة، فرفعتها، ولمستها دون أن تحس. وعلى الفور ظهر لها شابٌ وسيمٌ جداً، وهي طبعاً خالية ذهن من هذا الموضوع، ولم يخبرها أو يتحدث لها أحد عن تلك المرآة، ولا تدري كيف لها أن تلاقي (أَخدَر عُزاز فِي قَزَاز).
    قال لها الشاب الوسيم:
  • هل أنت القُوت؟
  • نعم، أنا هي، فمن أنت؟
  • أنا (أَخدَر عُزاز فِي قَزَاز؟) الذي طلبت من والدك أن يحضره لك.
  • أنت أَخدَر عُزاز فِي قَزَاز؟
  • نعم.
    وفي تلك اللحظة فقط فهمت لماذا غضب أبوها، وحكت للشاب الوسيم الحكاية كلها من البداية، وقالت له:
  • والله أنا، طوال حياتي التي عشتها مع أبي، وهو يسافر لجلب البضائع، وكل ما يسألني عما أريد، أقول له:
  • عايزة سلامتك
    وكبر عمامتك
    وسط جماعتك
    هذه هي الكلمة الوحيدة التي كنت أقولها له. ولم يحدث أبداً أن طلبت منه شيء، لكن مع ذلك كان أبي يغدق على الهدايا، ولا يترك شيئاً إلا وجلبه لي، ما أريد وما لا أريد. ولكن في هذه المرة الأخيرة تسلطت علي امرأة شريرة، وقالت لي: (أبوك زعلان منك لأنك لا تطلبي منه شيء)، فقلت لها: (ليس لديَّ ما أطلبه، وهو لا يحوجني لشيء ولا يسمح بأن ينقصني شيء)، فقالت لي: (ولو، أجبري بخاطره، قولي له أريد الشيء الفلاني!)، فقلت لها: (ليس لدي أي فكرة عما يجب علي أن أطلبه منه)، فردت بأنها ستخبرني بما علي طلبه، وقالت لي: قولي له إنك تريدين (أَخدَر عُزاز فِي قَزَاز)، وأنا والله عندما قلت له هذا الطلب لم أكن أعرف ما هو (أَخدَر عُزاز فِي قَزَاز)، ولا أدري أهو شيء يؤكل أم يشرب، فقط قلتها بناء على نصيحة تلك العجوز الشريرة.
    عند هذا الحد فهم (أَخدَر عُزاز فِي قَزَاز) الموضوع، وقال لها:
  • خلاص، أنا ذاتي عندما أعطيته المرآة، قلت له: (دعها تراني)، ولكن ظهرت لي امرأة أخرى بشكلٍ مختلف، لهذا قلت إنها أنت وإن أباك قد خدعني.
    وسألها:
  • أين هو أبوك الآن؟
  • للأسف، توفاه الله، ربنا يرحمه ويغفر له، مات غضبان مني لأني طلبت منه طلباً عجيباً لم أفهمه إلا الآن، وأنا لم يكلمني أحد بماذا أغضبت أبي. فمات وهو غضبان مني وساخط عليَّ بسبب هذا الطلب.
    وحاول (أَخدَر عُزاز فِي قَزَاز) أن يُطيّب خاطرها، وقال لها:
  • لا عليك! فأنت لم تكوني تعرفين، وأكيد إن هذه مؤامرة قد حيكت ضدك، ومن المؤكد أيضاً إن وراءها ناس، ففوضي أمرك لربنا، وأدعي لوالدك بالرحمة والمغفرة، وربنا، إن شاء الله، يتولاكِ!
    واختفى بعد ذلك من المرآة.
    ومن يومها بدأت بينهما حوارات يومية، يتآنسا مع بعضها بعضاً، يحكي لها وتحكي له، إلى أن وقعا في الغرام وعشق أحدهما الآخر، فقال لها ():
  • يا القُوت، لقد أحببتك وإني أرى أنك الإنسانة التي تناسبني، وأريد أن أرتبط بك وأتزوجك، فما رأيك؟
  • ما عندي مانع، وأنا ذاتي فقدت أبي وسندي، وحتى إخواتي لا يردن أن يتعاملن معي، فليس لديَّ مانع، وأنا موافقة على الزواج منك.
    وجاء (أَخدَر عُزاز فِي قَزَاز)، وأقاموا مراسم الزواج، وعاش معها في قصر أبيها، في جناح واسع وفخم، وعاشا في سعادة، ووجدت فيه نعم الزوج، وهو وجد فيها نعم الزوجة، وعاشا في أمان الله لا يُعكِّر صفوهما شيء.
    وللمرة الثانية شعرت إخواتها بالغيرة، واحسّتا بخيبة الأمل، وقلن:
  • (بدلاً عن أن تعيش (القُوت) في تعاسة ضيق ويملؤها البؤس وتخرب حياتها، ها هي الآن في أحسن حال، سعيدة وهانئة وحياتها مستقرة).
    وشعرن بحقدٍ غريب عليها، وقررن أنه لابد من أن يغيرن هذا الحال، ويتآمرن عليها من جديد.
    وللمرة الثانية ذهبن للعجوز الشريرة، وقلن لها:
  • أنت خططت لكل هذا، وأحضرت لنا (أَخدَر عُزاز فِي قَزَاز) هذا، وقد تزوجها، وحياتهم مستقرة ويعيشا في سعادة يحبان بعضهما بعضا، أما نحن فقد فقدنا أبانا، وصرنا بلا سند ولا عوض، فعليك أن تتدخلي وتغيري هذا الوضع وتحلي لنا موضوع أختنا القُوت.
  • هناك شيء واحد يضر (أَخدَر عُزاز فِي قَزَاز)، بل يمكن أن تقتله.
  • دلينا عليها؟
  • الرشاد!
  • وما هو الرشاد؟
  • الرشاد هو مسحوق القزاز (الزجاج)، تحضرنه وتطحنه بحيث يصير ناعماً جداً ثم أفرشنه فوق المرتبة وغطينه بالملاية (الملاءة)، وبمجرد أن يرقد (أَخدَر عُزاز فِي قَزَاز) فوق هذا الرشاد، فسيمرض أو يموت مباشرةً، ولن يستطيع أن ينهض وينجو منه أبداً.
    وفرحت أخوات القُوت بهذه الخطة وشكرن العجوز الشريرة على حسن تدبيرها، وانصرفن للتنفيذ. وأحضرن القزاز، فطحنه ناعما، وانتظرن الفرصة التي تكون فيها القُوت غائبة ليضعن مسحوق القزاز ويفرشنه فوق سرير (أخدر عزاز).
    وبمجرد أن دخلت القُوت المطبخ لتطبخ أكلها، رافقتها واحدة من أخواتها لتراقبها، والثانية دخلت لغرفة النوم وفرشت ذلك الرشاد فوق المرتبة، رفعت الملاءة وفرشت مسحوق الزجاج الناعم كله فوق، وغطته بالملاءة مرة أخرى، ثم خرجت، وانضمت لها أختها التي كانت تراقب القُوت، وانصرفتا وكأن شيئاً لم يكن!
    عندما عاد (أَخدَر عُزاز فِي قَزَاز) للبيت، وبعد الغداء، أراد أن يستريح قليلاً ويأخذ قيلولة قصيرة، ورقد في سريره، ولكن بمجرد أن فوق دخل له الزجاج المطحون جسمه، فقال بإعياءٍ شديد وألم:
  • يا الله يا القُوت! لقد قتلتني…
    وفي لمح البصر جاءت أمهاته، ظهرن فجأة، وخطفنه على الفور وحملنه وطرن به وغادرن إلى ديارهن.
    وطبعاً لم تكن القوت تعرف مكاناً أو بلد (لأَخدَر عُزاز فِي قَزَاز))، ولا تعرف من أين يأتي، وتملكتها الحيرة لأنها لا تدري ما الذي حدث، فصارت مخلوعة وجزعة، وذهبت فنظرت للسرير، وعندما رفعت الملاءة وجدت شيئاً غريباً لمسته ولكنها لم تعرف ما هو؟ مسحوق ناعم مفروش فوق السرير. ولكنها فهمت أن هناك شيءٌ قد حدث، وأن هناك من قام بعملٍ ماكر وأكيد أنهن إخوتها. فجلست تبكي، وتبكي، وتبكي بحرقةٍ شديدة، لا تدري ماذا تفعل؟ وأين يمكن لها أن تجد (أَخدَر عُزاز فِي قَزَاز))، وإلى أي بلادٍ تسير، فلم تكن عندها أي معلومة عنه.
    وفي الصباح لبست جلابية، بصديري (قميص بلدي)، ووضعت عِمَّةً (عُمامة) فوق رأسها، وحملت حقيبة على ظهرها، وغادرت ديارها، وسارت في الطريق لتبحث عن ()، وسارت وهي تسأل من مكان إلى مكان، ومن بلد إلى بلد متخذةً هيئة الفكي، وأخذت تصيح:
  • أنا الفكي الغاوي
    البداوي كل بلاوي
    أنا الفكي الغاوي
    البداوي كل بلاوي!
    وسارت وسارت وهي تنادي بأعلى صوتها، حتى بلغ منها التعب مبلغاً كبيراً، فجلست لترتاح تحت ظل شجرة. وأثناء جلوسها في الظل، جاءت عصفورتان وركَّتا على غصن الشجرة، وقالت إحداهما للأخرى:
  • ما سمعتي بأَخدَر عُزاز فِي قَزَاز؟
  • ما بِهِ؟
  • مريض يكاد أن يموت، وأُماته محتارات لأن مرضه غلب الطب والطبيب.
  • أتعرفين ما هو علاجه؟
  • علاجه في أم قلينقتِّي وأم قلينقتِّك (معدتي ومعدتك ).
    وأشتبكت العصفورتان مع بعضهما بعضاً فوقعتا في طرف ثوب (القوت)، فأخذتهما وذبحتهما وأخرجت (أم قلينقتة) منهما، وغسلتهما غسيلاً نظيفاً، وجففتهما ثم سحنتهم حتى صارتا مسحوقاً ناعماً، وربطتهما في صُرَّة وأخفتها في ثيابها وواصلت المسير، وسارت وسارت وهي تصيح:
  • أنا الفكي الغَاوِي
    البِدَاوِي كل بلاوِي
    أنا الفكي الغَاوِي
    البِدَاوِي كل بلاوِي!
    فسمعتها أمات (بأَخدَر عُزاز فِي قَزَاز)، ونادوها على الفور، وقالوا لها:
  • تعال تعال يا سيدنا، تعال عندنا شخص مريض، فعالجه لنا وسنعطيك قدر ما تطلب.
    ودخلت القوت على (بأَخدَر عُزاز فِي قَزَاز)، فوجدته تعبان والتعب بائن في وجهه، فتألمت ألماً شديداً وبكت بكاءاً حاراً، ولكنها غالبت دموعها ومسحتهم، وقالت لهم:
  • خلاص، أحضروا لي ماءاً حاراً مغليَّاً.
    وعندما أحضروه لها كشفت ظهره، وطبعاً هو كان راقداً على بطنه لأنه لا يقدر أن يرقد على ظهره، فكشفت ظهره، وبدأت تستخرج منه الرشاد بالماء الساخن، ثم رشَّته بمعدة العصافير، وتركته ليرقد.

وفي اليوم الثاني، وبنفس الطريقة، طلبت الماء المغلي وأيضاً بدأت تُخرج بقية مسحوق الزجاج، تخرج وتخرج، ومرةً أخرى رشته بمعدة الطيور.
وتحسن حاله، وصار قادراً على الرقاد على ظهره، واستطاع أن يجلس، ويأكل ويشرب.
المهم، واصلت القوت معه في اليوم الثالث بنفس الطريقة، إلى أن أخرجت كل القزاز من ظهره، والتأمت كل جروحه، فقالت لهم:

  • خلاص، حمد الله على السلامة، وأنا سأغادر الآن.
  • أها يا سيدنا، ماذا نعطيك؟ أطلب ما تريد!
    فرأت سيفاً معلّقاً، ومعه جبيرة، وسوطاً فقالت لهم:
  • أعطوني هذه الأشياء!
    فأعطوها ما طلبت، وهي ذاتها واكتفت بها، وقالت لهم:
  • لا أريد شيئاً آخر غيرها.
    ثم حملت تلك الأشياء وعادت راجعةً إلى بيتها.

وفي البيت، علقت كل الأشياء التي جاءت بها في جدران غرفتها، وجلست تنتظر (أخدر عزاز) متوقعةً من انتقاماً قاسياً.
وفعلاً، بمجرد أن تماثل (أَخدَر عُزاز فِي قَزَاز) للشفاء، واسترد عافيته، وأتم فترة نقاهته جاء للقوت لكي ينتقم منها لأنها حسب ظنه أرادت أن تقتله، فقرر أن يقتلها هو الآخر.
عندما دخل إلى غرفتها، المعلقة على الجدران، سيفه وسوطه وبقية أشيائه، فسألها:

  • من أين أتيتِ بهذه الأشياء؟ وكيف وصلت إليك؟
    فحكت له، وقالت:
  • أيعقل أن أؤذيك؟ وأنا أصلا حكاية أن القزاز يضرك أو يسبب لك ألماً، هذه المعلومة لم تكن عندي، أنت لم تخبرني بها، هذا أولاً، ثم ثانياً بعد العلاقة التي بيننا هل يمكن لي أن أفعل ذلك؟ وأنا حكيت لك، منذ البداية، إن إخواتي يتآمرن علي، ويَكِدْن لي، حتى قصتنا أنا وأنت وأن نعرف بعضنا بعضاً هذه كانت نتيجةً لمكيدةٍ مُدبَّرة. فأنا لا يُمكن أن أفعل ذلك، وأنا التي جئت عندكم وعالجتك، وأنا هو الفكي الذي داواك بمعدة العصافير، واسترد لك صحتك وعافيتك.
    فصدَّقها (أخدر عزاز)، وأعتذر لها وقال لها:
  • أنا والله كنت شاكك فيك، وانا متأسف جداً لذلك، وكان من المفروض أن أتروَّى قليلاً، وكان مفروض، وكان مفروض… والآن أنا أطلب منك أن تسامحيني، ونرجع لنعيش مع بعضنا بعضاً كما كنا في السابق.
    ففرحت القوت من كلامه ووافقت عليه، فزاد:
  • لكنني لن أترك تلك المرأة العجوز الشمطاء، ولن أسامحها وسأنزل بها عقاباً شديداً وقاسياً. أيضاً فإنني لن أترك أخواتك ولن أعفو عنهن ولا بد أن أنتقم منهم.
  • لا، هم إخواتي، نحن فقط نبعد عنهم ونذهب لنعيش في مكانٍ آخر، وليس لدي مانع أن أذهب معك لنعيش مع أُماتك، ونبعد من أخواتي أولائي لكيلا يؤذينني، ولا أنت تشعر بأنك تريد أن تنتقم منهن، ولكن أفعل ما بدى لك في العجوز الشريرة.
    وذهب أَخدَر عُزاز فِي قَزَاز إلى أماته، وطلب منهن أن ينزلن عقاباً قاسياً وعسيراً بالعجوز التي دبرت المكيدة لتقتله.
    وجاءت الغوالي، أمات (أخدر عزاز)، وعاقبن العجوز العقاب الذي تستحقهن ولقت أخيراً جزاء مكائدها أعمالها الشريرة. وشهدت أخوات القوت ذلك العقاب. فقال لهن (أَخدَر عُزاز فِي قَزَاز):
  • لو في مرة أخرى حاولتن أن تخربن حياتنا أو تحاولوا تضرننا أنا والقُوت فسيكون هذا هو مصيركن.
    وذهب ومعه القُوت عند أمهاته، حيثُ عاشا هناك في سعادةٍ وهناء، وأنجبا الأبناء والبنات.

انتهت الحكاية.

amsidahmed@outlook.com

Author
عادل سيد احمد

عادل سيد احمد

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

الأخبار
البرهان يهدد باستخدام قوة مميتة ضد الدعم السريع
منبر الرأي
منبر الرأي
الشعوبية بين المفهومين التاريخي والاجتماعي .. بقلم: د.صبري محمد خليل
الأخبار
لجنة اعتصام التميز تؤيد مذكرة الأطباء الشرعيين وتحذر من أي محاولة لطمس الحقائق
الأخبار
إدارة صحيفة (الأخبار) تُماطل في صرف مُستحقات الصحفيين وتلجأ للتوقُّف عن الصدور إلى أجل غير مُسمَّى

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

إحتفال يكشف حال البلد .. بقلم: نورالدين مدني

نور الدين مدني
منبر الرأي

افتتاح سوكارا .. بقلم: الرفيع بشير الشفيع

الرفيع بشير الشفيع
منبر الرأي

من هنا تبدأ علامات القيامة! أنظر للسودان وانتظر الساعة .. بقلم: د. زاهد زيد

طارق الجزولي
منبر الرأي

السودان.. (أخبار سيئة)..! … بقلم: ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss