باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأحد, 25 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
عادل سيد احمد
عادل سيد احمد عرض كل المقالات

فَاطْنَة السَّمْحَة وأحاجي من وسط السودان- 21

اخر تحديث: 24 أكتوبر, 2026 9:33 مساءً
شارك

هَزَارْ
تَروِيها مَيْ زُمراوي
حرَّرها عادل سيد أحمد

عاش تاجرٌ غني مع زوجته في بلدةٍ بعيدة، رزقهما الله بطفلٍ جميل أسموه هَزَارْ. مرَّت السنين وكبر هَزَارْ وصار صبيَّاً يافعاً يحب الطبيعة، والحيوانات، وبالذات الطِيُوْر. أهدى له أبوه عصفوراً جميلاً لونه رمادي، وضَعُوه في قَفَصٍ صغير، ولكن هَزَارْ لاحظ أن هذا العُصْفُور حزينٌ على الدَّوَام، ولا يُغني إلا نادراً.
في يوم من الأيام، أثناء تناولهم طعام العشاء، الولد ومعه أمه وأبوه، غنى العُصْفُور الرَّمَادِي بصوتٍ شجيٍّ وجميل، فاستمتع الأب بتغريده جداً، فقَال:

  • أنا على استعداد لأن أدفعَ نصفَ ثروتي لمن يُفسِّر لي لغة الطِيُوْر.
    أكملوا عشاءَهم، وذهب الجميع إلى النوم. ومنذ تلك اللحظة وضع هَزَارْ كلامَ أبيه في رأسه، وصار يُسائل نفسه كيف يتعلم لغة الطِيُوْر، وكان يجلس بجوارها ويراقبها لفترات طويلة ولكن ذلك لم يساعده طبعاً في تعلُّم لغة الطِيُوْر.
    مرت الأيام وصار هَزَارْ فتىً وسيماً وشجاع، وكان مفخرةً لوالديه.
    في يوم من الأيام خرج هَزَارْ من البيت وذهب إلى الغابة، يتجول فيها كعادته، بحكم إنه كان يُحب الطبيعة، والحيوانات وبالذات الطِيُوْر. أثناء تجواله، أرعدت السماءُ ولمع البرقُ ولمع ثم أمطرت، وهبَّت عَاصِفة. فجلس هَزَارْ تحت شجرة وقَال:
  • أنتظر هنا قليلاً ريثما تهدأ هذه العاصفة، ثم أرجع للبيت.
    أثناء تأمله رأى عشاً فوق هذه الشجرة، وكانت بالعش أربعة فراخ. ولأنه مهتم بموضوع الطِيُوْر وصار يعرف أنواعها، وأشكالها وألوانها، عرف أن هذا الفراخ فراخ عندليب. وكانت الفراخ لوحدها ليس معها أمها ولا أبوها. فخلع عنه الصِّدِيْري وغطاها من المطر. وقبل أن يتوقف المطر جاء العندليب أبو الفراخ. شكر هَزَارْ وقَال له:
  • كتَّر خيرك، لقد وقعت في شبكة أحد الصيادين، وأفْلَتُّ منها بأعجوبة، ولولاك ولولا عنايتك بأولادي لفقدتهم للأبد، لذلك أنا أريد أن أكافئك، فأطلب ما تريد، وأنا سألبي طلبك على الفور. فقَال له هَزَارْ:
  • أنا، والحمد لله، لا ينقصُني شيءٌ ولا أريد مكافأةً، لكنني أرغب في تعلُّمِ لغةِ الطِيُوْر.
  • أنت محظوظ لأنني عندليبٌ سحري، وأنا أصلاً من مملكة الجن. وأنا قادر على تعليمك لغة الطِيُوْر بمختلف أنواعها في مدى ثلاثة أيَّام. في كل يوم أعلمك لغةَ مجموعةٍ من أصناف الطِيُوْر.
    وفعلاً بعد انقضاء مدة الثلاثة أيام صار هَزَارْ يُتقِن لغة الطِيُوْر. وصار عندما يسمع ضجيجها في السماء، أو في الشجر، يفهم ما تقول. لكنه لم يخبر أي شخص بهذا الأمر لأنه كان مقنعا بألا أحد سيصدق كلامه، ولا حتى أمه وأبيه.
    وفي يومٍ آخر، أيضاً أثناء وجبة العشاء، أخذ العُصْفُور الرَّمَادِي يُزقزِق ويُغنِّي. سمع هَزَارْ كلامه فقد صار يفهم لغته ويعرف ما يقول، فقَال لوالديه:
  • والله، إن هذا لأمر غريب!
  • ما هو الشيء الغريب؟
  • لو صح ما يقوله هذا العُصْفُور لكان أمراً عظيماً وغريب.
  • ماذا قَال العُصْفُور؟
    فأخذ هَزَارْ يترجم لهم كلام العُصْفُور، قَال لهم:
  • قَال العُصْفُور: (ستمر على الصبي هَزَارْ الأيام والشهور وسيصبح أميراً في قصر ملك البحرين، وتدين له ممالك السهول والجبال).
    فاستغرب أمه وأبوه طبعاً ولم يصدقا كلامه وخافا من يصل هذا الكلام للملك فتكون عواقبه على هَزَارْ وخيمة، فقَالا له:
  • هل يعقل أن يقول العُصْفُور هذا الكلام؟
    وخافا خوفاً شديداً، ولامته زوجته (أم هَزَارْ)، وقَالت له:
  • لم يكن مناسباً أن تأتي بسيرة لغة الطِيُوْر وما لغة الطِيُوْر، ولد وضع هذا الموضوع في رأسه وصار يتهيأ أشياء غير واقعية. فما هو الحل الآن؟ وماذا نحن فاعلون؟
    في يوم من الأيام فكرا في أن يسقوه شراباً منوماً، وبعد أن تعشَّى أعطوه هذا الشراب مع عصير فواكه. شرب هَزَارْ العصير وراح في نومة عميقة. فحملوه ووضعوه في قارب وأنزلوه في البحر، وتركوا الحبلَ على الغَارِب . فمضى القارب إلى عرض البحر ومضى إلى أن حاذى سفينةً كان بها بَحَّارةٌ كثيرون، فرأوا القارب وبداخله طفل صغير، فأشفقوا عليه فأخذوه من القارب وأركبوه معهم السفينة وواصلوا رحلتهم.
    وأثناء ما هو معهم، كان مستغرباً ويسأل نفسه: ما الذي أتى به إلى هنا؟ وماذا حدث؟ فلم يكن يعرف أو يفهم ما الذي أتى به وأنزله في قارب في عرض البحر.
    جاءت طيور الكركي في السماء فوق السفينة تتكلم، ففهم كلامها، وقَال للبَحَّارة:
  • هذه الطِيُوْر تقول إن هناك عاصفة قريبة قادمة نحونا، وأحسن شيء أن تذهبوا بسفينتكم هذه لترسُو في أقرب ميناءٍ إلى أن تنجلي تلك العاصفة وتعدي على خير، وبعدها تواصلوا إبحاركم.
    طبعاً لم يَحْفَل لكلامه أحد، فقَال لهم:
  • لو هبَّت عليكم هذه العاصفة فيمكن أن تُغرِق سفينتكم، أو يصيبها شيءٌ فتضرَّر. لذلك يجب عليكم الرسُو في أقرب ميناء.
    ولكنهم لم يعِيرُوا كلامه أدنى اهتمام، وواصلوا رحلتهم. بعد قليل هبت العاصفة، وكادت السفينة أن تغرق، ولكنهم أنقذوها بأعجوبة بعد أن تضررت ضرراً شديداً، وكسرت بعض أجزاءها وامتلأت بالثقوب وتسربت المياه إلى سطح السفينة. وأيضاً عالجوها لكن ذلك استغرق وقتاً طويلاً واحتاج لمجهودٍ كبير.
    واصلوا رحلتهم، وأثناء ابحارهم جاءَ طيرُ البجع يحُوم في السماء ويتكلم. وكان البحارة قد أيقنوا أن هَزَارْاً يفهم لغة الطِيُوْر وأنه كان صادقاً. فسألوه:
  • ماذا يقول هذا البَجْع؟
  • يقول البَجْعُ أن هناك سفينة قراصنة قريبة من سفينتكم، فمن الأحسن أن تبدِّلوا اتجاهكم، فتتحوِّلوا وجهتكم للاتجاه المُعاكِس.
    فسمع الرُبَّان كلامه، وصدقه، وعكس اتجاه السفينة. وبعد قليل رأوا سفينة القراصنة من بعيد، في صفها الأول مدافع وكانت ترفع علماً أسوداً، فـأحسوا بأن ربنا أنقذهم، وإن هذا الولد كان سبباً في نجاتهم من هؤلاءِ القراصنة. وواصلت السفينة رحلتها، وكانت رحلةً طويلةً جداً، وصلوا بعدها إلى بلادٍ بعيدة.
    وكان شقيق رُبَّان السفينة يعمل بُستانيَّاً في حديقة قصر الملك، فقرر أن يصنع معروفاً في هَزَارْ ويرد له الجميل، فأمسكه من يده وسلمه لشقيقه البُستَانِي، وقَال له:
  • دعه يعمل معك هنا ويتعلّم منك مهنة البستنة، فاسمح له بالعمل هنا في حديقة القصر.
    وافق البُستَانِي على الفور، وسمح لهَزَارْ بالعمل معه. ولما كان هَزَارْ نشيطاً وذكيَّاً فهم طبيعة العمل بسرعة. وابتدأ يهتم بنباتات الحديقة، ويراعي الزهور، والأشجار المُثمرة، وكل شيء. ومع مرور الوقت اكتسب خبرةً كبيرةً لدرجة أن البُستَانِي قَال له:
  • سأتحدث مع الملك عن أدائك، وسأطلب منه أن يوظفك بشكل رسمي، ويمنحك راتباً شهريَّاً.
    في يوم من الأيام كان هَزَارْ يعمل في الحديقة وينظف شجرة، فيقطع منها الأعشاب الضارة والفروع الجافة، سمع حمامتين تتكلمان. قَالت إحداهُما للثانية:
  • بالأمس جاءت امرأة وحفرت تحت هذه الشجرة، وأخفت فيها شيئاً، وقد أقلق ذلك منام فراخي، فلم يستطيعوا أن يناموا.
  • وهل تعرفين هذه المرأة؟
  • نعم، فهي واحدة من خدم القصر.
    وبعد أن طارتا، ذهب هَزَارْ وحفر تحت الشجرة، فوجد مزهرية كان يبين من شكلها أنها غاليةٌ جداً. فعرف هَزَارْ أن هناك لص يسرق أغراض الملك، وأن هناك مؤامرةً تحاك ضده، فأخذ تلك الآنية، وقَال:
  • لو أخبرت البُستَانِي، فلن يصدق كلامي، وسيقول إنني أنا اللص، وأنا هو من يسرق أغراض الملك.
    فقرر ألا يخبره، وأن يتصرف لوحده. وطبعاً كان هَزَارْ قد ندم وتاب بعد أن أخبر أهله، أمه وأبيه، بأنه يفهم لغة الطِيُوْر، وقد كانت النتيجة إنهم أنزلوه في القارب في عرض البحر وتركوه وذهبوا.
    ونظر هَزَارْ للآنية، فوجد بداخلها رسالةً من الملك لواحدة من جواري القصر. فلما اطلّع على الرسالة اكتشف إن الملك يستخدم هذه المزهرية كوسيلة مراسَلة بينه وبين إحدى جواري القصر، ويحددوا في الرسائل مواعيداً يتقابلان فيها، ومكان اللقاء بعيداً عن الناس ودون أن يعرف سرهما أحد.
    أخذ هَزَارْ الآنية وفيها الرسالة، ودخل بهو القصر باعتبار أنه يُريد أن يوزع زهوراً فيه، ودون أن يلفت الانتباه وضع الآنية وانصرف.
    كان الملك قلقاً على مصير تلك المزهريَّة، وأين ذهبت. لقيمتها أولاً، ولسرية الرسالة الموضوعة بداخلها ثانياً، وخاف خوفاً شديداً من أن تقع رسالته لعشيقته الجارية في يدِ واحدٍ من الحاشية، فيحملها وينشرها وسط الناس، كأن يذهب بها وسط السوق، مثلاً، فينتشر الخبرُ بين الرعية ويفقد هُوَ هَيبَته عندهم.
    وتفاجأ الملك بوجود الزهريَّة، خصوصاً بعد أن وجد رسالته موجودة بداخلها، وطبعاً استغرب جداً، لكنه اطمأن وحمد الله وأخذ الرسالة. وتساءل بينه وبين نفسه:
  • كيف رجعت الآنية؟
    خصوصاً وأنه قد هدد وقَال إنه لن يرحم من عبث بها، ولو عرفه فسيقطع رأسه. واستغرب من السرعة التي أرجع فيها السارق الآنية بالذات.
    بعد عُدة أيامٍ خلع الملك خاتمه ووضعه فوق طَرَابِيزة كانت في بهو القصر، وجاء طائرٌ خطف الخاتم وطار. وكان هَزَارْ يعمل في الحديقة منهمكاً في أداء مهامه، فسمع الطائر يتكلم مع طائر آخر، قَال ليه:
  • لقد سرقت خاتم الملك، وإنت تعرف أنني أحب الأشياء اللامعة، أخذته لكي أُزيِّن به عُشِّي.
    لحسن الحظ الطائر كان عش هذا الطائر في شجرة من أشجار حديقة القصر. وبمجرَّد أن غادر الطائر وطار تسلق هَزَارْ الشجرة وأخذ الخاتم من العش ووضعه في جيبه. وقَال لنفسه: يجب أن أجد طريقة لإرجاع الخاتم، لكن إين سيرجعه؟ وأين سيضعه؟ وكانت هذه مشكلة طبعاً، لكنه توكل على الله، ومرةً أخرى دخل إلى بهو القصر، مدعياً أنه يقوم بالاعتناء بالزهور، يأخذ الذابلة ويضع مكانها أخرى يانعة. في الأثناء التقى بطباخ الملك وهو يحمل لسيده طعاماً، وبهدوءٍ وحرصٍ شديدين وضع الخاتم وسط خبز الملك.
    وقدم الطباخ طعام الفطور للملك، وكانت الملكة جالسة بجواره لتفطر معه. وفي أثناء الفطور وجد الملك شيئاً صلباً في فمه، فصاح:
  • ما الذي يقدِّمه لنا هذا الطباخ المُهْمِل؟
    وأخرج الشيء الصلب من فمه، فإذا به يرى خاتمه، فزاد استغرابه وقَال:
  • أنا أفقد أغراضي ثم ترجع وتعود لي فألقاها! فمن المؤكد أن هناك سر وراء اختفائها ورجوعها، هناك أمر أريد أن أفهم ما هو.
    وخرج إلى الحديقة، وهناك رمى قِلادَةً ذهبيَّة غاليةً على أرضيَّة الحديقة، ثم دخل إلى مجلسه.
    في هذه الأثناء كان هَزَارْ يؤدي عمله في رعاية أشجار الحديقة كالمعتاد، فرأى شيئاً يلمع واقعاً على الأرض. تقدم نحوه ليلتقطه ويعرف ما هو، ولكنه قبل أن ينحني على الأرض سمع غرابين تكلمان. قَال أحدهما للثاني:
  • لقد نصبَ الملكُ كميناً اليوم، لأنه يُريد أن يقبِض على الشخص الذي يتلاعب بأغراضه فيسرقها ثم يعيدها.
    تراجع هَزَارْ على الفور، وترك القلادة في مكانها، فلم يقرب ناحيتها أو يلمسها. وظلت مرمية في الأرض لثلاثة أيام، لم يقترب منها أحد. بعد هذه الأيام الثلاثة رجع الملك فوجدها حيثُ تركها، فالتقطها وقَال:
  • قد تكون صُدفةً! وقد لا تكون…
    المهم، أخذ قلادته تلك، ودخل إلى القصر بعد أن قرَّر أن ينسى الأمر.
    ولحب هَزَارْ للطيور والعصافير وتعلقه بها ومعرفته بلغاتها وأنواعها، بدأت الطِيُوْر تتجمع حوله يعني في الحديقة. يتخاطبون معه، ويتكلمون إليه، وكان هو يسقيها ويطعمها. فكانت أجواء الحديقة بديعة جداً ورائعة.
    ابنة الملك (الأميرة نُور)، رأت هذا المنظر من شُرفة غرفتها، والطيور تحيط بالشاب الوسيم (هَزَارْ)، ولكنها لم تكن تعرفه وليس لديها أدنى فكرة عنه. نزلت مع والدتها الملكة يسيران في الحديقة، فوقفت الأميرة مع البُستَانِي وسألته:
  • من هو هذا الشاب؟
  • هذا أجيرٌ جديد عَيَّناهُ عندنا هنا في حديقة القصر ليعمل مع البُستَانِي في تشذيب الأشجار.
    لاحظت الأميرة نُور للطِيُوْر حوله، وللزهور الجميلة، وكيف أنه يعتني بالحديقة، فصارت تنزل يومياً للحديقة وتتكلم معه، إلى أن نشأت بينهما عاطفةٌ تحوَّلت بعد وقتٍ قصيرٍ إلى حب، وصارت الأميرة تقضي جُل وقتها مع هَزَارْ في الحديقة.
    في يوم من الأيام خرج الملك إلى البحر، وصادَ هناك أربع بطات كانت ألوانها جميلةً وشكلها مختلف عن البط العادي، وأحضرها معه للقصر. ووضع ثلاثةً منها قفص بحديقة القصر، وأعطى الطباخ الرابعة، وقَال له:
  • أطبخ لي هذه البطة لوجبة الغداء.
    وقام الطباخ بذبح البَطَّة، وطبخها ليعد منها وجبة الغداء للملك، وقدمها له فأكلها كلها. ولكن ما أن أكل الملك هذه البطة حتى مرض مرضاً شديداً بسبب غير معروف. ولم ينفعه أي دواء ولم يجدوا له أي علاج، وتعب تعباً شديداً وكانت حالته تسوء وصحته تتدهور في كل يوم. وأحضروا له الأطباء والحكماء والعشابين، لكنهم فشلوا جميعاً في أن يجدوا علاجاً ناجعاً للملك. ولكن هَزَارْ في أثناء شغله في الحديقة، سمع البطات الثلاثة يتكلمن. وقالت الأولى:
  • الملك يستحق ما جرى له، لأنه أكل لحمنا المُر وهو يعرف أنه لا يصلح للأكل. لهذا السبب فقد مرض، وعلاجه في زهرة البنفسج، ولن يستطيع أن يحضرها له أحد، ولن يقدر كائن من كان أن يعرف أين مكانها.
    وجاء هَزَارْ للثلاث لبطات وقَال لهن:
  • أن أخبرتنني بمكان زهرة البنفسج وأين توجد فأنا مستعد أن أبحث عنها وأحضرها. وفي هذه الحالة أوعدكن بأنني سأطلق سراحكن.
  • خلاص، أخرجنا من هذا القفص، ونحن سنقودك إلى مكانها، وهو أصلاً عند شاطئ البحر. نحن نطير وإلى هناك وأنت تتبعنا وتسير وراءنا إلى أن نصل عندها.
    فعلاً أطلق سراحهن وطِرْن، وسار هو خلفهن إلى أن وصلوا، فأروه عشبة زهرة البنفسج. قطفها وعاد بها إلى القصر، ودخل إلى غرفته الملحقة بالحديقة. وغلى الزهرة في الماء إلى أن أخرجت خلاصة رحيقها، فصبه في قارورة ليذهب بها إلى الملك.
    في الطريق سأل نفسه: كيف سيوصلها. لو أعطاها لشخص آخر فلن يثق في كلامه ويوصلها ليشربها لملك. إذن لابد أن يضعها بطريقة خاصة بحيث يجدها الملك ويشربها دون أن يثير ذلك أي شكوك عنده، أو عند أي أحدٍ غيره.
    ووجد هَزَارْ ملابس الطباخين منشورةً في حبل الغسيل، فقَال: أختار منها ما يُناسبني.
    ودخل المطبخ في هيئة الطباخين. وكلهم كانوا مشغولين لذلك لم ينتبه له أي واحدٍ منهم. ورأى حلة الحساء وهي تغلي، فصب فيها خلاصةَ رحيق زهرة البنفسج، وعندما هم بالخروج أمسك به كبير الطباخين من رقبته، وقَال له:
  • تعال! من أنت؟ وماذا كنت تفعل هنا في المطبخ؟
  • لم أفعل شيئاً.
  • لا! بل قمت بأمرٍ ما… من أين أتيت أصلاً؟
    وسلمه للحراس وشكاه عندهم، فأدخلوه في سجن القصر.
    وأرسل كبير الطباخين واحدة من الخدم لتحمل الطعام للملك، فقدمت له الحساء. فقَال لها:
  • لا أريد أن أتناول شيئاً ولا أقدر آكل، منذ اليوم الذي أكلت فيه البطة لم يريحني أي طعام.
    فترجته أن يأكل وحمسته ليقبِل على الطعام. قَالت له:
  • أرأيت؟ إن رائحتها شهية وشكلها جميل، فتذوقها.
    ويبدو أن الملك كان مغرماً بجنس النساء، فقال لها:
  • فقط لأجل عينيك الجميلتين.
    وتناول الحساء وشرب منه. وبمجرد أن شرب الملعقة الأولى استطاب طعمه وأعجبه، وأحسّ بأنها قد أراحته. وعندما أنهى شرب الحساء شعر بأنه صار على أحسن حال وأنه شُفي تماماً من كل الآلام والأوجاع التي كان يحس بها.، فسأل الخادم:
  • ماذا وضعتم في هذا الحساء؟ ما هو العلاج الناجع الذي أضفتموه؟
    فأجابته بأنها لا تعرف شيئاً، وإن الأكل يعده كبير الطباخين، وإن مهمتها أن توصله إليه فقط. فطلب منه أن تُنادي له كبير الطباخين، وعندما ذهبت إليه وأخبرته أن الملك يطلبه، خاف وأرتبك لأنه لم يكن يعرف لماذا استدعاه الملك. وعندما مَثُل أمام الملك، سأله وقَال له:
  • ماذا وضعت في طعامي؟ ما هي الوصفة أو العشبة التي وضعتها لي في الحساء، وجعلتني أطيب وأبلغ تمام العافية؟
  • أنا لم أضع شيئاً!
  • لا إنت وضعت علاجاً، وسأمهلك حتى الغد، لو لم تخبرني ماذا وضعت في هذا الحساء فسأقطع رأسك.
    تذكر كبير الطباخين الولد الذي التقاه وهو داخل إلى المطبخ، فذهب إليه في سجنه وسأله. قَال له:
  • أنت جئت المطبخ، ووضعت شيئاً في حساء الملك، أخبرني بهذا الشيء وسأطلق سراحك.
  • لقد وضعت رحيق زهرة البنفسج في القِدر، وأنا عارف أنه سيشفي الملك، ولو كنت أعطيته لكم وطلبت منكم أن تضعوه أنتم في الحساء لما صدقتكم كلامي واستجبتم لي، لذلك قمت بوضعه بنفسي دون أن تنتبهوا.
    فأطلق كبير الطبّاخين سراح هَزَارْ، وفي اليوم التالي ذهب للملك وقَال له:
  • أنا وضعت لك رحيق عُشبة زهرة البنفسج في حسائك.
    فأثنى عليه الملك، وشكره وأهداه مكافأة قيِّمة.
    بعد فترة لاحظ الملك أن الأميرة نُور كلما تنزل للحديقة تجلس مع وتحادثه، وتضحك معه، ولاحظ عليها أنها تكون مرتاحة وفرحانة جدا راجعة منه، فانتبه الملك لأن بنته قد أُعجبت بهذا الجَنَاينِي . ولكن لم ترضه هذه المسألة ولم تعجبه. وخاف من أن يتطور الأمر فيأتي الولد ويطلبها للزواج. وهو الملك ليس عنده أولاد غير بنته نُور، فيرثه الولد ويصير هو الملك، وكلام من هذا النوع. كل هذه الأفكار دارت في ذهنه، فقرر أن يبعد هذا الولد من الحديقة على أساس ألا تتعلق به بنته الأميرة نُور أكثر من هذا. وتناقش مع الملكة، وقَال لها:
  • أنا ألاحظ أن نُور صارت تنزل دائماً إلى الحديقة وتتكلم مع ذلك الشاب الذي يعمل فيها. وأخاف أن يتطور بينهما الأمر، لذا أريد أن أزوجها لابن عمها، حتى نضمن أن الملك سيستمر داخل الأسرة. فوافقته الملكة الأم، وطلبت منه أن يستشير الأميرة نُور ليعرف رأيَها.
    وقبل أن يقوم بهذه الخطوة، نادى الجنائني وقَال له:
  • أريد منك أن تذهب بهَزَارْ هذا إلى منطقة (دَوْحَة التُّفَاح)، اذهب به ليشتغل هناك.
    ولم يستطع لا الجنايني ولا هَزَارْ الاعتراض على أمر الملك، فنفذاه صَاغِرَين، وأخذ هَزَارْ أغراضه وملابسه وذهب إلى (دوحة التفاح).
    افتقدته الأميرة طبعاً، وفي كل يوم تنزل الحديقة لا تجده، تبحث حيث كان يجلس، ولكن لا أثر. حتى العصافير هجرت الحديقة، ولا تجيء حتى عصفورة واحدة. فاستغربت الأميرة استغراباً شديداً من غيابه، وسألت الجنايني:
  • أين ذهب هَزَارْ؟
  • لقد نقله الملك إلى دَوْحَة التُّفَّاح.
    رجعت، ولكنها افتقدته بشدة حتى أنها مرضت، وبعد فترة أبت أن تأكل، وامتنعت عن الضحك، وصارت لا تنزل إلى الحديقة، وساءت حالتها وصارت حزينةً ومكتئبة. فنادى أبوها على الطبّاخ، وقَال له:
  • الأميرة مريضة، فالتحضر لها شيئاً تعالجها به.
    وأُسقِطَ في يد الطبّاخ ولم يعرف ماذا يفعل، لأن علاج الملك كان بسبب هَزَارْ، وليس بسببه، ولكنه خدع الملك بحيث اعتبر أنه هو من عالجه فكافأه، لن يستطع إذن أن يقول للملك: (أنا لا أعرف كيف أعالجها، أو ليس عندي لها علاج). ولم يكن أمامه حلاً سوى أن يعترف للملك بالحقيقة، فقال له:
  • والله، أنا أصلاً لم أكن سبباً في علاجك الأول، وإنما كان الجنايني هَزَارْ هو من عالجك، وهو من أحضر عشبة زهرة البنفسج، ووضعها في الحساء، وأنا، والله، ليست لدي أي معرفة أو علاقة بالأعشاب، ولا أفهم فيها ولن أعرف كيف أعالج الأميرة.
  • خلاص، اذهبوا واحضروا لي هَزَارْ.
    فذهب الجنايني لهَزَارْ في دوحة التفاح وقَال له:
  • الملك يطلبك.
  • لا، لن أذهب طالما استبعدني من حديقته. وأنا هنا مرتاح ولا أريد أي شيءٍ آخر.
  • لقد مرضت الأميرة وتعبت تعباً بعد أن غادرت، ودخلت في حالةٍ من الحزن الاكتئاب، ولا يعرف أحد علاجها. والملك قال إنك أنت من سيعالجها لأن الطباخ أخبره بأنك أتيت له بزهرة البنفسج، وإنك أنت من عالجه، فأمر بأن تأتي لتعالج الأميرة.
    هَزَارْ عندما سمع سيرة الأميرة وعرف أنها مريضة، وافق على الذهاب وقال للجنايني:
  • خلاص، فلنذهب إلى هناك.
    وجاء هَزَارْ راجعاً فعلاً، وما أن وصل حتى عادت كل الطِيُوْر والعصافير وتجمعت حوله، ووقف تحت شرفة الأميرة، فرأت الأميرة العصافير من نافذتها، تُصَوْصِوْ وتُصَوْصِوْ ، قَالت لهم:
  • أين هَزَارْ؟ أين ذهب؟ أريد هَزَارْ.
    فرد عليها هو وقَال لها:
  • أنا هنا، بجوارك!
    ولما رأته لم تصدق في البداية، ثم عادت لها الحياة، ونهضت من وكعتها، وأخذت تتكلم معه:
  • أين ذهبت يا هَزَارْ؟
    وسألها هو عن أحوالها وأخبارها.
    من بعيد رأى الملك هذا المنظر، فانفعل وسالت دموعه وقَال لهما:
  • خلاص، لن أحرمكماً، طالما أنتما تحبان بعضكما بعضاً فأنا أوافق على زواجكما.
    أرسلوا وأعلنوا في الأسواق إنه يوم الجمعة هو يوم زواج الأميرة نُور من الشاب هَزَارْ. وأقاموا الاحتفالات والليالي الملاح وعمَّت الأفراح. وكانت أياما مشهودة لم يشهد الناس مثيلاً لها، وزُفّت الأميرة للشاب هَزَارْ، وعاش معهم في القصر.
    وبعد زمن، أحس الملك بأنه كبر في السن، وتقدم به العمر، وشعر بالتعب والإرهاق، فقَال لهَزَارْ:
  • ياخي، لقد وصلت مرحلة لا أقدر فيها على إدارة شؤون البلاد، وسأنصبك ملكاً تستلم الحكم في البلاد، فتكون أنت ملك البحار وتدينُ لك ممالك السهول والجبال.
    الحقيقة أن ثقة الملك (أبو نور) في هَزَارْ لم تأتِ من فراغ، فهزر فعلاً قدم خدمات جليلة للمملكة، وقام بأعمال كثيرة، وزرع أنواع مختلفة من الحبوب بطريقة متميزة، فحصد الناس لأول مرة محاصيل بالكميات لم يحصدوا مثلها من قبل. ممالك الجبال والسهول وكل الناس كانت تشتري منها. والناس كانوا فرحين بهَزَارْ ده وراضين عنه. وصار ملكاً عادلاً ومتواضعاً يهتم بشؤونهم، وقريب منهم. وعلى ذلك سارت الحياة.
    في يوم من الأيام كان موكب الملك هَزَارْ يسير في الطريق، فجأةً رأي هَزَارْ راجلاً مسناً يكنس في الأرض. وحاول الحرَّاس أن يبعدوه ليوسّعوا الطريق للموكب، فأوقف الملك العربة ونزل، ولم يكن راضياً عما فعله الحُرَّاس، فعنفهم وقال لهم:
  • لماذا أذيتم هذا المسن؟ دعوه يواصل عمله.
    فرفع الرجل رأسه ليعتذر للملك، فمن كان؟
    كان المسن هو أبوه (سبحان الله!)، ولكن أباه لم يعرفه، أما هَزَارْ فقد عرف إن هذا الرجل هو أبوه. فسلم عليه وقَال له:
  • أهذا أنت يا أبي؟ ما الذي أتى بك إلى هنا؟ وماذا تفعل ولماذا؟ أين تجارتك؟ وأين أموالك؟
  • مشتاقين لك والله، وندمنا على ما عملناه معك. نحن والله منذ غادرتنا تدهورت حالتنا، وساءت أحوالنا، وفقدت تجارتي وضاعت أموالي.
  • وأين أمي؟
  • أمك موجودة، ونحن نعيش في كوخٍ بائس في طرف المملكة.
    وأمر هَزَارْ باحضار والديه، وأسكنهما في جناح بقصره الملكي، حيث عاشا مع هَزَارْ وزوجته نور سعيدين بهما.
    وبذلك تحققت رؤيا الطائر الرَّمَادِي، طائر هَزَارْ الـذي قَال:
  • تمر الشهور والأيام ويصير الفتى هَزَارْ أميراً في مملكة البحار، تدين له ممالك السهول والجبال.

انتهت الحكاية.

amsidahmed@outlook.com

Author
عادل سيد احمد

عادل سيد احمد

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
راحت عليك يا ســعادة رئيس الوزراء!! .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين
منشورات غير مصنفة
كلما أوقدوا ناراً للفتنة .. بقلم: عزيزة عبد الفتاح محمود
الإيقاد: يوم لم يلتق جنرالا السودان وجهاً لوجه (1-2).
الأخبار
السودان يحتل المرتبة 138 من أصل 143 دولة في مؤشر سيادة القانون الصادر عن مشروع العدالة العالمي WJP
نصر الدين غطاس
الكومبارس والهامش والطبال والسير في ليل معتم..!! بقلم: نصر الدين غطاس

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

وجهة نظر غربية: الحصاد المر للربيع العربي (4-4) .. عرض وتقديم فادية فضة ود. حامد فضل الله

د. حامد فضل الله
منبر الرأي

مشروع الجزيرة هو بوابة العبور “الاخيرة” نحو تفكك الدولة السودانية!!!. بقلم: صديق عبد الهادي

صديق عبد الهادي
منبر الرأي

سرقة الثورة: حقيقة أم فوبيا! (ومن مآمنه يؤتى الحذر) .. بقلم: الفاضل عباس محمد علي

الفاضل عباس محمد علي
منبر الرأي

ملحمة الجالية الانتقالية في تجديد جوازات ثلاثة الاف سوداني بالمنطقة الشرقية – الدمام .. إعداد / محمد صلاح مختا/السكرتير الإعلامي للجالية الانتقالية

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss