قراءة في الواقع السوداني من زاوية المواطن العادي… لا السياسي

زهير عثمان

في بلد تتكاثر فيه التحليلات السياسية، وتتصارع فيه الروايات، وتتنافس القوى على شرح ما يحدث…
ربما نحتاج إلى صوتٍ أبسط من كل ذلك
صوت مواطن لا يبحث عن سلطة، ولا يدافع عن بندقية، ولا ينتظر نصيبًا من الغنيمة
مواطن عادي، لكنه – للمفارقة – يرى ما لا يراه السياسيون
هذا المواطن لا يسأل من يحكم؟
بل يسأل سؤال واقعي هو لماذا لا تتوقف الحرب؟
لا يهتم بمن انتصر، بل بمن بقي حيًا
ولا ينشغل بخريطة التحالفات، بل بخريطة الخبز والدواء والماء
من هذا المنظور البسيط، نحاول أن نتخيل المستقبل السياسي في السودان – ليس كما تريده القوى، بل كما قد يفرضه الواقع
أولاً أري أن المواطن يراقب الإقليم
يقول هذا المواطن لنفسه , “لماذا يسافر قادتي أكثر مما يجلسون معي؟
لماذا أرى وفودًا تخرج إلى جدة، وإلى جيبوتي، وإلى نيروبي، ثم تعود خالية اليدين؟
هل الحل في الخارج؟ أم أنا من صار خارج الحل؟”

يسأل المواطن حين يجتمع الكبار في قصر الرئاسة ببورتسودان، أو في فيلا بالرياض، أو في غرفة مغلقة بأديس أبابا…
هل يتذكر أحدهم أن خلف الباب ملايين لا يملكون رغيف خبز؟

يراقب المواطن تحركات الوساطات، ويسمع كلمة “إجماع دولي”، ثم ينظر إلى جاره الذي نزح للمرة الثالثة
فيقرر أن الإقليم كله يتحدث بالسودان، لكن السوداني لا يتحدث مع أحد
كل طرف خارجي يتحدث عن السلام… لكن بصيغة تخدم مصالحه

المواطن يرى فشل الحلول
يسأل المواطن بسذاجة مُحرجة , “إذا كانوا يريدون حقًا وقف الحرب… لماذا لم تتوقف؟”
لقد سمع عن منصة جدة , وعن وساطة إيغاد , وعن مبادرات سلام لا تُحصى
لكنه يرى بأم عينيه أن كل “وقف إطلاق نار” هو مجرد استراحة محارب
لماذا؟
لأن من يجلسون على طاولة التفاوض، حسب فهمه البسيط، هم أنفسهم من يمسكون بالبنادق
فكيف تتفاوض البندقية مع البندقية على إسكات صوتها؟

يرى المواطن أن القادة يتحدثون عن “ترتيبات أمنية معقدة”، وهو لا يفهم منها شيئًا
لكنه يفهم أن طفله لم يذهب إلى المدرسة منذ عام
يفهم أن المستشفى الوحيد في مدينته قصف
يفهم أن سعر الدواء أصبح يساوي راتب ثلاثة أشهر
ربما المشكلة، كما يراها هذا المواطن البسيط، ليست في تعقيد الحل… بل في بساطة النوايا

حقيقة المواطن يشك في السياسيين
يقول المواطن , “كل مرة يقولون لي: هذه مرحلة انتقالية. إلى أين أنتقل؟
مرة إلى حكومة كفاءات، ومرة إلى مجلس سيادي، ومرة إلى دستور مؤقت…
أنا لم أنتقل إلا من خط الفقر إلى خط المجاعة”
يتذكر المواطن وعود 2019. ويتذكر وعود 2021. ويتذكر كل لحظة قال له فيها سياسي: “اصبر، الغد أفضل”
لكن الغد لم يأتِ أبدًا , وجاءت الحرب بدلًا منه
لا يريد المواطن أن يحاكم أحدًا. لكنه يتساءل , “لماذا عندما يتحدث السياسيون عن المستقبل، لا أسمع فيه صوتي؟
لماذا كل خططهم لا تبدأ بـ’سنوقف الحرب أولاً’، بل تبدأ بـ’سنوزع المناصب ثانيًا’؟”
ربما هذا هو الفرق الجوهري، كما يفهمه المواطن -السياسي مشغول بـ”بعد الحرب”
والمواطن لا يعرف إن كان سيعيش حتى “بعد الغد”

كيف المواطن يرى الإسلاميين وغيرهم
يقول المواطن، وهو يتابع المشهد بحيرة , “لماذا يعود نفس الأشخاص بأسماء جديدة؟
ألم أقل لكم من قبل: تغيير اللافتة لا يغير صاحب المحل؟”
يرى المواطن أن بعض الوجوه التي ظن أنها رحلت مع النظام القديم، عادت من أبواب جديدة وهي مستشارين. خبراء. أمناء عامين رجال ظل
وهو لا يملك دليلًا، لكنه يملك ذاكرة
لا يهم المواطن إن كان التيار “إسلاميًا” أو “علمانيًا” أو “عسكريًا”.
ما يهمه: هل تسببت هذه الوجوه في خراب سابق؟ إذا كان الجواب نعم، فلماذا نعيد التجربة؟
يقول المواطن بمنطقه الجاف , “لو كنت طبيبًا فاشلًا، لن يعيدني أحد إلى غرفة العمليات
لكن في السياسة، الفشل يبدو مؤهلاً للعودة!”
المواطن يتخيل المستقبل في واقعية صادمة , أنه لا يطلب المواطن المستحيل ولاو لا يطلب جنة على الأرض
لا يطلب دولة تليق بالملائكة
لكنه يتخيل مستقبلًا بسيطًا جدًا هو في المجمل يومًا لا تُقطع فيه الكهرباء إلا نادرًا , شارعًا لا يحتاج إلى حواجز عسكرية لتعبره.
مستشفى لا يُقصف , مدرسة لا تتحول إلى ثكنة وحكومة لا تسأله لمن صوت؟ ، بل تسأله ماذا تحتاج؟

يتساءل المواطن دوما , “هل سيأتي يوم نرى فيه دولة؟ أم سنظل أسرى حكومات مؤقتة تحكمنا مؤقتًا… إلى الأبد؟”
يرى المواطن أن كل التسويات السياسية المطروحة اليوم تتحدث عن “السلطة” كأنها كعكة تُقسم.
لكن السلعة الحقيقية التي يريدها هي “الاستقرار”, ويري ـنه هو سلعة لا تُقسم

المنطق البسيط الذي يُقلق الجميع
المشكلة في السودان ليست أن السياسيين لا يعرفون الحل , المشكلة أن المواطن لم يعد يصدقهم
ولذلك، ربما لا يبدأ المستقبل من اتفاق جديد , وربما يبدأ من لحظة يستعيد فيها هذا المواطن حقه في السؤال
ليس السؤال التقليدي “من يحكم؟” , بل الأسئلة الأبسط والأكثر إزعاجًا هي لماذا يحكم؟ وكيف يحكم؟
ولأي غرض يحكم؟
حينها فقط، قد يصبح الخيال البسيط لمواطن صالح و أقرب إلى الحقيقة , من كل خطط السياسة المعقدة
لأن السياسة، في النهاية، لا تُصنع في القصور ولا في غرف التفاوض المغلقة
تُصنع في لحظة يقرر فيها مواطن عادي، لا يملك سوى المنطق، أن يرفع صوته, بسؤال واحد فقط , “لماذا لم تتوقف الحرب بعد؟”
لأن السؤال الذي لا يجد إجابة… قد يتحول يومًا إلى موقف.

zuhair.osman@aol.com

عن زهير عثمان حمد

زهير عثمان حمد

شاهد أيضاً

دون عينيك لا وطن- تأملات في قصيدة حميد

بقلم: زهير عثمانفي إحدى أمسيات منتدى الدكتورة هند الحكيم، حيث تتلاقى القراءات الشاعرة وتنفتح الآفاق …