زهير عثمان
في كتابه الجديد (أن تكون سودانيًا- تجليات تاسيتي أرض الأقواس في فضاءات الحداثة)، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عام 2026، يعود عبد الوهاب الأفندي إلى واحد من أكثر الأسئلة إثارة للجدل في التاريخ السوداني: ماذا يعني أن تكون سودانيًا؟- لا يبحث الكتاب عن إجابة تختزل السودان في ثنائية عربي/أفريقي، وإنما يتتبع تاريخ تشكّل الهوية السودانية، ويرى فيها حصيلة تفاعل طويل بين الاستمرارية والتحول والمؤثرات الداخلية والخارجية , وفي قراءة الأستاذ , حمد إبراهيم أبو شوك للكتاب، يبرز هذا الانتقال من سؤال (أصل الهوية) إلى سؤال (كيف تشكلت؟) , وهي قراءة تفتح بابًا واسعًا للتأمل، لكنني أعتقد أن السؤال لا ينبغي أن يتوقف عند التاريخ والثقافة؛ فالحرب السودانية أعادت الهوية إلى قلب السياسة، حيث أصبح تعريف السوداني لا يتعلق بالانتماء وحده، بل بالمواطنة والسلطة والاعتراف وحق الآخرين في أن يكونوا سودانيين كاملين
من هنا تبدأ هذه القراءة – ليس للبحث عن هوية سودانية نقية، وإنما للسؤال عن السودانية التي يمكن أن تتسع لنا جميعًا
أن تكون سودانياً – من سؤال أصل الهوية إلى سؤال تشكّلها
هل نستطيع بناء سودانية لا تحتاج إلى إلغاء سودانية الآخرين لكي تثبت نفسها؟ , هذا بالضبط هو الأفق الذي يفتحه كتاب عبد الوهاب الأفندي «أن تكون سودانياً: تجليات تاسيتي أرض الأقواس في فضاءات الحداثة» الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وهو الأفق الذي ينبغي أن يدفعه النقد أبعد مما ذهب إليه الكتاب نفسه، وأبعد مما توقفت عنده قراءة الأستاذ أحمد إبراهيم أبو شوك
إذا كانت قراءة أبو شوك تنجح في تفكيك المنهج التاريخي للكتاب وتوضيح سيرورة تشكل الهوية السودانية، فإن اللحظة السياسية الراهنة تحتم علينا أخذ هذا النقاش الأكاديمي إلى مساحة أشد وعورة- مساحة السلطة والسياسة، حيث لا تعود الهوية مجرد موضوع للتاريخ، وإنما تصبح سؤالاً عن المواطنة والحقوق والاعتراف ومن يملك حق تعريف الوطن.
ينتمي كتاب الأفندي إلى حقل الدراسات التاريخية والفكرية حول الهوية السودانية، لكنه يرفض التعامل معها بوصفها تعريفاً ثابتاً أو جوهراً مكتملاً، كما لا يحصرها في الثنائية التقليدية التي تختزل السؤال في: هل السودان عربي أم أفريقي؟ بل ينقل السؤال إلى منطقة أكثر تعقيداً- ماذا يعني أن تكون سودانياً؟ وكيف تشكل هذا المعنى تاريخياً؟
الهوية عنده حصيلة عملية تراكمية من التفاعل والاستيعاب وإعادة الإنتاج المحلي للمؤثرات الخارجية، منذ تاسيتي مروراً بسنار والتصوف والمهدية والاستعمار والحركة الوطنية. ومنهجه انتقائي؛ يعتمد على مقاطع زمنية وشخصيات ونصوص بوصفها نوافذ كاشفة لتحولات الهوية، ليصبح الكتاب أقرب إلى تاريخ تحليلي للوعي السوداني بذاته منه إلى سرد سياسي تقليدي لتاريخ السودان
وتقوم أطروحته المركزية على فكرة يمكن تلخيصها في عبارة- الاستمرارية في ظل التحول , فالمجتمع السوداني، في هذه القراءة، لم يكن مجرد جسر عبرت من خلاله المؤثرات المصرية والعربية والإسلامية إلى أفريقيا، كما لم يكن مجتمعاً مغلقاً حافظ على نقائه بعيداً عن العالم. لقد امتلك قدرة على استقبال المؤثرات الخارجية وإعادة تشكيلها وفق شروطه المحلية , ومن هنا فإن تأثير العوامل الداخلية في تشكيل الهوية كان، في كثير من الأحيان، أقوى من تأثير العوامل الوافدة , وتتقاطع هذه الرؤية مع ما نجده عند ويليام آدامز وجي سبولدينغ ويوسف فضل حسن؛ فآدامز يميل إلى تأكيد استمرارية البنية السكانية والثقافية في تاريخ النوبة، بينما يربط سبولدينغ تحولات سلطنة الفونج بعوامل اقتصادية واجتماعية داخلية أكثر من ربطها بالهجرات الواسعة، ويرى يوسف فضل حسن أن السودان لم يكن مجرد جسر للثقافة العربية والإسلامية، بل كان له تكوينه التاريخي الخاص، الذي تأثر بالوافدين وأثر فيهم في الوقت نفسه , وهنا تصبح «الاستمرارية في ظل التحول» مفتاحاً مهماً لفهم التاريخ السوداني. فالاستمرارية لا تعني الجمود، كما أن التحول لا يعني القطيعة الكاملة مع الماضي. الهوية تتغير، لكنها لا تفقد بالضرورة جميع عناصر استمراريتها؛ وتستقبل عناصر جديدة، ثم تعيد إنتاجها داخل نسيجها الاجتماعي والثقافي
ومن هذه الزاوية ينتقل النقاش من سؤال (ما أصل السوداني؟) إلى سؤال أكثر أهمية: كيف أصبح سودانياً؟
لكن هنا تحديداً يبدأ السؤال النقدي, هل كان هذا الاستيعاب دائماً عملية متكافئة وطوعية؟ , الثقافات لا تتفاعل دائماً وهي تقف على أرض متساوية. هناك سلطة ومركز وهامش ودولة ولغة ودين ومؤسسات، وهناك جماعات تمتلك قدرة أكبر على فرض تعريفاتها على الآخرين، وجماعات أخرى تجد نفسها مضطرة إلى التكيف مع تعريفات لم تشارك بالضرورة في إنتاجها , فالحديث عن الهوية بوصفها «عملية تلاقح تاريخية مستدامة» يصف حركة التفاعل، لكنه لا يكفي وحده لتفسير شروط هذه الحركة. من كان يملك شروط الاستيعاب؟ ومن كان يملك سلطة تحديد ما الذي يصبح جزءاً من الثقافة العامة، وما الذي يبقى في الهامش؟
هذه الأسئلة ضرورية لأن الاستيعاب الثقافي لا يحدث دائماً بعيداً عن علاقات القوة , فالمركز النيلي لم يكن مجرد مركز جغرافي؛ لقد أصبح عبر مراحل تاريخية مختلفة مركزاً سياسياً وإدارياً وثقافياً. واللغة العربية لم تكن مجرد لغة تواصل، بل أصبحت في مراحل معينة لغة الدولة والتعليم والإدارة. والإسلام لم يكن مجرد تجربة دينية بين تجارب أخرى، وإنما ارتبط في مراحل تاريخية بمؤسسات السلطة والتعليم والمجتمع , وفي المقابل، عاشت مناطق وجماعات أخرى تاريخها وشروطها الخاصة، من الجنوب إلى الغرب والشرق وجبال النوبة، ومن المجتمعات النيلية إلى الفور والبجا والنوبا وغيرهم.
لذلك فإن الاعتراف بالطابع المركب للهوية السودانية يجب ألا يتحول إلى وسيلة لتجاوز سؤال السلطة , فالقول إن الجميع «اختلطوا» قد يكون صحيحاً في جانب منه، لكنه لا يخبرنا وحده كيف اختلطوا، وتحت أي شروط، ومن كان أقوى أثناء عملية الاختلاط.
وإلا تحولت «البوتقة السودانية» من مفهوم تاريخي مفيد إلى سردية تلطّف التهميش التاريخي بدلاً من أن تكشفه.
وهنا يجب أن نفرق بين أمرين كثيراً ما يختلطان في النقاش السوداني: وجود مجتمعات وثقافات وتواريخ سابقة على الدولة الحديثة، وبين نشوء «السودانية» بوصفها هوية سياسية مرتبطة بالدولة الحديثة , فالمجتمعات السودانية لم تبدأ مع الدولة الحديثة. لها تاريخ أقدم بكثير، ولها ممالكها وشبكاتها التجارية والدينية والثقافية وهوياتها المحلية والإقليمية. لكن السودانية، بوصفها هوية سياسية مرتبطة بالدولة الحديثة، بدأت تتبلور بصورة أكثر وضوحاً منذ القرن التاسع عشر، ثم أعادت الدولة الاستعمارية والوطنية تنظيمها من خلال الإدارة والقانون والتعليم واللغة والمؤسسات السياسية , ومن هنا فإن الدولة الحديثة لم تكن مجرد امتداد طبيعي لتاريخ سابق عليها، بل كانت أيضاً إطاراً جديداً أعاد ترتيب العلاقات بين الجماعات والمناطق، وصنع تدريجياً مفاهيم جديدة للمركز والأطراف، وللمواطن والانتماء، ولما يمكن أن يصبح (تاريخاً وطنياً) جامعاً , وهذا التفريق مهم، لأن الخلط بين التاريخ الطويل للمجتمعات السودانية وبين الدولة الحديثة يولد وهماً بأن السودان السياسي الذي نعرفه اليوم كان موجوداً دائماً بالشكل نفسه , الحقيقة أكثر تعقيداً: هناك استمرارية تاريخية حقيقية، لكن هناك أيضاً إعادة تركيب سياسية واجتماعية فرضتها الدولة الحديثة , ومن هنا يعود سؤال الهوية إلى الحاضر
لماذا يعود سؤال الهوية الآن؟
لأن الحرب أعادت الهوية من الكتب إلى الشارع، ومن النقاش الأكاديمي إلى سؤال الدم والنجاة والانتماء. لم يعد السؤال فقط: من نحن؟ بل أصبح في كثير من الأحيان: من يحق له أن يكون سودانياً؟ ومن يملك الأرض؟ ومن يملك الدولة؟ ومن يملك حق تمثيل السودان؟
وفي مثل هذا المناخ تصبح فكرة «الهوية الأصلية» شديدة الخطورة.
فالهوية حين تتحول من تجربة تاريخية مفتوحة إلى معيار للشرعية يمكن أن تتحول إلى أداة للإقصاء. يصبح هناك سوداني «أكثر أصالة» من سوداني آخر، وسوداني «حقيقي» وآخر مشكوك في انتمائه، وعربي يُطلب منه أن يثبت أفريقيته، وأفريقي يُطلب منه أن يثبت سودانيته، وشمالي يُتهم بأنه يمثل المركز، وغربي أو شرقي أو جنوبي سابق يُعامل أحياناً كما لو أن سودانيته تحتاج إلى شهادة إضافية , وهنا تكمن أهمية التخلص من سؤال «من هو السوداني الأصلي؟».
فلا توجد هوية سياسية حية تستطيع أن تقوم على النقاء , السودان نفسه يناقض فكرة النقاء. تاريخه هو تاريخ التداخل والهجرة والتجارة والدين والحرب والمصاهرة واللغة والتصوف والممالك والاستعمار والتعليم الحديث والحركة الوطنية والهجرات الداخلية والخارجية , إن محاولة استخراج (السوداني النقي) من هذا التاريخ تشبه محاولة استخراج ماء صافٍ من نهر تكون من روافد كثيرة , لكن الاعتراف بالتعدد لا يكفي أيضاً , فالتعدد يمكن أن يكون وصفاً جميلاً لمجتمع غير عادل , يمكن أن نقول إن السودان متنوع، ثم نبقي مركزاً يقرر وحده ما هي اللغة والثقافة والتاريخ المقبول. ويمكن أن نقول إن الجميع أسهموا في صناعة السودان، ثم نستمر في توزيع السلطة والثروة وفق علاقات تاريخية لم تُراجع , لذلك فإن التحدي الحقيقي ليس فقط أن نعترف بأن الهوية السودانية مركبة، وإنما أن نسأل- هل تستطيع الدولة السودانية أن تتحول هي نفسها إلى إطار يعترف بهذا التركيب؟
وهنا ينتقل النقاش من التاريخ إلى السياسة , السودانية التي نحتاجها بعد الحرب ليست سودانية تبحث عن أصل واحد، ولا سودانية تقوم على إنكار العروبة لصالح الأفريقانية، أو إنكار الأفريقانية لصالح العروبة، ولا سودانية مركزية تطلب من الأطراف أن تتكيف دائماً مع تعريف المركز لنفسه , نحن بحاجة إلى سودانية سياسية ومدنية لا تحتاج إلى إلغاء سودانية الآخرين لكي تثبت نفسها , سودانية يستطيع فيها العربي أن يكون عربياً وسودانياً في الوقت نفسه، والأفريقي أن يكون أفريقياً وسودانياً، والمسلم مسلماً وسودانياً، والمسيحي أو صاحب المعتقدات الأفريقية سودانياً كاملاً، دون أن تتحول هذه الانتماءات إلى مراتب متفاوتة في المواطنة
وهنا، ربما، تصبح قراءة كتاب الأفندي أكثر من مجرد قراءة في تاريخ الهوية , إنها فرصة لإعادة صياغة السؤال نفسه.
فبدلاً من أن نسأل- ما هي الهوية السودانية؟ , ربما ينبغي أن نسأل , أي سودانية نريد أن نبني؟ , الأولى تبحث عن تعريف يمكن تثبيته في الماضي , أما الثانية فتسأل عن المستقبل , والفرق بين السؤالين هو الفرق بين الهوية باعتبارها ميراثاً نحرسه، والهوية باعتبارها عقداً سياسياً وأخلاقياً نعيد بناءه , الأفندي يحررنا من وهم الهوية الجوهرية، وأبو شوك يوضح لنا، عبر قراءته، كيف يمكن فهم السودانية باعتبارها سيرورة تاريخية من الاستمرارية والتحول
ولكن اللحظة السودانية الراهنة تفرض علينا أن نذهب خطوة أخرى- أن نسأل عن علاقات القوة التي رافقت تلك السيرورة، وعن الجماعات التي لم تكن تملك دائماً الشروط نفسها في إنتاج تعريف السودانية , لذلك فإن قراءة (أن تكون سودانياً) ليست نهاية النقاش، بل بدايته
فالسؤال الذي يواجهنا بعد الحرب ليس فقط- كيف أصبحنا سودانيين؟ , بل السؤال الأصعب_كيف نريد أن نكون سودانيين؟
وهل نستطيع أن نبني سودانية لا يحتاج فيها أحد إلى إلغاء سودانية الآخر حتى يثبت أنه ينتمي إلى الوطن؟
zuhair.osman@aol.com
