الحاج/ موسى محمد الباشا
بسم الله الرحمن الرحيم
“ربَّنا أفتح بيننا و بين قومنا بالحق و أنت خير الفاتحين” صدق الله العظيم
سلط الباحث الضوء على بعض الأطروحات المحورية التي ضُمِّنت في متني مُسمَّيي “ميثاق السودان التأسيسي” و “الدستور الانتقالي لجمهورية السودان 2025م”، كمفهوم مُسَمَّى ” المبادئ فوق الدستورية”، الدعوة الى إضفاء قدسية و حصانة دستورية عليها تُقيَّد بمقتضاها إرادة المُشرِّع و الحيلولة دونه و المساس بها، نعَت۫ جماعات الأقوام القبائليين بالشعوب السودانية، و عَزي صُدور السيادة في الدولة السودانية المُستقبلة (السودان الجديد باعتبار ما سيكون) ٳليها، و الترويج لمفهوم الوحدة الطوعية، و الزعم بتمتع الأقوام القبائليين بممارسة حق التقرير الذاتي (المنعوت خطأ بحق تقرير المصير) بُغية الاختيار عند الاقتضاء بين بقائهم في الدولة التي هم مواطنون فيها بموجب أحكام الدستور أو الانفصال طواعِيَّة عنها دون حاجةٍ ٳلى مُوافقتها المُسبقة. ٳلا أنَّ الباحث سيناقش بكيفيةٍ تفصيليةٍ موضوع ممارسة جماعات الأقوام القبائليين لحق الشعوب في التقرير الذاتي في دراسةٍ لاحقةٍ تصدر اثر نشر هذه القراءة المُوجزة في حلقاتٍ متتاليةٍ.
أستهل مناقشة الموضوعات المُنوَّه ٳليها أعلاه وفق النسق التالي:
التي نقلها عن Supra constitutional norms كمُدخلٍ ٳلى الحديث عن مفهوم المُشرِّع لِمَاهِيَّةِ القواعد الدستورية السامية
اللاتينية بعض المؤلفين في مجال القانون الدستوري ٳلى العربية خطأ بمُسمَّى” مبادئ فوق دستورية”، فجاء المعنى الدَّلالي اللغوي لعبارة فوق خارج السياق، لأنَّها تفيد مبادئ قانونية تقع مكانيًا خارج متن وثيقة الدستور، و تُوجد في مُوقِعٍ أعلى منه و مُنفصلة عنه. على النقيض من الظرف المكاني فوق جاءت عبارة سامية تفيد أنَّ المبادئ الدستورية المَعنِية هي جزء من القواعد المُضَمَّنة في متن وثيقة الدستور، لكنها تحتل مركزًا أعلى (أسمى) عن مراكز غيرها من المبادئ الدستورية وفق مفهوم تسلسل التدرج الهرمي للقواعد القانونية
الدستورية التي تُشكِّل في مجموعها مشمولات متن صحيفة القانون الأساسي نفسه.
يَجدُر التنويه هنا ٳلى أنَّ أول ما يُلفت انتباه مُمعِن النظر في متن مُسَمَّى “الدستور الانتقالي لجمهورية السودان 2025 م” ظاهرة تنصيب زُمرة تحالف تأسيس نفسها (دون تفويض صادر من قِبل شعب السودان في كُلِّيته) سلطة أمر واقع، و مُشرِّع مُطلق الصلاحية يَصُوغ أحكام قواعد دستورية أطلق عليها جذافا مُسَمَّى قواعد “فوق دستورية”، يُروِّج لها و يَدِّعِي أنَّها تستمد سُموها و هيمنتها من أحكام الناموس الطبيعي الذي تعلو أحكام مبادئه و تهيمن على أحكام كافة القواعد القانونية التي يتضمنها متن الدستور، دون إحالة مُباشرة أو ضِمنية ٳلى أحكام القواعد الطبيعية المَر۫جَعية المزعومة. سعى مُشرِّع تحالف تأسيس عبر المُخاتلة و التدليس الى إضفاء شرعية قانونية دستورية على بعض شعارات سياسية مُوهِمًا العامة باِعتبارها بعضًا من منظومة القيم الإنسانية السامية بتعريفه في الفقرة (2) من المادة (7) من مُسمَّى “الدستور الانتقالي لجمهورية السودان 2025م” بأنَّها “…هي مجموعة المبادئ و القواعد و القيم الأساسية الدائمة و المُلزمة و المُحصَّنة التي يُمنع ٳلغاؤها أو تعديلها أو مُخالفتها بأي ٳجراء أيَّا كان، و تشمل العِل۫مَانية، الديموقراطية التعدُّدِية، و الاعتراف بالتنوع و التعدُّد و حسن ادارتهما، و إقرار اللامركزية، و احترام حقوق الانسان، و المواثيق الدولية، و تجريم أي فعل دكتاتوري أو انقلاب، و حق المقاومة الشعبية و الوحدة الطوعِيَّة…” كدأبهِ لم يُشر المُشرِّع ٳلي أيَّةِ مَرجعية مذهبية سياسية أو مُرتكزات قانونية دستورية قطرية أو قانونية دولية عامة. أُشير هنا ٳلي أنَّ العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية يُعتبر المرجعية المحورية القانونية الدولية التي ضُمِّن متنها جملة من حقوق الانسان التي تتمتع بحصانة شبه مُطلقة تحول دون انتهاكها، كالحق في الحياة الذي نُص عليه في متن الفقرة (1) المُدرجة تحت المادة (6) من العهد المُنوَّه ٳليه أعلاه أنَّه في الدول التي لم يُلغ فيها حكم الإعدام يجوز”…أن۫ يُحكم بهذه العقوبة إلا جزاء على أشد الجرائم خطورة وفقا للتشريع النافذ وقت ارتكاب الجريمة… “، عدم ٳخضاع أحد للتعذيب : تنص المادة 7 من العهد المذكور على” لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمُعاملةِ أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانية أو الحَاطَّة بالكرامة. و على وجه الخصوص، لا يجوز إجراء أيَّة تجربةٍ طبيةٍ أو علميةٍ على أحدٍ دون رضاه الحر.”، حظر الاسترقاق: تنص الفقرة (1) من المادة 8 من العهد المذكور على ” 1. لا يجوز استرقاق أحد، و يُحظر الرِّق و الاتجار بالرقيق بجميع صورها.” و تنص الفقرة (2) من المادة 8
المذكورة أعلاه على “2. لا يجوز إخضاع أحد للعبودية ” عدم ٳخضاع أحد لأعمال السخرة: تنص الفقرة الفرعية (أ) من الفقر
الأساسية (3) المُدرجة تحت المادة 8 من العهد المذكور أعلاه على ” لا يجوز إكراه أحد على السخرة أو العمل الإلزامي.”
يجدر التنويه هنا ٳلى أَّنَّه لم تنص أيَّة مادة في متن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية على اعتبار الشعار السياسي
” الوحدة الطوعيَّة ” مبدأ قانوني فوق دستوري كما أدَّعَى المُشرِّع. أتسائل عن ماهية المرجعية القانونية الدستورية أو القانونية الدولية التي أستند ٳليها المُشرِّع كمسوغ لخلع صفة مبدأ فوق دستوري على الشعار السياسي المُنوَّه ٳليه.؟
أتسائل هنا عن مَاهِيَّة البواعث التي حملت المُشرِّع ٳلى إضفاء خصائص الديمومة، و الأزلية و تأكيد الصلاحية المُطلقة لأحكام المبادئ فوق الدستورية و حصانتها و معصوميتها عن تعليق، تعديل و الغاء أحكامها.؟ هل الدَّافِعِيَّة الى ذلك الرَّغبة في المحافظة على أزلية و
الحاج/ موسى محمد الباشا
سرمدية المبادئ الفوق الدستورية كما ينعتها جزءًا محوريًا في متن دستور دولة جماعات الأقوام القبائليين المُرتقب تأسيسها (السودان الجديد باعتبار ما سيكون) من جهةٍ، و تأمين و تجذير حاكميتها لتأكيد قدسية الدستور و حمايته من التعديلات التي قد تُملِيها أغراض سياسية أو أيديولوجية أو عقائدية مُغايرة لتلك التي تعتنقها الأحزاب و الحركات السياسية-العسكرية المُتحالفة في ٳطار كيان تأسيس؟، فقد سَعى المُشرِّع ٳلى إضفاء حصانة تُؤَمِّن ديمومة و سرمدية مُسمَّى المبادئ الفوق دستورية بتقيد مطلق لمشيئة إرادة أي مُشرِّع و الحيلولة بينه و بين تعديل أحكامها بالنص في متن المادة (99) في الباب الحادي عشر من وثيقة مُسمَّى الدستور الانتقالي المُنوَّه ٳليه على ” دون المساس بالمبادئ فوق الدستورية، يجوز تعديل هذا الدستور بأغلبية ثلثي أعضاء الهيئة التشريعية التأسيسية.” أتسائل هنا أليس من حق الأغلبية من الشعب السوداني ٳذا أرادت تعليق، تعديل أو الغاء الدستور عبر استفتاء عام يُنظَّم خصيصا لذلك الأمر؟ أليس شعب أيَّة دولة مستقلة في كليته هو المصدر الأوحد للسيادة فيها ؟ أليست السلطة التشريعية هي من تجلِّيات تلك السيادة كرصيفتيها السلطتان التنفيذية و القضائية؟. ٳنَّ فجاجة رأي المُشرِّع تتجَلَّى في أًن۫ أصل مفهوم تبَنِي ما ينعته بمُسَمَّى “القواعد فوق الدستورية” يُنسب ٳلى حِفنةِ فِئةِ فقهاء
قانونيين من بينهم (عرب) يُعَبِّرون عن رؤاهم و آرائهم الشخصية كأفراد لا عن مذاهب قانونية مُحدَّدة مُج۫مع علي حُجيَّة طرحها من قِبل كافة فقهاء القانون الدستوري، و لا عن كونهم نوَّاب مُفوَّضِين من قِبل شعوب الدول التي ينتمون ٳليها قانونيا دستوريا. لِذا لم تُحَدِّد حِفنة الفقهاء القانونيين المُنوَّه ٳليهم أعلاه الطبيعة القانونية للمذاهب الفقهية القانونية الدستورية-السياسية-الاجتماعية التي ينتمون ٳليها حتى يتم
ذلكSupra peremptory constitutional norms ” تكييف المضمون السياسي-القانوني لمُسمَّى المبادئ الدستورية السامية
لواقع أنَّه لكل مذهب فقهي قانون دستوري- سياسي اجتماعي تصوُّره لِمَا يُمكن أن۫ يُنعَت بمبادئ قانونية دستورية سامية حاكمة ، تُعَبِّر عن حقوق و التزامات الكيان الذي تنبثق عن ذاتهِ السيادة في دولةٍ مستقلةٍ، و تتمَحوَر و تتجَسَّد فيهِ بكيفيةٍ مُطلقة صلاحية مُمارسة كافَّة مظاهر السيادة مُتمثلة في السلطات التشريعية، التنفيذية و القضائية، مُباشرة أو بكيفيةٍ غير مُباشرة بتفويض مُمارستها لِمَن يُخوَّل بمرسوم قانوني و لأجَلٍ مُحدَّدٍ مُزَمَّن، تتمتع خلاله الذات السِّيادية بامتياز مُسائلةِ مَن فوَّضَت ٳليه مُمارسة مظاهر السيادة، أو سحب التفويض عنه في غير حَاجةٍ ٳلى تسبيب مَتى ما اقتضت إرادتها ذلك.
عليه يستقيم القول، انسجاما و توافقا مع ذوات الكيانات التي تنبثق السِّيادة في الدولة عنها، و تتمركز صلاحية مُمارستها في ٳرادتها لكونها تتمتع بحصانة و قُدسية تضعها خارج نطاق أحكام أي قانون، بصفتها هي القانون الأسمى نفسه الذي لا يعلوه قانون وضعي في الدولة، ذلك لاعتبار ذاتها هي الدولة نفسها. فالذات السِّيادية فوق أي قانون و لا تخضع لأية مسائلة ٳلا تلك الصادرة من قِبل مشيئتها.
تتجسَّد الذات السِّيادية في الكيانات التالية التي تمثل مُنبَثق السِّيادة في الدولة وفقا لِمناظير المذاهب الفقهية القانونية الدستورية التي ابتدعت
مفهوم المبادئ القانونية الدستورية السامية لِتُضفِي عصمة و حصانة على تلك الذَّوَات السِّيادية.
أولا- الذات المَلكِيَّة: من منظور المذهب الفقهي الدستوري (دون تمييز بين نمطي المَلكِيَّة المُطلقة و الدستورية المُقيَّدة) تبنَّت ممالك و
ٳمبراطوريات القرن السابع عشر قاعدة عِصمة و حصانة الذات المَلكِيَّة القابضة على زمام الحكم مبدأ قانونيا دستوريا ساميا يتمتع
بالديمومة و علو أحكامه على غيره من القواعد الدستورية. ذلك، لانبثاق السِّيادة عن ذات المَلِك، لِذا يحتكر الملك ملكيتها و صلاحية تفويض ٳمتياز مُمارستها وكالة عنه لِمَن يُريد. رَوَّج بعض فقهاء القانون الدستوري لِفرية أنَّ الملوك هم أصفياء الآلهة اختارتهم مشيئتها
لا ٳرادة الرَّعية التي هي مُكلَّفة بمقتضى أحكام الناموس الرَّباني المُقدَّس بالطاعة و الٳذعان المُطلقين. فالملوك مُسَؤولون أمام الآلهة وحدها لا أمام الشعوب. ليس هذا فحسب ، بل أنَّ النظم الملكية الأوتوقراطية ذاتها أُضْفِيَت عليها قُدُسِية ٳذْ أُع۫تُبرَت من صنائع الرَّب.
الذي كتب ” أنَّ المؤسَّسة المَلكِيَّة مُنشأة John Neville رَوَّج لهذه المبادئ فلاسفة و فقهاء في القانون الدستوري كالفقيه جون نيفل
ملك اسكتلاندا و انجلترا James Struart بأم۫ر ٳلهي.” في سياق عِص۫مَةِ الملوك عن المُسَائلة أمام الرَّعية كتب جمس ستيوارت
“الملك مُدرك بذاته تنصيبه ‘The Trew Law of Free Monarchies’ في سفره المسوم ب” الناموس الحقيقي للملَكِيَّات الحُرَّة
عليهم…لذا فهو مُسَائل أمام الرَّب العظيم الذي نَصَّبَه فوقهم وكيلا عنه.” فيما يتعلق بِفِر۫يَةِ أنَّ ما يَنطق به الملوك هو ذات منطوق نص
ما نصه ‘Patriarcha or the National Power of Kings’ في سفره المسوم ب Robert Filmerقانون، كتب روبرت فلمر
“لقد كان هناك ملوك قبل أن۫ يكون هناك قانون، لِحِقَبٍ طويلةٍ كانت كلمة الملك هي القانون الوحيد.” أخيرًا و ليس آخرا، زُعم في غير
أمام البرلمان L’État, c’est mo وجود أيَّة بَيِّنةٍ قطعيةِ الدلالة تؤكد واقعة أنَّ لويس الرابع عشر قد استخدم عبارة ” الدولة هي أنا “
الفرنسي في 13 أبريل عام1655 . على الرُغم من ذلك أنَّ الصيغة الوارد ذكرها عبَّرَت بصدق عن واقعة اندماج السلطة العامة في الدولة وقتئذٍ في ذات الملك المُهيمن على مفاصل السلطة في فرنسا القرن السابع عشر. لم يطرأ منذ ذلك الحين تحوُّل ذو معنى خلال الحِقبتين الزمانيتين الحديثة و المعاصرة في منحَى تفكير أنصار المذهب الفقهي القانوني الدستوري المَلكِي الذي أتخذ من حصانة قُدُسِيَّةِ الذات المَلكِيَّةِ مبدءًا قانونيا دستوريا ساميا أُكِّد على سمو أحكامه على غيرها من القواعد القانونية الدستورية. أعيد ٳنتاج ذات المفهوم الأوتوقراطي الذي ساد ٳبَّان القرن السابع عشر حيث وُضِع الملوك في مقام خارج نطاق نفوذ أحكام القانون الدستوري للدول التي يُديرُون شؤونها، بخلع حصانة مُطلقة على ذواتهم المَلكِيَّة. على سبيل النم۫ذَجَة تنص متن الفقرة (2) تحت المادة 7 من دستور إمارة ليختنشتاين
على أنَّ “شخص الأمير الحاكم لا يَخضع للِولاية القضائية و لا يكون مسؤولا قانونا” في ذات سِياق إضفاء قدسية Liechtenstein
الحاج/ موسى محمد الباشا
على أن “تُمَارس السلطة التنفيذية من قِبل أعلى سلطة Monaco و حصانة على ذات الأمير تنص المادة (3) من دستور ٳمارة مُوناكو للأمير. شخص الأمير مصون.” تنص المادة (30) في متن دستور المملكة الأردنية الهاشمية لعام 1952 على أنَّ ” الملك هو رئيس
الدولة وهو مُحصَّن من أي مسؤولية قانونية.” يُضفِي دستور سلطنة عُمَان على الذات السُلطانية حصانة مُطلقة عن المُسائلة القانونية ذلك بالنص في المادة (41) من دستور سلطنة عُمَان الصادر في 6 من نوفمبر 1996على أنَّ ” السلطان رئيس الدولة والقائد الأعلى
للقوات المسلحة، ذاته مصونة لا تُمس، و احترامه واجب، وأمره مطاع.”
ثانيا- اعتبار كيان الشعب في كُليته مصدر للسيادة و مالكها الأوحد:
تواضع في القرن الثامن عشر و أجمع فقهاء القانون الدستوري اللبراليون على جملة مبادئ قانونية سامية من بينها اعتبار مبدأ الأمة (الشعب في كُليته) كذاتٍ معنوية اعتبارية عامة تنبثق عنه السِّيادة و يمتلكها و يحتكر صلاحية ممارستها بنفسه أو تفويض ٳمتياز ممارسة مظاهرها المُتجَسِّدَة في السلطات (الثلاث) العامة في الدولة خلال آجال مُزَمَّنة و كالة عنه و له سلطة استردادها متى شاء في غير تسبيب أو تعليل، و أنَّ المُوظَّفين العُموميين هم وكلائه و محلا لِمُراجعته و مُساءلته. وفقا لهذا السياق ينص القسم (2) من دستور ولاية فرجينيا لعام 1776 على “أنَّ كل السلطة مَنوُطة بالشعب، و صادرة عنه، و أنَّ القضاة و المُوظَّفين العُموميين هم وكلائه مسؤولين أمامه في جميع الأوقات.” أُكِّد على مبدأ انبثاق السلطة ِالسِّيَادِية في الدولة عن الشعب و حقه في ممارستها تقريرًا و ٳصلاحا ما أقضت الضرورة ذلك. تنص المادة (2) من دستور كاليفورنيا لعام 1849 على أنَّ “كل السلطة السياسية متأصلة في الشعب…و له الحق في التغيير أو
الإصلاح ما تطلب الصالح العام ذلك.” تبنَّى أيضا فقهاء المذهب اللبرالي القانوني الدستوري في آننا المعاصر المبدأ الدستوري السامي الذي يَعتبر الشعب في مجموعه مصدر للسِّيَادِة في دولته المُستقلة. في هذا السياق ينص متن المادة (1) من دستور الدولة
الإيطالية لعام 1947 على ” إيطاليا جمهورية ديمقراطية تأسست على العمل، السيادة فيها ملك للشعب و يمارسها الشعب في الأشكال و في حدود الدستور.”
The Proletariat Social Classثالثا- الطبقة العاملة ككيان معنوي مصدر للسيادة في دولتها
The Working Social Class تبَنَّى فقهاء القانون الدستوري أنصار المذهب الشمولي مبدأ انبثاق السيادة عن طبقة الشغيلة
و اعتباره (أي المبدأ) قاعدة دستورية سامية يُؤكد على دَيمُومَةِ وجودها في متون دساتير النظم السياسية الشمولية المُعبِّرة أيديولوجيا عن مصالح الطبقة العاملة. على سبيل النمذجة ينص متن المادة (1) من دستور اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية (البائد) على أنَّ “
اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية هو دولة اشتراكية للعمال والفلاحين.” تبنَّى المُشرِّع البولندي ذات المنهاج الذي يجعل من تأكيد
مبدأ الطبقة العاملة مصدر للسيادة في الدولة قاعدة دستورية سامية بالنص في متن الفقرة (2) من المادة (1) من دستور الجمهورية الشعبية البولندية لعام 1952 على أنَّ ” السيادة في الجمهورية الشعبية البولندية مَنوُطة ٳلى العمال في المدينة والريف.”
يَجدر التنويه ٳلى أنَّه بهذه الكيفية تُؤمَّن مُمارسة مُسَمَّى الديموقراطية المركزية التي تُمَكِّن القيادات الأيديولوجية للأحزاب الشيوعية من
عَزل الطبقات الأخرى و من ثم احتكار ممارسة السلطة العامة في الدولة بصفتها القيادة الطليعية للطبقة العاملة في البلدان التي تخضع لهيمنة النظم الشمولية. على سبيل النمذجة تنص المادة 6 من “دستور اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية (البائد) لعام 1977 على أنَّ القوة “القيادية و المُرشدة للمجتمع السوفيتي و نوَاة نظامه السياسي، لجميع منظمات الدولة و المنظمات العامة، هي الحزب الشيوعي
للاتحاد السوفيتي.” نحَى فقهاء القانون الدستوري و المُشرعون الفيتناميين مذهب رفاقهم الشموليين فضمَّنوا متن المادة 4 من دستور
جمهورية فيتنام الاشتراكية لعام 2001 ما نصَّه أنَّ “الحزب الشيوعي الفيتنامي هو طليعة الطبقة العاملة الفيتنامية، المُمثل الأمين لحقوق ومصالح الطبقة العاملة.”
مِمَّا تقدَّم عرضه أعلاه برزت النظرية اللبرالية الأوتوقراطية كمرجعية فلسفية سياسية-اجتماعية توافقت معها مُدَعِّمات شرعية قانونية دستورية أمَّنَت۫ على كينونة ذات الحاكم الفرد (كان ملكا، أميرًا أو سلطانا) مصدرًا للسيادة في الدولة التي يتحكم في مفاصل السلطة العامة فيها. و بيَّنت أيضا النظرية اللبرالية الديموقراطية التي تروَّج ٳلى مفهوم أنَّ الشعب السيد في كُليته هو مصدر للسيادة في دولته الجماهيرية و كيانه السِّيادِي يتمتع بحصانة دستورية تحُول دون المَساس بقدسيتهِ، في ذات السياق اتخذت الفلسفة الماركسية- اللينينية من الطبقة العاملة مصدرًا مجتمعيًا تنبثق عن ذاته السِّيادة في الدولة الشمولية.
أتسائل هنا عن ماهية المرجعية الفلسفية السياسية-الاجتماعية التي ارتكز على مقوُلاتها تحالف تأسيس الذي يزعُم بانبثاق السِّيادة في دولة السودان الجديد (بٳعتبار ما سيكون) عن جماعات الأقوام القبائليين الذين أطلق عليهم نعت الشعوب السودانوية.؟
لا غرو و لا جدال حول الزعم في أنَّ كيانات جماعات الأقوام القبائلية المنعوتة بالشعوب السودانوية لا تمتلك شخصية اعتبارية قانونية دستورية واحدة تؤكد كينونتها ذاتا مجتمعية متماسكة لها وجودها المادي في بلاد السودان . على نقيض ذلك يُؤكد الواقع المُعاش على تعدُّد كياناتها المُجتمعية المُستقلة عن بعضها بعضا. و الحال هكذا، ينتفي وجود أي اعتراف قانوني دولي عام صادر عن أيَّة دولة مستقلة ذات سيادة عضو في المجتمع الدولي، أو أيَّة منظمة دولية حكومية كانت دون ٳقليمية (كمنطمةِ ايقاد على سبيل النمذجة) أو منظمة دولية
كمنظمة Hemisphericاقليمية (كمنظمتي الاتحاد الأفريقي أو جامعة الدول العربية )، أو منظمة دولية شطر كونية (هِمس۫فِيريَّة)
الحاج/موسى محمد الباشا
الدول الأمريكية، أو منظمة دولية عالمية كمنظمة الأمم المتحدة؟ لواقع الانتفاء المُطلق لوجود كينونة شخصية اعتبارية قانونية دولية لمُسَمَّي الشعوب السودانية ينتفي امتلاكها أيَّة صلاحية تُخوَّلها ممارسة أي نشاط في أي منبر دولي، و أنَّ كل ما يصدر عنها من قرارات و أعمال تُع۫تبَر قرارات و أعمال محلية قطرية لا تجاوز قيمتها قيمة المَداد و الصحائف التي كتبت عليها.
أمَّا عن فجاجة مفاهيم مُشرِّع تحالف تأسيس، فأنَّها تتجلى في زعمه تدليسا في متن الفقرة (2) من المادة (7) في متن وثيقة مُسَمَّى الدستور الانتقالي لجمهورية السودان لسنة 2025م، على أنَّ المبادئ فوق الدستورية “…تشمل…المواثيق الدولية…” يبدو جليًا تأكيد المُشرِّع و بكيفيةٍ تقريرية حاسمة على وجوب التزام الدولة السودانية بالتقيد بأحكام كافة الاتفاقيات الدولية باعتبار ذلك احتراما لأحكام قاعدة أو مبدأ فوق دستوري دون أن۫ يشير صراحة أو ضمنا ٳلى ما ٳذا كانت دولة السودان طرفا في تلك الاتفاقيات بمقتضى مُصادقتها عليها. أود أن۫ أنوِّه هنا ٳلى أنَّ خطأ تأكيد المُشرِّع رُبَّما نتج عن سهو كان من المُمكن تلافِيه بمراجعة مسودة متن مُسَمَّى الدستور المُنوَّه ٳليه، أو رُبَّما نجم عن عدم ٳحاطته بما هو مُج۫مَع عليه بين فقهاء القانون الدولي العام من جهةٍ، و رُبَّمَا لعدم مُواكبته للمُتعَارف عليه من تجلِّيَاتِ المُمارسات السائدة للدول المُستقلة ذات السيادة التي تلزم أنفسها تلقائيا بالتقيُّدِ بأحكام منطوق متن القاعدة القانونية الدولية الآمرة
دون حاجة ٳلي تذكرةٍ بذلك تُضَمَّن في متون دساتيرها. هناك العديد من الاتفاقيات Pacta sunt servanda باكتا صُنت سيرفاندا
و العهود القانونية الدولية الثنائية و الجماعية لا يُعيرها كثير من الدول التي ليست أطرافا فيها اهتماما، ذلك عملا بمنطوق متن القاعدة
ألا يُدرك المُشرِّع The contract is the law of the contractorsالقانونية الدولية التي تنص على “العقد شريعة المتعاقدين.”
أنَّه ليس كل الدَّوَافع العملية من وراء تقيُّد العديد من الدول العُظمى بالوفاء بالتزاماتها مَرَدَّه ٳلى مُراعاتها لقوةِ حُجِيَّةِ المبادئ الدستورية
السامية المُضَمَّنة في متون دساتيرها، بل أنَّه في كثير من الأحايين تنتهك الدول العظمى أحكام المبادئ الدستورية السامية المُدَبَّجَة في
ذروة قمة درجات هرم تسلسل منظومة القواعد و المبادئ الدستورية استجابة لِمُتطلَّبَات حمايةِ مصالحها الوطنية الحيوية الاستراتيجية.
كمحصلة للنظر في و تحليل ما تقدَّم عرضه من مَاهِيَّاتِ مضامين ما أعتبره فقهاء المذاهب القانونية الدستورية مبادئ دستورية سامية توضع على ذروة قمة هرم تدرج القواعد القانونية الدستورية، يمكن استنتاج ما سيأتي:
نسبة لتباين المَناظِير الفلسفية و / أو الأيديولوجية تختلف جواهر مَكنُوُناتِ المبادئ التي يرى كل مذهب فقهي دستوري اعتبارها أداة كفيلة بتأمين ضمان ٳنجاز المقاصد المحورية و الأهداف الاستراتيجية التي يروم تحقيقها من وراء تبني مبادئ قانونية دستورية سامية (تتصف بالديمومة النسبية لا الأزلية السرمدية المُطلقتين) بمقتضى ما يُصبغ عليها من حصانة تحُوُل دون المساس بها من قِبل أيَّة سلطة تشريعية تستمد صلاحياتها من شرعية قانونية دستورية أو شرعية ثورية تستند الى حُجيَّة قوة سلطة الأمر الواقع. هنا أطرح عُدة تساؤلات أساسية
تتعلق باطروحات تحالف تأسيس أُعرب عنها في متن مُسمَّى وثيقة الدستور الانتقالي لجمهورية السودان لعام 2025م اليك بيانها فيما سيأتي أدناه:
1–مِن المُتفق عليه بين المذاهب الفقهية القانونية الدستورية أنَّ هناك مُتطلباتٍ موضوعيةٍ و أخرى شكليةٍ يُشترط توفرها في أيَّة وثيقة قانونية دستورية لتستوفي ومن ثم لتنطبق عليها خاصِيَّة وثيقة قانونية دستورية تُلزم المُخاطبين بأحكامها، كصدورها عن هيئةٍ تشريعيةٍ
، (و ليس بعضا من سلطةٍ تنفيذيةٍ كحكومة تأسيس الكائنة) De jure or De facto State هي بعض من مُؤسسات دولة قائمة كانت
أليس من الشكلية و المناورات السياسية بل من العبث وصف المكتوب الصادر عن الحكومة الانتقالية لتأسيس بالدستور الانتقالي للسودان 2025م.؟
2- ورد في متن الفقرة (2) من المادة (7) في الباب الأول من مُسمَّى الدستور الانتقالي لجمهورية السودان لعام 2025 حصرًا للمبادئ فوق الدستورية ذكرت من بينها “الوحدة الطوعية”، أتسائل عن ماهية المرجعية القانونية (الدستورية أو القانونية الدولية) التي بموجبها تُخوَّل كيانات القبائل السودانية التي يُطلق عليها مُسَمَّى الشعوب السودانوية (بديل تحالف تأسيس عن الشعب السوداني الكائن) مُمارسة
“خيار الوحدة الطوعِيَّة” (الذي يُعرف أيضا بخيار الانفصال الطوعي)، عِلمًا أنَّ هذا الخيار قد تمَّت مُمارسته تاريخيا من قِبل دول مستقلة ذات سيادة و ليس من قِبل جماعات الأقوام القبائليين التي هي مُكوِّناتٍ مُجتمعِيَّةٍ فرعيةٍ لشعبِ دولة جمهورية السودان المستقلة المُعترف بها قانونيًا دوليًا منذ غرة يناير 1956.؟. كنموذج لِمُمارسة خيار الوحدة الطوعِيَّة من قِبل دول مستقلةٍ، دخلت 15 دولة مستقلة ذات سيادة هي (1- جمهورية روسيا الاتحادية السوفيتية،2- أوكرانيا، 3- بيلاروسيا-أي روسيا البيضاء، 4- كازاخستان، 5- أوزبكستان، 6- تركمانستان، 7- قيرغيزستان، 8- طاجيكستان، 9- أرمنيا، 10- أذربيجان، 11- جورجيا، 12- ليتوانيا، 13- لاتفيا، 14- استونيا، 15- مولدوفا) في اتحاد وفقا لمبدأ الوحدة الطوعية مكونة في 30 ديسمبر عام 1922 دولة اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية مع احتفاظ كل دولة لنفسها بحق الانفصال الطوعِي الذي أُكِّد عليه في متن المادة (4) من دستور اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية التي تنص على ” تحتفظ لكل جمهورية عضو بحقها في الانفصال بحرية عن الاتحاد.” في ذات السياق دخلت كذلك ست
دول مستقلة ذات سيادة هي (1-البوسنة و الهرسك، 2-الجبل الأسود، 3- سلوفينيا، 4- صربيا، 5- كرواتيا، 6- مقدونيا (مسدونيا) في اتحاد مُكوِّنة دولة يوغسلافيا الاتحادية الفدرالية في 29 نوفمبر عام 1945م. احتفظت كل دولة بحقها في حُرية مُمارسة خيار الانفصال الطوعِي عن دولة يوغسلافيا الاتحادية الفدرالية و أُكِّد على ذلك الحق في متن المادة (1) من دستور يوغسلافيا الاتحادية الفدرالية عام
الحاج/ موسى محمد الباشا
1974 بالنص على “جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية الاشتراكية هي دولة اتحادية…مؤسسة على مبدأ ممارسة حق التقرير الذاتي بما في ذلك الانفصال…”
يَنبغِي التنويه هنا أيضا ٳلى أنَّ جماعات الأقوام القبائليين لا يحق لهم الدخول في اتحاد كونفدرالي مع أيَّةِ دولةٍ، ذلك لأنَّ نمط هذا
The traditional historical abodes النظام يؤسس عادة بين دولتين مستقلتين أو أكثر. فالمنابت المكانية التقليدية التاريخية
للأقوام القبائليين السودانيين ليست دولا مُستقلة مُعترف بها من منظور القانون الدولي العام، ذلك لواقع كينونتها جزءًا من إقليم دولة جمهورية السودان المستقلة، كما أنَّ الرَّابط الذي يَشج أعضاء الأقوام القبائليين هو علاقة اجتماعية مُستمَدَّة عن صِلة الدم، القرابة و المُصاهرة و التضامن المُجتمعي و ليس وشاج سياسي-قانوني دستوري يربط بين الأفراد و الكيانات المُجتمعية الفرعية بعضها ببعض.
يجدر التنويه هنا ٳلى أنَّ خيار الوحدة الطوعِيَّة في نمطها الكنفدرالي قد مارسته الدول التي كانت أعضاء مُؤسِّسِين طواعِيَّة لدولة اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية اثر تفككها و اندثارها، قرَّرت تلك الدول بعد ذاك تأسيس رابطة (الكومنولث الكونفدرالية). تنص دِيبَاجة ميثاق رابطة الدول المُستقلة على “أنَّ الدول، بعد أن۫ أتحدت طواعية في رابطة الدول المستقلة، عقدت العزم على تنفيذ أحكام الاتفاق المُتعلق بإنشاء الرَّابطة.” نصَّت المادة (9) من ميثاق الرَّابطة المُنوَّه ٳليها على “يحق للدولة العضو الانسحاب من…الرَّابطة
بٳعلان الدولة العضو المُودَع لديها الميثاق برغبتها في ذلك قبل 12 شهرًا من الانسحاب.”
3- ورد في متن الفقرة الفرعية (3) من المادة (7) المُنوَّه ٳليها أعلاه شرط يُقرِّر بكيفيةٍ حاسمة بالنص على “تكون المبادئ فوق الدستورية جزءًا ثابتا في هذا الدستور و أي دستور مُستقبلي للسودان.” أتسائل هنا ألا يُدرك مُشرِّع تحالف تأسيس أنَّ الشعب السوداني
في كليته هو مصدر السيادة في دولة السودان الكائنة (قبل أن۫ يتحقق واقع تفكيكها و استبدالها بكيان السودان الجديد الذي يروم تحالف تأسيس تأسيسه)؟ ألا يُدرك مُشرِّع تحالف تأسيس أنَّ السلطة التشريعية هي تجِ۫سِيد لمظاهر السيادة في الدولة أُسوة بالسلطتين التنفيذية و القضائية؟ ألا يُدرك مُشرِّع تحالف تأسيس أنَّهم يمثلون زمرة سياسيين من أبناء بعض قبائل السودان التي تنعت بالشعوب السودانوية (لا ندري شيئا عن هويتهم (باستثناء مؤتمر البجة المُعارض و بعض جماعات الأقوام القبائليين من نوبة جبال كردفان المُنضوين تحت مظلة الحركة الشعبية لتحرير السودان/شمال) و لا كيفية تفويضها لهم كوكلاء ينوبون عنها) أليس القبائل المُنحازة ٳلى تحالف تأسيس تمثل بعضا من شعب السودان؟ فكيف يكون منطقيا في دولةٍ واحدةٍ مستقلةٍ شعوب جماعات أقوام قبائل سودانوية و شعب تليد مُعترف بذاته يُسمَّى شعب السودان؟ أي قانون دستوري أو قانون دولي عام يجيز هذه الثنائية غير الموضوعية و غير المسبوقة في التاريخ السياسي-القانوني لأمم المعمورة؟ و كيف يجوز للجزء ( جماعات الأقوام القبائليين المُسمَّاة بالشعوب السودانوية) أن۫ ينفي وجود الكل و يسلبه سيادته في ممارسة التشريع كان ذلك بوضع دستور جديد تنسجم أحكامه مع المُستجَدات الموضوعية التي يفرضها واقع الحياة المُتغير، أو بتعليق أحكام نصوص دستورية قد تجاوز أحكامها الواقع الحياتي، أو بتعديل أحكام نصوص لتواكب مُقتضيات الحياة المُتجَدِّدَة كان ذلك تعديلا بالحذف أو بالإضافة أو بالاثنين معا أو الغاء حكم نص حاكم و اعتباره كأن لم يكن. ألا يُوافق المُشرِّع بأنَّ إضفاء خاصية الديمومة و السرمدية المُطلقة على أي نص قانوني باعتباره من المبادئ الدستورية السامية (لا أقول مبادئ فوق دستورية لخطأ التوصيف لغويا) يُعني استدامة للجمود و التكلس و الرُّكود؟
4- ورد في صيغةٍ تقريرية في متن الفقرة (4) من المادة (7) المُشار ٳليها أعلاه نص يُخوِّل جماعات الأقوام القبائليين ممارسة مبدأ حق الشعوب في التقرير الذاتي (لا أقول تقرير المصير لخطأ الترجمة العربية) ينص على “يحق لجميع الشعوب السودانية ممارسة حق تقرير المصير.” أتسائل ألم يُمارس شعب السودان مبدأ حق الشعوب في التقرير الذاتي بتبنيه خيار الاستقلال و الكينونة دولة مستقلة ذات سيادة منذ الأول من يناير عام 1956؟ هنا أتسائل عن ماهية المرجعية القانونية الدولية التي تُضفي على جماعات الأقوام القبائليين مواطني
الدولة السودانية الكائنة صفة الشعوب ؟ عِلمًا أنَّ وثائق القانون الدولي لا تُضفي صفة شعوب على جماعات الأقوام القبائليين كما هو مُتعارف عليه بين فقهاء علم الاجتماع و فقهاء القانون الدولي العام. على سبيل النمذجة تنص الفقرة 3 من المادة 1 من عهد منظمة العمل الدولية الذي دخل حيِّز العمل به في 5 سبتمبر عام 1991م و المسوم ب “عهد متعلق بالأهالي و أقوام القبائل في الأقطار المستقلة ” على أنَّ استخدام مصطلح الشعوب في هذا العهد ينبغي ألا يُفسَّر على أنَّه ين۫ضَوي على أيَّةِ آثار تتعلق بحقوق يُمكن أن۫ تُلحق بالمصطلح بموجب القانون الدولي.”
لكي تُسمَّى الأشياء بأسمائها، ينبغي أن۫ تُنعَت الشعوب بمصطلح الشعوب، و القبائل بعبارة القبائل. خاطب ميثاق الأمم المتحدة، و عهداها المُتعلقان بحقوق الانسان (1-العهد الدولي المُتعلق بالحقوق المدنية و السياسية 2 العهد الدولي المُتعلق بالحقوق الاقتصادية،
الذي يُفِيد معنى أُناس و أقوام كانوا شعوبًا / أممًا، أو قبائل. أُمِّن على أن۫ Peoplesالاجتماعية و الثقافية مُوَظِفة مصطلح الشعوب
تتبيَّن بكيفيةٍ جَلِيَّةٍ هُويَّة ذات المُخاطب عند توظيف المُصطلح المُنوَّه ٳليه أعلاه من السياق الذي يُستخدم فيه ما ٳذا كان المُخاطب به
شعب (مُستعمرةٍ أو مَح۫مِيَّةٍ خاضع لنفوذ قوة أجنبية أو شعب دولة مُستقلة ذات سيادة). جاءت في فاتحة ديباجة ميثاق منظمة الأمم المتحدة
صِيغة “نحن شعوب الأمم المتحدة قد ألينا على أنفسنا أن۫ ننقذ الأجيال المُقبلة من وَي۫لاتِ الحرب التي في خلال جيل واحد جَلبت على
يُشير هنا بكيفيةٍ قطعِيَّةِ الدَّلالة ٳلى أُممPeoplesالإنسانية مرَّتين أحزانا يعجز عنها الوصف…” وفقا لهذا السياق فانَّ مُصطلح شعوب
الحاج/ موسى محمد الباشا
الدول المُستقلة أعضاء المنظمة و ليس أقوام القبائل التي هي مُكوِّنات مُجتمعية فرعية تمثل بعضًا من شعوب الدول الأعضاء، بينما تُخَاطب جماعات الأهالي القبائليين بعباراتِ أقوام و أُناس قبائليين. درءًا لحدوث ٳلتباس أستخدم بعض العهود و الإعلانات الدولية مُصطلح أهالي أصليين و قبائل في أقطار مُستقلة عند الإشارة ٳلى مُمارسة جماعات الأقوام القبائليين مُواطني دول مستقلة لحق التقرير الذاتي الداخلي. ذلك لأنَّ جماعات الأهالي القبائليين في دول مستقلة هم مواطنين أصليين و ليسوا شعوبا قائمة بذواتهم لذا نَظمَّت حقوقهم وثائق و إعلانات صادرة عن الأمم المتحدة و مُجتمعاتٍ دوليةٍ إقليميةٍ تمنحهم حق التقرير الذاتي فيما يتعلق باختيار صِيَغ الحكم الذاتي التي تناسبهم في اطار أقاليم الدول التي هم مواطنوها دستوريًا. وفقا لهذا السياق تُقرأ المادة (3) مقرُونة بالمادة (4) من إعلان الأمم المتحدة الخاص بحقوق الأهالي الأصليين 2007. تنص المادة 3 على ” الأهالي الأصليين لهم حق التقرير الذاتي، بمُقتضى ذلك الحق لهم التقرير بحرية وضعهم السياسي و السعي بحرية ٳلى تحقيق تنميتهم الاقتصادية، الاجتماعية و الثقافية.” بَيَّنت بجلاءٍ المادة (4) حُدود و نطاق مُمارسة حق التقرير الذاتي السياسي بالنص على ” للأهالي الأصليين، في ممارسة حقهم في التقرير الذاتي، الحق في الاستقلال
الذاتي (الأوتانمي) أو الحكم الذاتي في المسائل المُتعلقة بشؤونهم الداخلية والمحلية، وكذلك سُبل و وسائل تمويل وظائف الحكم الذاتي”.
في ذاتِ سياق ممارسة الأهالي القبائليين المُواطنين الأصليين سكان القارات الأمريكية تنص المادة (21) من الإعلان الأمريكي المُتعلق بحقوق الأهالي الأصليين على “1- للأهالي الأصليين في ممارستهم حقهم في التقرير الذاتي لهم حق الأوتانمي أو الحكم الذاتي في ٳدارة
المسائل الداخلية المُتعلقة بهم، و الشئون المحلية و كذلك سُبل و وسائل تمويل وظائف الأوتانمي.”
يَنبغِي التنويه هنا ٳلى أنَّ إعلان الأمم المتحدة المُتعلق بحقوق الأهالي الأصليين لعام 2007 المُنوَّه ٳليه أعلاه قد نص صراحة على وُجُوب احترام سيادة، و سلامة وحدة أقاليم الدول المُستقلة ذات السيادة التي يَن۫تمِي إليها الأقوام القبائليين عند مُمارستهم حقهم المشروع في التقرير الذاتي باختيار الأوتانمي أو الحكم الذاتي، ذلك بالنص في متن المادة (46) من الإعلان المذكور أعلاه على ” لا يجوز تفسير
أي شيء في هذا الإعلان على أنَّه يكفل لأيَّةِ دولةٍ أو لأُناسٍ أو لمجموعةٍ من الأشخاص أي حقٍ في الانخراط في أي نشاط أو القيام بأي عمل يتعارض مع أحكام ميثاق الأمم المتحدة، أو يُفسَّر على أنَّه يُخوِّل الضُلوع أو القيام بأي عملٍ من شأنه يُؤدِي ٳلى تفتيت الاقليم الوطني كليًا أو جزئيًا أو تمزيق الوحدة السياسية و سيادة و استقلال أي دولة. علاوة إلى ما تقدَّم، فإنَّ القاعدة القانونية الدولية الآمرة
تحظر بكيفيةٍ حاسمة التغيير القسري للحدود الدولية كان ذلك بفعل جماعاتِ أقوام قبائليين انفصاليين أو التي Uti possidetis juris
إليها فصَلت المُفوَّضِية الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب في دعوى رفعها Uti possidetis juris دول عدوانية. ارتكازا ٳلى مبدأ
في عام 1992، يطلب فيها من المُفوَّضِية الأفريقية لحقوق الإنسان Katanga السيد جيرارد مُوكي، رئيس مؤتمر قبائل إقليم كاتانغا
و الشعوب الاعتراف بمؤتمر القبائل الكاتانغية كحركة تحرر وطني يحق لها أن۫ تُد۫عَم في تحقيق استقلال إقليم كاتانغا، و المُساعدة في تأمين إج۫لاء القوات العسكرية الزائيرية من كاتانغا.” حُسِمَت نتيجة الدعوى بالقرار النهائي للمُفوَّضِية الذي مَفادَه أنَّها ترى ” في غياب
أدلة ملموسة تُؤكِّد على حُدوث انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان في إقليم كاتانغا و في غياب أدلة تثبت أنَّ القبائل الكاتانغية محرومة من الحق في المُشاركة في الحكومة على النحو الذي تكفله المادة 13 (1) من الميثاق الأفريقي، قرَّرت المُفوَّضِية أنَّ كاتانغا مُلزمة باختيار نوع من حق التقرير الذاتي ينسجم مع سيادة وسلامة وحدة إقليم زائير.”
في غير عقيم جَدلٍ سياسي، يستقيم الزعم افتراضا بأنَّه عمليا يُمكن لجماعات الأقوام القبائليين (المَنعُوتة بصفةِ الشعوب السودانوية ) مُمارسة الانفصال عن دولة جمهورية السودان الكائنة التي هم مواطنوها دستوريا استنادًا ٳلى أطروحة “الوحدة الطوعِيَّة” ٳذا توافرت ظروف استثنائية من بينها على سبيل النمذجة ما سيأتي بيانه أدناه:
أولا- أن۫ تتقلد صلاحية مُمارسة السلطة العامة في دولة السودان الكائنة زُم۫رَة سياسيين يؤمنون بحق جماعات الأقوام القبائليين ممارسة مُسمَّى خيار الوحدة الطوعِيَّة (أي الانفصال الطوعي) عنها بموجب أحكام مُسمَّى الدستور الانتقالي لجمهورية السودان لعام 2025 . قد يكون مصدر شرعية هيمنة حِفنة السياسيين المُنوَّه إليهم أعلاه، صادرة عن تدابير ديموقراطية (انتخابات أو استفتاءات دستورية عامة) تُضفِي عليهم شرعية دستورية تُخوِّلهم ممارسة السلطة العامة في الدولة، أو يَنتُج تسَنُّم عُصبة السياسيين المُشار إليها أعلاه مَرَاقِي سُدَّة (EPRDF الحكم و تولي السلطة العامة في الدولة بفعل ناموس القوة العسكرية (تجربة الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الأثيوبية
في 1991بصفته القانون الأساسي للدولة الأثيوبية، الذي خُوِّلت۫ بمُقتضاه “CTPE كنتيجة لتبنِّيهَا “ميثاق المرحلة الانتقالية لأثيوبيا
جماعات الأقوام القبائليين رُخصة مُمارسة حق التقرير الذاتي غير المُقيَّد، لتختار أي نمط حكم تريد أو تُقرِّر الانفصال عن دولتهم
الأم (أثيوبيا) ذلك بالنص في متن المادة (2) من الميثاق المُنوَّه ٳليه أعلاه على أنَّ “حق الأمم و القوميات و الشعوب في تقرير المصير قد أُكِّد عليه. تحقيقا لهذه الغاية، قد كُفل لِكُلِّ أمة و جنسية و شعب الحق في:…(ج) مُمارسة حقها / حقه في تقرير المصير بما في ذلك اختيار الاستقلال، عندما تكون الأمة، الجنسية و الشعب المَع۫نِي مُقتنع بأنَّ الحقوق المذكورة أعلاه مُنعت أو أُنقص منها أو أُلغِيَت.” عُزِّز حق الأقوام القبائليين الأثيوبيين في مُمارسة حق التقرير الذاتي بما في ذلك حقهم في اختيار الاستقلال بموجب منطوق متن الفقرة (1) المُدرَجة تحت المادة (39) من دستور جمهورية إثيوبيا الديمقراطية الاتحادية لعام 1995 التي تنص على “لكل أمة و جنسية و شعب في إثيوبيا حق غير مشروط في تقرير المصير، بما في ذلك الحق في الانفصال.”
EPRDF تحالفت مع الجبهة الشعبية الأثيوبية الثورية الديموقراطيةEPLF يجدر التنويه هنا ٳلى أنَّ جبهة التحرير الشعبية الإريترية
الحاج/ موسى محمد الباشا
في حربها ضد حكومة نظام منقستو و صادقت على ميثاق المرحلة الانتقالية لأثيوبيا الذي منحها و جماعات الأقوام القبائليين الأثيوبيين
الأخرى حق ممارسة التقرير الذاتي فأختارت الانفصال الطوعِي عن أثيوبيا فتحقق استقلالها عام 1993.
كما هو معلوم، تمَّت الهيمنة المُطلقة للعُص۫بة السياسية-العسكرية لجماعة الأخوان المسلمين و التحكم في مقاليد السلطة العامة في الدولة السودانية في 30 من يونيو 1989. لِبوَاعث لم يُكشف كلية بعد عن كُنهها رسميا، أتفق انفصاليون من جماعة الأخوان
على منح الأقوام القبائليين سكان الإقليم الجنوبي منSPLM/SPLAالمسلمين و الحركة الشعبية/ و الجيش الشعبي لتحرير السودان
السودان دون غيرهم امتياز مُمارسة حق التقرير الذاتي بتنظيم استفتاء عام تحت رقابة دولية لتحديد وضعهم المستقبلي باختيار تمسكهم
بديمومة مواطنتهم و انتمائِهم الدستوري للسودان أو الانفصال عنه، في ذلك تنص المادة 219 من دستور السودان الانتقالي 2005 على أن۫ “يكون لمواطني جنوب السودان الحق في تقرير المصير من خلال الاستفتاء لتحديد وضعهم المستقبلي.” أكدت الفقرة (1) من المادة
(222) من ذات الدستور على ٳجراء استفتاء في جنوب السودان تحت رقابة دولية بالنص على أن۫ ” يُجرَى قبل ستة أشهر من نهاية الفترة الانتقالية، استفتاء بإشراف دولي لمواطني جنوب السودان، تنظمه مُفوَّضِية استفتاء جنوب السودان بالتعاون مع الحكومة القومية وحكومة جنوب السودان.” خَوَّلت۫ الفقرة (2) من المادة (222) من الدستور المُنوَّه إليها أعلاه الناخبين الجنوبيين خيارين بالنص على “يُصَوِّت مواطنو جنوب السودان إما: (أ)- لتأكيد وحدة السودان بالتصويت باستدامة نظام الحكم الذي أرسَته اتفاقية السلام الشامل وهذا الدستور، (ب)-أو اختيار الانفصال.”
ثانيا- يكون ميسور و مُمكنا للأقوام القبائليين مواطنو دول مستقلة ذات سيادة مُمارسة خيار اللا وحدة الطوعية ( أي الانفصال الطوعي) عن دولهم عندما تتدخل دولة أو منظمة عسكرية دولية أقوى شكيمة من دولتهم و تمدَّهم بأسباب القوة (العسكرية و الدبلوماسية) و تبسط
عليهم حمايتها و تأمِّن وُجودهم المادي، بل تشهر اعترافها بكينونتهم دولا مستقلة و تنشأ معهم علاقات دبلوماسية، عسكرية، اقتصادية و
Bangladesh ثقافية. تُع۫تبر سابقة انفصال الأقوام القبائليين سكان إقليم البنغال (الإقليم الشرقي من دولة الباكستان سابقا-دولة بانغلادش
الكائنة في 26 مارس 1971م نتيجة التدخل العسكري المُباشر من طرف دولة الهند. تُضَاهِي تجربة انفصال الأقوام القبائليين القبارصة
التجربة البنغالية من حيث دعم Cyprus Republicعن دولتهم الأم جمهورية قبرص Turkish Cypriots ذوي الأصول التركية
اقتصاديًا و اعترافها بدولتهم المَسُومة ب ” الجمهورية التركية في شمال قبرص.” أمَّا عن والتركية لهم عسكريًا و دبلوماسيًا الدولة
ممارسة الأقوام القبائليين الكوسوفيين لخيار اللا وحدة الطوعِيَّة (الانفصال الطوعِي) عن دولتهم الأم صِربيا قد تحقق كمُحصلةٍ لتدخل
عسكريا مُباشرة و بسطها حمايتها العسكرية عليهم، و إجبار دولتهم الأم صربيا على الانسحاب NATOمنظمة حلف شمال الأطلسي
و ٳخلاء الإقليم من أيَّة وجود عسكري صربي.Kosovo- Metohija كلية عن كوسفو- ميتويا
ثالثا- لا جدال في موضوعية القول، بأنَّ مواقف أعضاء المجتمع الدولي تتغير نتيجة لصيرورة تغيُّرَاتٍ موضوعية تفرض واقعًا جديدًا يختلف في جوهره بكيفيةٍ ما عن جوهر الواقع الدولي العالمي المُتغيِّر وقتئذٍ، الأمر الذي يستوجب بالضرورة تبدُّل قيم قواعد و منظومة
سِيَّمَا تلك التي لا يجوز بتاتا التحُّلل عن Peremptory norms with jus cogens character المبادئ القانونية الدولية السامية
الالتزام بالتقيُّد بأحكامها دون اعتبار لموضوعية و قوَّةِ حُجيَّةِ المُسوِّغات و الضَّرُورات التي تبرِّر عدم التقيد ٳستثناءًا بأحكامها. إنَّ تقنِين
على سبيل النمذجة ٳباحة اقتراف أعمال من شأنها انتهاك سيادة، و تمزيق وحدة إقليم، و تفتيت الوحدة السياسية لأية دولة مستقلة دون موافقتها الحُرَّة المُسبقة، و اعتبار ذلك أفعالا مشروعة بموجب أحكام قانون دولي سائد، عندئذٍ تكون مُمارسة مُسمَّى خيار الوحدةِ
الطوعِيَّة من قِبل جماعات الأقوام القبائليين عملا مُرَخَّص به تسنده و تظلله الشرعية القانونية الدولية.
قبل إنهاء عرض مُحصَّلات مطالعتي في متني الوثيقتين المحورتين (لتحالف تأسيس) المُنوَّه إليهما أعلاه، أود الإشارة و بكيفيةٍ مُوجزه إلى ما سيأتي:
أولا- ٳنَّ عدم موضوعية الدَّعوة و الترويج الى نعت الأقوام القبائليين السودانيين بمُسَمَّى الشعوب السودانوية، يرجع من بين عوامل أخرى ٳلى تناقض الوصف و الموصوف مع مُسَلَّمَات مبادئ نظريات علم الاجتماع الإنساني، فعلى الرُغم من تباين مذاهبها، يميِّز بجلاء علماء علم الاجتماع بين كيان القبيلة كوحدةٍ مُجتمعيةٍ فرعيةٍ هي مُكوِّن بشري من مُكوِّنات شعب أيَّة دولةٍ سيما دول العالم النامية، ذلك لاعتبار الشعب هو الكيان الاعتباري المعنوي الذي تستفئ تحت مظلته السياسية-القانونية الدستورية و تتواجد داخل حَيِّز فضائه الٳقليمي كافة جَماعَاتِ الأقوام القبائليين باعتبارهم مواطني الدولة التي يُمثل الشعب في كُلِّيته (من منظور القانون الدولي العام) رُكنا أساسيا تتحقق صيرورتها (أي الدولة) كيانا اعتباري عام يتمتع بالشخصية القانونية الدولية العامة إلا بهِ. من جهةٍ أخرى، أنَّ مضمون نعت جماعات الأقوام القبائليين بالشعوب السودانية في دلالته السياسية يُلغي كينونة الشعب مصدرًا للسيادة في الدولة كما عَبَّر عن ذلك صراحة مُشَرِّع
(تحالف تأسيس) من خلال منطوق متن المادة (8) في وثيقة مُسمَّى “الدستور الانتقالي لجمهورية السودان 2025م” الذي ينص (أي متن
المادة) على أن ” السيادة في جمهورية السودان للشعوب السودانية.”
، لا أقول فوق دستوريSupra constitutional normثاليا- إن مُسَمَّى خيار الوحدة الطوعِيَّة و اعتباره مبدءًا قانونيا دستوريًا ساميًا
(لفجاجة و سذاجة نقل المصطلح عن الإنجليزية ٳلى العربية و لتعارضه مع مناهج تنميط المبادئ القانونية المُتعارف عليها أكاديميا)
الحاج/ موسى محمد الباشا
إذ۫ يُعتبر ذلك دعوة غير عقلانية إلى إباحة انتهاك سيادة، وحدة إقليم، و الوحدة السياسية لأيَّةِ دولة مستقلة ذات سيادة بما في ذلك (بإعتبار ما سيكون) كيان الدولة الفدرالية للأقوام القبائليين السودانيين التي يروم تحالف تأسيس إقامتها على أنقاض دولة السودان الكائنة استلهاما و إعجابا و رغبة جامحة في استنساخ نموذج الدولة الفدرالية القبائلية الأثيوبية الكائنة المُتأزمة من جهة أخرى. علاوة إلى ذلك، أنَّها
دعوة ٳلي تقنين الفوضى و عدم الاستقرار السياسي في الأقاليم الوطنية للدول المستقلة ذات السيادة المُتعدِّدة جماعات الأقوام القبائليين،.
ذلك لاحتمال صيرورة حدوث صراعات و انقسامات داخلية في ٳطار القبيلة الواحدة بين أعضاءها حيال قبول و معارضة نزوة الانفصال عن الدولة الأم التي هم مواطنوها و الجنوح ٳلى الانضمام ٳلى دولة أخرى يعيش في ٳقليمها جزء من القبيلة ذاتها (نموذج الصراع بين صوماليي اقليم أوغادين -الأثيوبي- الذين يطالبون بوحدته مع بقية أجزاء أرض الصومال لتأسيس دولة الصومال الكبرى، و الصوماليين
الأثيوبي الذين يريدون الانفصال عنها و Gambela اقليم قامبيلا Nuerالرَّاغبين في البقاء جزء من أثيوبيا، و كذلك جماعات نوير
ٳلانضمام ٳلى دولة جنوب السودان و المُعارضين لهم الذين يفضلون البقاء بعضا من أثيوبيا ).
في خاتمة هذه القراءة المُوجزة في متني مُسمَّيي “ميثاق السودان التأسيسي” و “الدستور الانتقالي لجمهورية السودان 2025م” أطرح
التساؤلات التالية على كل سودانيةٍ و سوداني بكيفيةٍ عامة، و لكني أوجهها على وجهِ الخصوص و الحصر و صراحة ٳلى زعماء تحالف تأسيس من قيادات الأحزاب السياسية، و الدعم السريع (لكونه جزء من المؤسسة العسكرية السودانية الكائنة)، الحركات السياسية-العسكرية، الكيانات المُمثِلة لجماعات الأقوام القبائليين ( كقبائل النوبة المُنتمين ٳلى الحركة الشعبية/ شمال و مؤتمر البجة المعارض)، كيان القوي المدنية المُتحدة (قمم)، كيان التحالف السوداني، كيان تنسيقية النقابات و المهنيين، كيان منظمات المجتمع المدني، إلى شخصي ممثلي الإدارة الأهلية، إلى شخص ممثل الفئات النوعية، إلى ذات مُمثل الشخصيات المستقلة، باعتبارهم أعضاء تحالف تأسيس المُوقعين و المُصادقين على وثيقة (ميثاق السودان التأسيسي) ، و إلى كل رعايا الدولة السودانية، و إلى كل مَن يهمه و يُعنِيهِ أمر الواقع الكئيب، و التمزق الاجتماعي و غياب فكرة و إرادة سياسية كفيلة بتضميد جراحه و جبر كسوره و إخراجه من محنته (التي فرضها عليه حِفنة من المُغامرين طلاب السلطة مُحترفي السياسة مدنيين و عسكريين و عرابي حركات سياسية-عسكرية)، قبل وقوع الكارثة المُحدقة التي ستسدل ظلالها على السودان و يلفه ظلامها في غير رجاء في انبلاج قبس فجر جديد فيصير خبرا بعد أن كان أثرا.
1- من المعلوم أنَّ “تحالف تأسيس” يجمع تحت مظلته بَي۫ن عناصر تؤمن و تُرِّوج ٳلى العِلمَانِية، و أحزاب طائفية، و كيانات تسعى الى
ٳقامة سلطة عسكرية، و فئات مِهنِيَّة تؤمن بمبادئ نقابية، و ثلة من الانتهازيين طامعة في تأسيس نظام أرستقراطي يحقق أحلامهم في نيل
المجد و الجاه. ٳنَّ تبَايُن مناظير هذه الكيانات يدفع ٳلى التساؤل عن ماهية الثوابت الفكرية، السياسية، الاقتصادية و الاجتماعية التي تمثل ثوابت استراتيجية مشتركة تجمع و توحد بين تناقضات فئات تحالف تأسيس.؟
2- ٳنَّ الارتكاز ٳلى كيان قبيلة (أو جماعات أقوام قبائليين) أو جماعة ٳثنية و اتخاذها وحدة سياسية-اجتماعية محورية تؤسس عليها دولة
، يدفع ٳلى التساؤل: هل هناك نظرية أو مذهب سياسي مُجَرَّب متفق عليه Nation state على قِرَار نموذج دولة القومية الواحدة
أكاديميا أو من قِبل فقهاء علم السياسة و القانون الدستوري يتخذ من القبيلة محورًا أو مُرتكزًا أساسي تؤسس عليه بُنىَ فوقية لنظرية يُنشأ وفقا لها نظام سياسي لدولة تقام على مُعَطى القبيلة كوحدة إدارية، سياسية-قانونية دستورية؟
3- هل مُسمَّيَا “ميثاق السودان التأسيسي” و “الدستور الانتقالي لجمهورية السودان 2025م” يُجسِّدان مرجَعِيتين لنظرية سياسية و مرتكزًا قانونيا دستوريا يُمكن أن۫ يؤسس على هديهما كيان دولة القبيلة المُستقلة أو دولة جماعات الأقوام القبائليين الاتحادية الفدرالية.؟
4- هل يُمَثِل سياسيا و قانونيا مؤتمر البجة المُعارض و جماعات الأقوام القبائليين من سكان جبال النوبة المُنضَوين تحت مظلة الحركة الشعبية لتحرير السودان/شمال كافة جماعات الأقوام القبائليين في بلاد السودان؟ وهل وافقت فعليا كافة جماعات الأقوام القبائليين في بلاد السودان على قبول السردية السياسية-القانونية الدستورية لتحالف تأسيس التي تنعتها صراحة بمُسمَّى “الشعوب السودانوية “؟ هل تخلَّت جماعات الأقوام القبائليين السودانيين طواعِيَّة عن أسمائها الدَّالة على ذواتها وهُويتها المُجتمعية المُتعارف عليها تاريخيا؟
5- هل تخلَّت الفعاليات السياسية الحزبية، و الحركات السياسية-العسكرية و الهيئات المهنية و الكيانات المُجتمعية القبائلية عن مبادئها و قيمها الذاتية و أهدافها المُضَمَّنة في متون وثائقها الأساسية و لوائحها التنظيمية، و اعتنقت بدلا عنها بكيفيةٍ كُليةٍ مُطلقة أهداف و مقاصد إعلان (منفستو) “الحركة الشعبية لتحرير السودان/شمال ” الذي أُعيدت صياغته و إنتاجه في متني مُسمَّيي “ميثاق السودان التأسيسي” و “الدستور الانتقالي لجمهورية السودان2025 م.”؟
6- ما موقف المواطنين السودانيين (أفرادا طبيعيين و كيانات اعتبارية مُجتمعية -قبائل-)، و أحزاب سياسية، حركات سياسية-عسكرية،
و هيئات مهنية،…الخ (التي تؤمن بأنَّ القبيلة ذات مُجتمعية مُبَجَّلة، و اعتبارها الوحدة المجتمعية التي تمثل اللبنة الأساسية في تكوين كيان الشعب السودان الكائن) من استغلال “تحالف تأسيس” للقبيلة و طرحها في بورصة النخاسة-السياسة كبديل عن الشعب السوداني في كليته.؟
7- ما موقف علماء و فقهاء علوم الاجتماع و السياسة و القانون الدستوري في كافة الجامعات و المؤسسات السودانية وثيقة الصلة بهذه العلوم من نشر و ترويج “تحالف تأسيس” لمفاهيم خاطئة من بينها على سبيل النمذجة نعت الكيانات القبائلية بالشعوب في مجافاة و مغالطات فجة تتعارض مع الثوابت المعرفية التي تواضع و تعارف عليها فقهاء علوم الاجتماع الإنساني، السياسة و القانون الدستوري رُغم تبَايُن مناظيرهم الأيديولوجية و اختلاف مدارسهم لبرالية كانت أو اجتماعية (ماركسية أو جماهيرية).؟
الحاج/ موسى محمد الباشا
8- ما هي الخيارات العملية لمواجهة الأطروحات السياسية الفطيرة “لتحالف تأسيس” و الكشف عن زيفها و الحد من انتشارها بين عامة جماهير الشعب السوداني.؟
9- هل هناك تصور فكري عملي سلمي سوداني و / أو دولي (اقليمي عربي، أفريقي, أوروبي، أمريكي أو عالمي-الأمم المتحدة ) يمثل سبيلا إلى الخروج من دوامة الأزمة الرَّاهنة قبل وقوع الكارثة الفاجعة.؟
في خاتمة هذه القراءة المُوجزة، أرجو أن۫ يفهم أنَّ ما تمَّ عرضه أعلاه لم يُقدَّم بأيَّةِ حالٍ من الأحوالِ في سياق المُناكفة و المُجادلة و التهريج و الاصطفاف السياسي، بل في سياق التخاطب و التحاور و التفاهم الوُدِي المُنبثق عن رغبةٍ وطنيةٍ صادقةٍ في إرساء و تعزيز قواعد التعايش السلمي و تمتِين نزعة التآخي و التضامن بين أبناء الوطن السوداني الواحد، مع احترام خصوصياتهم الذاتية الإثنية، الدينية، اللغوية و الثقافية، أملا في مَدِّ جُسور التواصل بُغيَّة كسر الحواجز كيفما كانت، تحقيقا للتقارب، و التآلف والانفتاح على بعضنا البعض، بناءًا و تمتينا للثقة فيما بيننا تحقيقا للجماعية و نبذا للفرقة ، لنصبح بذلك ذاتا سودانية واحدة، مُتماسكة اللُّحمة الاجتماعية رُغم تباين قناعتها السياسية و اختلافاتها الأيديولوجية ذلك استهدافا و سعيا من أجل بناء دولة المُواطنة الفدرالية الديموقراطية المدنية الجماهيرية، التي يتساوى فيها المواطنون في حقوق و التزامات المُواطنة، و التي تظلل مُؤسساتُها القانونية الدستورية العدلية، الأمنية، الخدمية (التعليمية، الصحية الطبية الوقائية و العلاجية، و الترفيهية...الخ) كافة أقاليم ربوع بلاد السودان الريفية و الحضرية، ليحيا في إطارها الشعب السوداني العظيم في كليته سيدا مقرِّرا بمشيئةِ إرادتهِ الحُرَّة في كافةِ شئونهِ الداخليةِ و الخارجية (الدولية الإقليمية و العالمية) دون وصايةٍ من أحدٍ غير ذاتهِ. إنَّها رغبة مُمكنة التحقيق إذا توَحَّدَت إرادة السودانيين في كُلِّيتهم (عوام و علماء). فمِن أجل تجاوز محنتنا الرَّاهنة، يَنبغِي علينا (بلا قيد أو شرط مُسبقين) الاصطفاف كفريق عملٍ جماعي واحد صلد البنيان، مُوَحَّد الهدف، مُتكامل و مُتماسك العزيمة يروم بناء دولة وطن سوداني عزيز شامخ مُهاب الجانب يَفتخر الجميع بالانتماءِ إليه، فهل إلى ذلك من سبيل؟
الحاج/ موسى محمد الباشا
-John Neville asserted that ,“1. Monarchy is a divinely ordained institution.” P.(5) See, John Neville “The Divine Right of Kings,”
http://library.umac.mo/ebooks/b33460218.pdf
-James Struart (VI) and (I) asserted that,“ …knowing himself to be ordained for them ,and they not for him ,and therefore countable to that great God ,who placed him as his lieutenant over them .”p.(262).See, James Struart (VI) and (I) “The Trew Law of Free Monarchies:or The Reciprock and Mutual Duties betwixt a Free King , and His Natural Subjects,”
http://www.clayton.edu/portals/233/Imported/a-s.clayton.edu/gmcnamar/seventeenth%20century/trew%law.pdf
-Sir Robert Filmer, wrote that,“That there were kings long before there were any laws . For a long time the Word of a king was the only law.”P.(36). See,Sir Robert Filmer,“ Patriarcha , or the Natural Power of Kings [1680] :
http://files.libertyfund.org/pll/pdf/Filmer_0140_EBk_v7.0.pdf
-L’État, c’est moi
https://en.wikipedia.org/wiki/L%27%C3%89tat,_c%27est_moi
-دستور إمارة ليختنشتاين، 5 أكتوبر 1921
https://www.wipo.int/wipolex/en/legislation/details/21514
-دستور إمارة موناكو
https://www.wipo.int/wipolex/en/legislation/details/7659
-دستور المملكة الأردنية الهاشمية , 1/1/1952
https://www.legal-tools.org/doc/078741/pdf/
-النظام الأساسي لسلطنة عمان6 نوفمبر1996
https://hrlibrary.umn.edu/arabic/Oman_Con.html
-The Constitution of Virginia, 1776
https://encyclopediavirginia.org/primary-documents/the-constitution-of-virginia-1776/
-دستور كاليفورنيا 1849
https://natelsonrob.com/wp-content/uploads/2026/02/CA-const.pdf
-The Constitution of the Italian Republic, December 1947
https://www.senato.it/documenti/repository/istituzione/costituzione_inglese.pdf
-The Constitution (Fundamental law) of the Union of Soviet Socialist Republics 1936,
https://www.marxists.org/reference/archive/stalin/works/1936/12/05.htm
-دستور الجمهورية البولندية الشعبية لعام 1952
https://biblioteka.sejm.gov.pl/tek01/txt/kpol/e1976.html
-The Constitution of the Union of Soviet Socialist Republics, October 7, 1977
https://dn760107.eu.archive.org/0/items/constitutionussr1977/Constitution%20USSR%201977.pd
-The Constitution of the Socialist Republic of Vietnam 2001
https://cjad.nottingham.ac.uk/documents/implementations/pdf/Vietnam-Constitution.pdf
-The Constitution of the Union of Socialist Soviet Republics, 31 January 1924,
https://www.crteducazione.org/wp-content/uploads/2026/05/RUS_USSR_Constitution_1924_EN.pdf
-The Constitution of the Federal Peoples Republic of Yugoslavia, November 29, 1945
https://stars.library.ucf.edu/cgi/viewcontent.cgi?article=1385&context=prism
-The Charter Establishing the Commonwealth of Independent States (CIS), January 22, 1993
https://www.dipublico.org/100617/charter-establishing-the-commonwealth-of-independent-states-cis/
-ILO Convention concerning Indigenous and Tribal Peoples in Independent Countries Entry into force: 05 Sep 1991
https://normlex.ilo.org/dyn/nrmlx_en/f?p=NORMLEXPUB:12100:0::NO::P12100_ILO_CODE:C169
-United Nations Declaration on the Rights of Indigenous Peoples 2007
https://www.un.org/development/desa/indigenouspeoples/wp-content/uploads/sites/19/2018/11/UNDRIP_E_web.pdf
-The American Declaration on the Rights of Indigenous Peoples (2016
https://www.oas.org/ext/DesktopModules/MVC/OASDnnModules/Views/Item/Download.aspx?type=1&id=1272&lang=1
-Katangese Peoples’ Congress v. Zaire, African Commission on Human and Peoples’ Rights, Comm. No. 75/92 (1995).
https://hrlibrary.umn.edu/africa/comcases/75-92.html
- Transitional Period Charter of Ethiopia, July 1991
https://chilot.wordpress.com/wp-content/uploads/2011/04/the-transitional-period-charter-of-ethiopia_2.pdf
-The Constitution of the Federal Democratic Republic of Ethiopia
https://www.legal-tools.org/doc/7fe22d/pdf
-دستور السودان الانتقالي 2005
https://ogb.gov.ps/public/files/server/%D8%AF%D8%B3%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%20%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9/sudan.pdf
