قصائد شكسبير إلى معشوقته السوداء

عبد المنعم عجب الفَيا

لم يكن وليم شكسبير (١٥٦٤-١٦١٦) مؤلفا مسرحيا وحسب، بل كان شاعرا غنائياً عظيما أيضا. ونعني بالشعر الغنائي هنا شعر القصائد. فالمعلوم ان اليونان يقسمون الشعر تقسيم تراتبي تفضيلي، يأتي في المرتبة الأولى الشعر القصصي الملحمي، ويليه في المرتبة الثانية الشعر المسرحي (التمثيلي) واخيرا يأتي في المرتبة الثالثة الشعر الغنائي، ويعنون به شعر القصائد.
وظل النقد الأوربي محتفظا بهذا التقسيم للشعر إلى اليوم وذلك على الرغم من سيادة الشعر الغنائي وتراجع الشعر الملحمي والمسرحي ليس في أوربا وحسب بل في العالم اجمع، وذلك منذ الانتفاضة الرومانتيكية في القرن الثامن عشر ضد تقاليد الكتابة الكلاسيكية القديمة في الأدب.
ما يهمنا هنا أن شكسبير كتب ونشر مجموعة شعرية مكونة من ١٥٤ قصيدة غنائية كلها جاءت على نسق ما يسمى بقصيدة “السونيت” أو السونيتة. وهي نمط من الشعر الغنائي نشأ في إيطاليا وصقلية في اواخر القرون الوسطى (القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين) وهي صيغة متطورة من شعر التروبادور الذي كان قد نشأ نتيجة تأثير مباشر بشعر الموشحات والزجل الأندلسيين. فقد اخذ الشعراء التروبادور مفهوم الغزل العذري من الشعراء العرب واستعاروا رمزية الاثني الي “المطلق” من شعراء التصوف الاسلامي ومزجوا بينهما، ومنذ ذلك الوقت ظلت هذه الرمزية ركيزة الشعر الأوربي في كافة مراحله حتى الآن. ومن حيث بنية القصيدة اخذ الأوروبيون القافية ونظام الرباعية من الشعر العربي، فقد كان شعر اليونان والرومان شعرا مرسلا لا قافية له. (انظر كتابنا : “الأثر العربي في نشاة الشعر الأوربي الحديث”).
ومن إيطاليا انتقلت قصيدة السونيتة الي فرنسا و ألمانيا وبريطانيا. وتعني لفظة سونيت في الإيطالية الأغنية القصيرة. تتألف قصيدة السونيتة الإنجليزية من ١٤ سطرا شعريا مكونة من ثلاثة رباعيات لا يوجد فاصل بينها، كل رباعية مكونة من أربعة أسطر مقفاة إضافة إلى آخر سطرين في السونيتة تسمى الكوبليه وهو يقابل الخرجة أو القفلة في الموشح الأندلسي.
هذا وقد خصص شكسبير سبعا وعشرين قصيدة من مجموعته الشعرية محل الحديث في التغني والتوله بجمال فتاة سوداء هام بها عشقا. وتبدأ هذه القصائد بحسب الترتيب المرقم الذي وضعه شكسبير نفسه، من القصيدة رقم ١٢٧ وحتى القصيدة رقم ١٥٤ وهي اخر قصيدة في هذه المجموعة الشعرية.
وكان شراح شكسبير قد اصطلحوا على تسمية القصائد التي خصصها الشاعر لتلك السيدة السوداء، بقصائد السيدة الداكنة the Dark lady sonnets ولكن شكسبير لم يستعمل لفظ داكنة في وصف هذه السيدة بل استعمل كلمة اسود black لا لوصف شعر هذه الفتاة ولون عينيها وحسب، بل قبل ذلك لوصف سواد بشرتها.
ويستشف الناقد المدقق ان تسمية هذه القصائد بقصائد السيدة “الداكنة” بدلا عن السوداء لم تكن بريئة، إذ تجد أن كثيرا من شراح شكسبير ودارسيه قد اتخذ من صفة “داكنة” هذه ذريعة لحصر سواد الفتاة في سواد الشعر والعيون ومدعاة للتشكيك في سواد بشرتها. غير ان لغة شكسبير الصريحة والواضحة والقاطعة في وصف بشرة الفتاة السوداء، لايتيح لاحد مجالا للتشكيك في حقيقة ان هذه الفتاة كانت سوداء اللون.
هذا وقد تصدى عدد من الكتاب العرب الي ترجمة مجموعة شكسبير الغنائية هذه، كلها أو عدد منها، إلى العربية، نذكر منهم العراقي صفاء خلوصي، وجبرا ابراهيم جبرا، وكمال ابو ديب، وعبد الواحد لؤلؤة وبدر توفيق.
وفيما يلي نقدم ترجمتنا لخمس قصائد من “سونيتات” الفتاة السوداء وهي التي تحمل الأرقام : ١٢٧، ١٣١، ١٣٢، ١٥٣، ١٥٤ وهي ترجمة نثرية، ليست منظومة شعرا.

القصيدة رقم (١٢٧)

في الزمان القديم
ما كان الأسود يعد جميلا،
حتى لو كان جميلاً
ليس له أن يحمل صفة الجمال،
أما الآن فقد غدا السوادُ
الوريثُ الشرعي للجمال،
الجمالُ نفسه صار ممسوخا ومشينا
منذ أن تدخلتْ كلُّ يد في عمل الطبيعة
فألبست القبيحَ
بالفن المزيف الوجه المستعار
فلم يعد للجمال العذب اسم
ولا سرّ مقدس،
بل صار ملوثا
ان لم يكن قد غدا مشينا
لأجل ذلك خلقت عينا حبيبتي
سوداوين كالغراب
كلونِ ثوب الحداد
عزاء:
مَن لمْ يُولد أشقر
لا يفتقر إلى الجمال
ولا يشوِّه الخِلقةَ بكبرياء زائف.
فاهاجتا الأسى في النفوس
فقعدت تندب حظها،
وجعلتا كلَّ لسانٍ يلهجُ:
هكذا يجب أنْ يكون الجمال.
*
القصيدة رقم (١٣١)

انت مستبدة مثل كل الحسناوات
اللائي يغريهن جمالهن بأن يكن قاسيات.
فأنت تعلمين تمام العلم
انك أجمل واغلى جوهرة لقلبي الموله.
وللأمانة يقول بعض من راك
وجهك ليس له السطوة التي تجعل القلوب العاشقة تتاوه،
وانا لا أملك الشجاعة لاجرؤ على تخطئتهم،
ولكنني بيني وبين نفسي اقسم صادقا انهم مخطئون.
فالتامل في وجهك وحده يجعلني اطلق الاف التاوهات،
التي تشهد لي تباعا بأن لونك الأسود هو الأجمل في نظري:
ولا شىء اسود اخر فيك غير أفعالك،
ولذا اظن ان قدح الآخرين فيك سيستمر.
*

القصيدة رقم (١٣٢)

أعشقُ عينيكِ
تاخدهما الشفقة، إذ تعلمان،
أن قلبك يعذبني بازدراء
يجللهما السواد كانهما في حداد
ترقبان عذاباتي في أسى بالغ.
لا، ليسَ كشمسِ الصباحِ في السماء
عيناكِ،
وليس كغسق الفجر في خدود الشروق
وتلك النجمة الكبيرة التي تتلالأ
في المساء،
لا تهب للغروب نصف ما تهبه عيناكِ من ألقٍ .
وما دام التأسي يهبك المجد،
فدعي قلبك أيضا يأسو لي.
بل دعي لذلك كل عضو فيك،
عندها سأُقسِمُ: إنَّ الجمالَ ذاتُه أسود
والقبيحُ ما يفتقر إلى لون بشرتك.
*

ترجمة القصيدة رقم (١٥٣)

القى إله الحب “كيوبيد” مشعله الي جانبه واستغرق في النوم،
استغلت إحدى عذارى الالهة “ديانا” الفرصة واختطفت نار الحب المتقدة والقتها بسرعة في نبع ماء بارد.
فاستمد النبع من نار الحب المقدسة،
حرارة لا تخبو ابدا،
واستحال حماما ساخنا اثبت نجاعته في علاج الرجال من أمراض العشق الغريبة.
ولكن حبيبتي بنظرة واحدة اضرمت النار في المشعل من جديد.
فاخذه إله الحب الطفل، ومس به صدري ليختبره،
فعاودني المرض وبأشد مما كان،
فهرعت إلى حمام النبع اطلب المساعدة، وحللت هناك ضيفا حزينا مكتئبا،
ولكنني لم اصب علاجا:
إن حمام شفائى حيث تحصل إله الحب على النار الجديدة:
عيون حبيبتي.
*

القصيدة رقم (١٥٤)

كان إله الحب الطفل،
يرقد مستلقيا والى جواره مشعله
الذي يضرم به نار العشق في القلوب.
فجاء سرب من العذاري اللالئ نذرن أنفسهم لحياة العفاف يتهادين ،
فمدت أجملهن يدها وأخذت الشعلة التي غذتها الكثير من القلوب المخلصة بحرارة الحب.
وهكذا جردت العذراء جنرال الرغبة المحمومة من سلاحه وهو نائم،
واطفات الشعلة في بئر باردة،
فاستمدت البئر من نار الحب حرارة أبدية واستحالت إلى حمام صحي ساخن لعلاج الأمراض المزمنة.
لكن حينما جئت انا، مولى معشوقتي، طلبا للشفاء
اكتشفت الحقيقة:
نار العشق ترفع حرارة الماء
ولكن الماء لا يبرد نار العشق”.

  • ترجمة: عبد المنعم عجب الفَيا

abusara21@gmail.com

عن عبد المنعم عجب الفيا

عبد المنعم عجب الفيا

شاهد أيضاً

في أساليب الكتابة

عبد المنعم عجب الفَيا “.. وعندي أن المعنى العميق للأسلوب، المعنى الذي يجب أن تعنيه …