قصف شمال الوادي واختبار السيادة السودانية
الحدود التي لا يجوز أن تكون مباحة
د. أحمد التيجاني سيد أحمد
عضو قيادي مؤسس في تحالف السودان التأسيسي «تأسيس»
روما، إيطاليا — ١٣ أكتوبر ٢٠٢٦
ثلم تقع الغارات التي استهدفت مواقع للتعدين الأهلي في منطقة شمال الوادي في قلب جبهة مشتعلة، بل في منطقة نائية قرب الحدود السودانية المصرية، بعيدة مئات الأميال عن خطوط القتال الرئيسية. وبُعد المكان عن جبهات الحرب لا يقلل من خطورة ما جرى؛ بل يطرح سؤالاً مباشراً عن الحدود، وعن مسؤولية الدولة في حماية مواطنيها وأرضها ومواردها.
حدود موثقة وخلاف سياسي قائم
ليس الأمر أن الحدود بين السودان ومصر غائبة أو أن المنطقة فراغ جغرافي. فخطوط الحدود ومواضعها موثقة في الخرائط والملفات الرسمية، ومنها خرائط الأمم المتحدة. لكن وجود الخط على خريطة أممية لا يحسم وحده النزاع القانوني على كل قطاع؛ والأمم المتحدة تنبه في خرائطها إلى أن عرض الحدود لا يعني تبني موقف بشأن الوضع القانوني أو ترسيم الحدود. كما تظهر سجلاتها تبادل المواقف المصرية والسودانية بشأن حلايب وشلاتين.
ومن موقف السودان، فإن حلايب وشلاتين وأبو رماد ونتوء أرقين ليست مناطق مباحة أو بلا صاحب. وما نرفضه هو أن تفرض القاهرة تفسيرها المنفرد للحدود، وأن تتحول السيطرة الفعلية إلى حق مكتسب، أو أن يمتد هذا المنطق إلى مواقع التعدين والموارد. أمن الحدود مسؤولية مشتركة، لكنه لا يُصان بالقصف أو بفرض الأمر الواقع؛ بل باحترام السيادة والتحقيق في الانتهاكات والتفاوض على أساس الوثائق والحقوق.
ما الذي نعرفه عن الغارات
جاء عنوان تقرير نيويورك تايمز الظاهر في الصورة المرفقة: «لا كلمات تصف ما حدث». وقال ملخصه إن مقاطع مصورة أظهرت ما يبدو أنها ذخائر مصرية. وهذه قرينة تستحق تحقيقاً جدياً، لكنها لا تكفي وحدها لإصدار حكم نهائي على الجهة المسؤولة. المطلوب تحديد مواقع الضربات بدقة، وفحص الذخائر، والاستماع إلى الناجين، ونشر نتائج التحقيق للرأي العام.
وتتباين حصائل الضحايا المنشورة. فقد قالت «شبكة أطباء السودان» إن القصف أسفر عن مقتل نحو ١٣ شخصاً وإصابة أكثر من ٢٨، فيما ذكرت «محامو الطوارئ» حصيلة أولية بلغت ٧٢ قتيلاً. وأعلن تحالف «تأسيس» أن عدد القتلى تجاوز ٢٠٠. وفي مقطع متداول، قال المستشار المصري يحيى سنادة، استناداً إلى ما وصفه بمصادره، إن القتلى يتراوحون بين ٤٠٠ و٧٠٠ وإن عدد الجرحى بلغ نحو ألف. هذه تقديرات منسوبة إلى أصحابها، ولا تمثل حصيلة مستقلة مؤكدة. ولذلك لا بد من تحقيق يتيح الوصول إلى المنطقة والشهود والمصابين.
وفي تصريح مصوّر أرسله الكاتب، اتهم محمد حمدان دقلو، قائد تحالف «تأسيس»، مصر بالتدخل في قتل المعدّنين السودانيين، وانتقد صمت سلطة بورتسودان إزاء ما جرى. ويضيف هذا التصريح موقفاً سياسياً مباشراً إلى المطالبة بالتحقيق، لكنه لا يغني عن كشف الأدلة وتحديد المسؤولية عبر تحقيق مستقل.
قرائن عسكرية وتقدير سياسي
لا ينحصر القلق في الغارة وحدها. فقد نشرت رويترز في فبراير تقريراً عن ظهور مسيّرات قتالية من طراز «أكينجي» في قاعدة شرق العوينات، ونقلت عن مسؤولين مصريين أن مطارين جنوبيين جُهّزا بمعدات عسكرية لتأمين الحدود وتنفيذ ضربات لحماية الأمن القومي. وفي أعقاب الغارات الأخيرة، قالت القوات المسلحة المصرية إنها تواصل حملة ضد التعدين غير القانوني داخل ما تصفه بالأراضي المصرية، لكنها لم تحدد مواقع العمليات ولم تؤكد أو تنف تنفيذ ضربات داخل السودان.
ومن هذه المؤشرات، فإن تقديري أن مصر الرسمية لا تكتفي بإجراءات أمنية محدودة، بل تتهيأ لمواجهة عسكرية، وربما تُعِدّ لحرب. هذا تقدير سياسي، وليس خبراً عن قرار معلن. لكن نشر المسيّرات، وعسكرة المنطقة، وغموض مواقع العمليات، إلى جانب فرض تفسير أحادي للحدود، تبرر التحذير من أن المنطقة قد تُدفع إلى مواجهة أوسع.
مسؤولية السودان وحق الجوار
وأعلن عبد الفتاح البرهان، قائد الجيش الكيزاني ورأس السلطة الانقلابية في بورتسودان، تشكيل لجنة لتقصي الحقائق. ولا تكتمل هذه الخطوة بإعلان اللجنة وحده؛ بل تتطلب نتائج منشورة، ووصولاً إلى الشهود والمصابين، وتحديداً واضحاً للموقع والجهة المسؤولة. وقد أشارت تقارير إلى أن نتائج تحقيق سابق في حادثة مشابهة خلال يونيو لم تُعلن، ما يجعل نشر نتائج التحقيق الحالي اختباراً للجدية.
لسنا أمام دعوة إلى العداء بين الشعبين السوداني والمصري. فالجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة تفرض التعاون، لكنها لا تبرر الوصاية. المطلوب علاقة بين دولتين متساويتين، تحترم الحدود والموارد، وتدير أمنها عبر قنوات معلنة وقواعد قانونية متفق عليها. لا نريد من مصر أن تخرج من السودان جغرافياً أو اقتصادياً؛ نريدها أن تخرج من فكرة امتلاك السودان.
واجب السودان الآن أن يكشف الحقيقة، ويحمي مواطنيه، ويطالب بإيضاح رسمي للتحركات العسكرية على الحدود. فالسيادة ليست استفزازاً لأحد؛ إنها القاعدة التي تجعل الجوار آمناً والشراكة ممكنة.
مصادر للمراجعة
- The New York Times، عنوان التقرير وملخصه كما ظهرا في الصورة التي أرسلها الكاتب.
- Reuters، تقرير انتشار المسيّرات المصرية قرب الحدود السودانية، ٢ فبراير ٢٠٢٦.
- Associated Press، تقرير ضحايا الغارة على منجم الذهب قرب الحدود، ١١ أكتوبر ٢٠٢٦.
- المنصة، تقرير اختلاف تقديرات الضحايا ولجنة تقصي الحقائق، ١٢ أكتوبر ٢٠٢٦.
- Sudan Tribune، تقرير تشكيل لجنة التحقيق في غارات شمال الوادي، ١٢ أكتوبر ٢٠٢٦.
- Egypt Independent، نقل بيان القوات المسلحة المصرية عن استمرار حملة التعدين، ١٣ أكتوبر ٢٠٢٦.
- الأمم المتحدة، خريطة السودان رقم 4458، أكتوبر ٢٠١١، مع التنبيه الوارد فيها بشأن عدم حسم الوضع القانوني للحدود.
- الأمم المتحدة، سجل رسائل السودان ومصر بشأن حلايب وشلاتين في مجلس الأمن.
- تصريح مصوّر لمحمد حمدان دقلو بشأن القصف والتدخل المصري وصمت سلطة بورتسودان، أرسله الكاتب.
د. أحمد التيجاني سيد أحمد |
Sent from my iPhone
ahmedsidahmed.contacts@gmail.com
