استوقفني كثيراً قول الإمام محمد عبده:
(من عرف الحق عزّ عليه أن يراه مهضومًا.)
ولو حاولنا فهم تلك المقولة لاكتشفنا مدى عمقها، فهى لا تتحدث عن معرفة الحق فحسب، لكنها تقتفي أثر هذه المعرفة في ضمير الإنسان. بمعنى آخر هو يريد ان يقول من عرف الحق حق المعرفة، فلا يمكن أن يقف متفرجًا على من يُظلم أو يُشوَّه أو يُنتقص.
عليه فانه لا بد من القول ان معرفة الحق ليست مجرد اطلاع على الوقائع، ولا القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ فحسب، بل ان معرفة الحق اكبر من ذلك فهي مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون موقفًا فكريًا.
كل ذلك يؤكد حقيقة هامة، ان من استقرت الحقيقة في قلبه، أصبح يؤلمه أن يرى الباطل ينتصر، أو الظلم يستقوي، أو الحقوق تُسلب من أصحابها.
كما انه من الواجب علينا القول ان الصمت عن الحق يؤذي صاحبه قبل أن يؤذي غيره، لأن ضميره يبقى في صراع بين ما يؤمن به وما يفعله. أما من اعتاد على مجاملة الباطل أو تزيينه، فإنه مع مرور الزمن يفقد حساسيته تجاه الظلم، حتى يصبح المنكر عنده أمرًا مألوفًا.
والحق الذي نقصده بلا شك ليس حق الفرد وحده لكنه الحق الشامل، بل كل حق: حق الإنسان في الكرامة، وحق الفقير في العدل، وحق المظلوم في الإنصاف، وحق الأوطان في الأمن والاستقرار، وحق الأجيال في أن ترث أوطانناً أفضل مما ورثناه.
ليس لنا قول غير التأكيد على ان التاريخ لا ولن يخلّد الذين عرفوا الحق وسكتوا عنه، وإنما يذكر أولئك الذين حملوا كلمته، وانتصروا له بل دفعوا حياتهم ثمناً لذلك، وعن الذين صمدوا ودافعوا عنه بما استطاعوا، ولو كان الثمن المال والأبناء والمهج..ولنا في السودان رجال ونساء قالوا
لا عندما اغتصب الحق ومازالت تلك الارض المعطاء تنبت الف ثائر..
هل سمعتم بان الحق يموت ويفنى، اكيد لا
فالحق قد يضعف، لكنه لا يموت. وقد يُحجب زمنًا، لكنه لا يغيب إلى الأبد. وما دام في الناس من يؤمن به ويطالب به، فإن له موعدًا مع الظهور.
ولعلنا قد أدركنا عظمة كلام الامام محمد عبده رضى الله عنه، وفِي راينا أنها تجعل معرفة الحق الشمعة التي تضيء بداية الطريق، حتى نهتدي إلى نهايته؛ فالمعرفة الصادقة تفرض على صاحبها أن يكون نصيرًا للعدل، لا شاهدًا صامتًا على ضياعه.
