كلنا شموليون … يا عزيزي (3-3)

عبد القادر محمد أحمد / المحامي
aabdoaadvo2019@gmail.com

يهدف هذا السرد الوقائعي إلى رصد أخطاء الفاعلين وكافة الأطراف، بما في ذلك الجهات التي غابت عن المشهد، وذلك للتشجيع على الاعتذار ولتسهيل المواجهة بين الجميع وتهيئة الأرضية للحوار. وسأتناول موضوع التفكيك بشيءٍ من التفصيل لأنه مثار جدل.

بدأت الفترة الانتقالية بتحدياتٍ كبيرة؛ فقد تركت المجزرة جرحًا عميقًا في نفوس الثوار، بينما واصل العسكر والإسلاميون تعطيل المسار. وبعض مهام الفترة حرجة، فالتحقيق في المجزرة يعني مواجهة المتهم الأول، وهم العسكر، وإزالة التمكين تعني مواجهة قادة الأجهزة المدنية والشرطية والأمنية، الذين ما زالوا يسيطرون، ورصاصهم لا يزال يحصد الثوار.

بدأت الحاضنة أعمالها وهي متهمةٌ بالإقصاء، وتعاني من عدم التجانس، وانسحاباتٍ وتجميدٍ وعدمِ اعترافٍ من عدة كيانات، أصعبها تجميد حزب الأمة نشاطه أكثر من مرة، وانسحاب الحزب الشيوعي. ولا شك أنها كانت خطواتٍ غير موفقة، مثّلت هروبًا من مواجهة التحديات، وأثّرت في قدرة الحاضنة على القيام بدورها.

الحكومة بدورها واجهت التحديات، وهي تعاني قلة الخبرة السياسية وعدم التجانس، وكانت بحاجةٍ إلى قيادةٍ سياسيةٍ كاريزميةٍ وحكيمةٍ تدرك التعقيدات وتبتكر الحلول. د. حمدوك لم يكن ملمًّا بما يكفي بهذه التعقيدات، فهو تكنوقراطيٌّ مؤدبٌ وهادئ، اتبع سياسة “الحميمية” مع العسكر، لكنها لم تكن كافيةً لطمأنتهم.

وهكذا أصبحت الحكومة وحاضنتها ضعيفتين في مواجهة تحرّشات العسكر والمتربصين، مما أدخل الفترة في حالة ارتباك، فحدث الخلط بين العمل السياسي والثوري، وخطأ التقدير، وربما الاندفاع، فصارت الفترة سهلة الاختراق، وعرضةً للشيطنة.

وكمثالٍ، نجاح خطة شيطنة لجنة التفكيك، حيث تم تشكيلها بقرارٍ سياديٍّ وعضويةٍ من العسكر، بحجة أن دخولهم يمنح اللجنة قدرةً على مواجهة نفوذ التمكين. وفات على المدنيين أن هذا يخالف الوثيقة في حصر تنفيذ المهام على الحكومة، وأن العسكر لا يُوثَق بهم، خاصةً أن التفكيك يشمل شركاتهم المسيطرة على الاقتصاد، وأنهم يقفون مع الإسلاميين ضد الثورة التي تسعى لمحاسبتهم على المجزرة. وبالفعل قام البرهان لاحقًا بتجميد عمل اللجنة، ثم أعادها بشروطه.

دخول العسكر ورئاستهم اللجنة شجّع على وقوع تجاوزاتٍ تخالف شعارات الثورة ودستورها وقانون التفكيك: – تمّت مصادرة أموالٍ دون سماع المعنيين. – تمّ فصل موظفين، بمن فيهم قضاة، دون سماعهم أو وجود شبهة فسادٍ في تعيينهم. – عدم ضبط إجراءات كشف الحسابات البنكية أتاح للبعض اللجوء إلى جهاتٍ خارج اللجنة، وعمل تسوياتٍ وسحب أرصدتهم. – لم تُنشَر تقارير واضحة تبيّن كيفية التصرف في الأموال المصادرة أو تسليمها للمالية بإجراءاتٍ سليمة. – أعطت اللجنة نفسها الحق في إدارة وتشغيل مؤسساتٍ اقتصاديةٍ ومصادرة. – نتج عن حصر بعض المنقولات المصادرة اختفاء بعضها. – استخدام المنابر لإعلان القرارات بمهاجمة المعنيين والتشهير بهم.

لا شك في أهمية الدور الوطني للجنة، وأن ما حدث لا يمسّ حقيقة وجود التمكين، وأن الفساد لم يكن سرقةً أو نهبًا، بل استباحةً للدولة بكاملها. لكنّ اللجنة، وهي من أهم مؤسسات الانتقال، كان عليها أن تُجسِّد المصداقية والمشروعية الأخلاقية والسياسية للثورة، في إقامة دولة القانون والعدالة. لكنها لم تَخْلُ من الاستبداد والتمكين العكسي، وعدم الشفافية، وتصوير عملها وكأنه تصفيةُ حسابات. لقد كان ذلك خصمًا على الثورة بفقدان الكثير من أنصارها، كما قرّب أكثر بين العسكر والإسلاميين، فنفّذوا انقلابهم بذريعة تصحيح المسار.

لقد فات على المدنيين أيضًا أن تعديل قانون التفكيك لإدخال الأجهزة العدلية، كان يهدف في جوهره إلى تجاوز قانون مفوضية الإصلاح العدلي، الذي حدد كيفية تشكيل المحكمة الدستورية، أي أن الغاية من التعديل كانت تفادي قيام المحكمة الدستورية، لتظل الأحكام الصادرة بالإعدام دون تنفيذ.

الثورة قد تنتكس، لكنها لا تُهزَم ولا تموت. وما حدث، مهما كان مرًّا، يجب أن نعترف به ونعتذر عنه تصحيحًا للمسار، والدخول في الحوار الذي يفضي إلى مصالحةٍ وطنيةٍ، كطريقٍ لا مناص منه للخروج من الأزمة.

الحديث عن حلّ الأزمة له عدة محاور، أتناول هنا بعضًا منها:
▪️ لتهيئة مناخٍ إيجابيٍّ للحوار، على جميع أطراف المشهد تقديمُ اعتذارٍ عامٍّ للشعب عن الأخطاء التي صاحبت إدارة الدولة والصراع وأداء المهام، كبادرةِ حسنِ نيةٍ لا تُرتِّب تبعاتٍ قانونية، على أن تُحدَّد المسؤوليات لاحقًا عبر قانون عدالةٍ انتقاليةٍ تصالحية.

▪️ تحديد الإسلاميين الذين يشملهم الحوار يتم وفق قاعدةٍ جامعةٍ ومانعةٍ، لتشمل التيارات الإسلامية السياسية والدعوية التي تنبذ العنف وتلتزم بالعمل السلمي، ولم تتورط في الحرب، أو في انتهاكاتٍ جسيمة، وتقبل بتداول السلطة سلميًّا في إطار حكمٍ تعدديٍّ يقوم على عقدٍ اجتماعيٍّ متوافقٍ عليه، وبتفكيك دولة الحزب الواحد، والالتزام بمعالجة المظالم والفساد ضمن عدالةٍ تصالحية. أما المتطرفون أو المتورطون في الحرب ومرتكبو الجرائم الجسيمة، فيُحدِّد الحوار كيفية التعامل معهم.

▪️ الجنرالان البرهان وحميدتي يشكلان خطورةً على الدولة واستقرارها، لذلك يجب التفكير في تسويةٍ تاريخيةٍ تُخرجهما من المشهدين العسكري والسياسي.

▪️ القوات المسلحة مؤسسةٌ وطنيةٌ يجب التمسك بها، مع أهمية إعادة الهيكلة والإصلاح، وإعادة الضباط ذوي الخبرة والسيرة الحسنة.

▪️ الاتفاق على فترةٍ انتقاليةٍ لا تقل عن خمس سنواتٍ لإعادة ترتيب الدولة، وترميم العلاقات الخارجية، وتهيئة المناخ للانتخابات، وتمكين الأحزاب من مراجعة فكرها وتبني نهجٍ ديمقراطيٍّ حقيقي.

إنّ تصوّر حلّ الأزمة مسألةٌ بالغة التعقيد، تتجاوز ما يمكن أن يتناوله أفرادٌ أو مجموعاتٌ في مقالاتٍ صحفية. وما طرحته مجرد وجهة نظرٍ في جوانب محددة، لتكون عرضةً للنقاش في إطار تبادل الأفكار. والرأيُ الصواب يخرج من رحم الرأي الخطأ، وما قصدتُ إلا الخير.

عن عبد القادر محمد أحمد/المحامي

عبد القادر محمد أحمد/المحامي

شاهد أيضاً

القوى المدنية: غياب سببه الخلط بين الاندماج السياسي ووحدة الصف الوطني والتنسيق

عبد القادر محمد أحمد / المحاميaabdoaadvo2019@gmail.com في تصريح لوسائل إعلام عالمية، قال د. حمدوك إن …