بقلم: لوال كوال لوال
ليس السودان بلدًا فقيرًا حتى يبرر ما يعيشه من أزمات متلاحقة، بل هو من أكثر الدول الإفريقية ثراءً بالموارد الطبيعية. فمن الذهب إلى النفط، ومن الأراضي الزراعية الخصبة إلى المراعي الشاسعة، ومن الأنهار إلى المعادن النادرة، يبدو وكأن الطبيعة قد أغدقت عليه كل أسباب النهضة. ومع ذلك، فإن هذا البلد ظل لعقود طويلة أسير الحروب والانقسامات والفقر والنزوح. وهنا يبرز السؤال المؤلم: كيف يمكن لدولة بهذا الحجم من الثروات أن تصبح واحدة من أكثر الدول معاناة؟ ليست اللعنة في الذهب، ولا في النفط، ولا في الأنهار، ولا في الأرض، وإنما في الطريقة التي أُديرت بها هذه الثروات. فالموارد الطبيعية، في أي دولة مستقرة، تُعد أساسًا للتنمية، وبوابةً لبناء المدارس والمستشفيات والجامعات وشبكات الطرق ومشروعات الكهرباء والمياه، بينما تحولت في السودان، في نظر كثيرين، إلى مصدر للصراع السياسي والعسكري، وإلى وسيلة لتغذية الانقسامات، وإدامة الحروب، بدلاً من إنهائها. كان من الممكن أن يصبح الذهب السوداني مصدرًا لازدهار الاقتصاد الوطني، لكنه أصبح في كثير من الأحيان محورًا للتنافس المسلح، وسببًا لظهور مراكز نفوذ جديدة تتصارع من أجل السيطرة على المناجم ومناطق الإنتاج. وبدلاً من أن ينعكس عائد الذهب على حياة المواطن، بقي المواطن يراقب ثروته وهي تغادر البلاد بينما تزداد حياته صعوبة، ويزداد الفقر اتساعًا. والنفط لم يكن أوفر حظًا. فقد كان اكتشافه فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة وتحقيق التنمية المتوازنة بين الأقاليم، إلا أنه تحول إلى أحد أهم أسباب الصراع السياسي والعسكري. وأصبح النفط، الذي كان يُفترض أن يكون جسرًا للوحدة، سببًا إضافيًا لتعميق الانقسام، حتى انتهى الأمر بانفصال جنوب السودان، بينما بقيت المناطق المنتجة للنفط نفسها تعاني من غياب الخدمات الأساسية ومن آثار الحرب. أما الأراضي الزراعية، وهي من بين الأغنى في إفريقيا، فقد كان يمكن أن تجعل السودان سلة غذاء حقيقية للقارة، لكن الإهمال والصراعات وانعدام الاستقرار السياسي حالت دون تحقيق هذا الحلم. ملايين الأفدنة الخصبة بقيت خارج دائرة الإنتاج، بينما أصبحت البلاد تستورد كثيرًا من احتياجاتها الغذائية، في مفارقة يصعب تفسيرها إلا بسوء الإدارة وغياب التخطيط. ولا تختلف المراعي كثيرًا عن بقية الموارد. فبدلاً من أن تكون مساحة للتعاون والتكامل الاقتصادي بين المجتمعات الرعوية والزراعية، أصبحت في كثير من الأحيان ساحة للنزاعات المحلية، خاصة عندما تغيب الدولة وتضعف المؤسسات القادرة على تنظيم استخدام الموارد بصورة عادلة ومتوازنة. إن المشكلة الأساسية في السودان ليست ندرة الموارد، وإنما غياب الدولة القادرة على إدارتها بعدالة. فعندما تغيب المؤسسات، تصبح الثروة عاملًا لجذب الصراعات بدلًا من جذب الاستثمار. وعندما تغيب سيادة القانون، يتحول التنافس على الموارد إلى صراع مسلح، وتصبح القوة هي الوسيلة الوحيدة لحسم الخلافات. ولعل أكثر ما يؤلم في التجربة السودانية هو أن الموارد الطبيعية أصبحت، في نظر كثير من المواطنين، لعنة أكثر منها نعمة. فكلما اكتُشفت ثروة في منطقة ما، ارتفعت مخاوف السكان بدلاً من آمالهم. إذ يخشى الناس أن تتحول منطقتهم إلى ساحة صراع جديدة، أو أن يصبح وجودهم على أرضهم محل نزاع بسبب ما تختزنه من ثروات. وفي دارفور، التي تمتلك موارد طبيعية كبيرة إلى جانب موقعها الاستراتيجي، أدت سنوات الحرب إلى مآسٍ إنسانية واسعة، شملت النزوح والقتل وتدمير القرى. ويرى كثير من المراقبين أن النزاع لم يكن منفصلًا عن التنافس على الأرض والموارد، إلى جانب العوامل السياسية والاجتماعية الأخرى التي غذّت الصراع. أما في أبيي، فقد ارتبط النزاع لعقود بمزيج معقد من الهوية، والسيادة، والموارد الطبيعية، خاصة النفط. ويعتقد كثير من أبناء المنطقة أن استمرار عدم حسم وضع أبيي ساهم في إطالة معاناة السكان، وتعطيل التنمية، وخلق بيئة من عدم اليقين دفعت آلاف الأسر إلى النزوح وفقدان مصادر رزقها. كما تبرز مخاوف متكررة من أن تؤدي آثار الحرب والنزوح إلى تغييرات ديموغرافية تفرضها الوقائع على الأرض، بدلًا من أن تُحسم القضايا عبر الاتفاقيات والقانون. هذه ليست مشكلة دارفور وحدها، ولا مشكلة أبيي وحدها، بل هي مشكلة نموذج كامل لإدارة الدولة. نموذج يرى في الثروة أداة للسيطرة، لا وسيلة للتنمية؛ وفي الأرض غنيمةً سياسية، لا وطنًا يتساوى فيه الجميع. ولو تأملنا تجارب كثير من الدول، لوجدنا أن الموارد الطبيعية ليست سببًا للحروب في حد ذاتها، بل إن طريقة إدارتها هي التي تحدد ما إذا كانت ستصبح نعمة أو نقمة. فهناك دول لا تملك جزءًا يسيرًا مما يملكه السودان، لكنها نجحت في بناء اقتصادات قوية لأنها اعتمدت على الشفافية، وسيادة القانون، والتوزيع العادل للثروة. وفي المقابل، هناك دول غنية بالموارد لكنها تعاني من ما يعرف بـ”لعنة الموارد”، حيث تتحول الثروة إلى مصدر دائم للفساد والصراع وعدم الاستقرار. لقد دفع المواطن السوداني الثمن الأكبر لهذه السياسات. فهو لم يستفد من الذهب، ولم يجنِ ثمار النفط، ولم يرَ خير الأراضي الزراعية، ولم يشعر بأن الأنهار التي تجري في وطنه قد وفرت له حياة كريمة. بل وجد نفسه في كثير من الأحيان نازحًا أو لاجئًا أو عاطلًا عن العمل، بينما تستمر الصراعات حول الموارد التي كان يفترض أن تكون مصدرًا لازدهاره. إن بناء الدولة لا يبدأ من اكتشاف مورد جديد، وإنما يبدأ ببناء مؤسسات قوية تحمي ذلك المورد وتضمن توزيعه بعدالة. فالثروة التي لا تُدار بالشفافية تتحول إلى عبء، والموارد التي لا تخضع للمساءلة تصبح وقودًا للصراعات، والدولة التي تعجز عن حماية مواطنيها لن تستطيع حماية ثرواتها. لقد آن الأوان لأن يتغير السؤال. فبدلًا من أن نسأل: كم يملك السودان من الذهب أو النفط أو الأراضي الزراعية؟ ينبغي أن نسأل: لماذا لم تتحول هذه الثروات إلى رفاهٍ للمواطن؟ ولماذا ظل السوداني، رغم كل هذه الموارد، يعيش بين الحرب والفقر والنزوح؟ إن السودان لا يحتاج إلى اكتشاف ثروات جديدة، فثرواته معروفة منذ زمن. ما يحتاجه هو اكتشاف إرادة سياسية جديدة، تؤمن بأن الموارد خُلقت لبناء الإنسان قبل بناء الخزائن، ولإقامة السلام قبل تمويل الحروب، ولتحقيق العدالة قبل خدمة المصالح الضيقة. فالذهب لا يقتل أحدًا، والنفط لا يشعل الحروب، والأرض لا تزرع الكراهية. البشر هم من يقررون كيف تُدار هذه الموارد، إما لتكون جسورًا نحو المستقبل، أو وقودًا لمزيد من الانقسام والدمار. ولذلك، فإن اللعنة ليست في موارد السودان، بل في العقلية التي تعاملت معها باعتبارها غنائم حرب، لا أمانة وطن. وعندما تتغير هذه العقلية، ستتحول تلك الموارد، التي طالما ارتبطت في أذهان الناس بالصراع، إلى أساس لدولة عادلة، يسودها السلام، ويشعر فيها كل مواطن بأن ثروة وطنه هي حق له، لا سبب لمعاناته.
lualdengchol72@gmail.com
