الثبات الذي أظهره الصبي الشهيد الطيب الهادي؛ الذي راح ضحية الاعتداء المصري الجوي الغاشم؛ أحيا تاريخ البطولة السودانية في مواجهة الشدائد، و في مواجهة الموت نفسه، تاريخ “عبدالقادر ودحبوبة” و عبدالفضيل الماظ و تاريخ “عبدالخالق والشفيع وجوزيف” و “وبابكر وفاروق وهاشم”، تاريخ محمد نور سعد، ومحمود محمد طه، وتاريخ “خالد الزين و الكدرو ومحمد عثمان ورفاقهم من شهداء ٢٨ رمضان”، وثبات عبدالعظيم ورفاقه من شهداء وشهادات ديسمبر ٢٠١٩م و سبتمبر ٢٠١٣م و أكتوبر ٢٠٢١م، وغيرهم كثير من الذين (زلزلوا بثباتهم المشانق)، و كتائب الإعدام العسكرية، وأشهدوا الموت منهم وقار لايقل عن وقاره.
بل جنود كوش من قبل (جنود بعانخي وتهارقا)، وتاريخ كل الأمة السودانية في مواجهة المحن؛ سواء جور الزمان من مَحْل ومجاعات أو طوفان وامراض، أو جور الانسان من عدوان خارجي او طغيان داخلي .
بل زاد علي ذلك، إذ هو ثبات صبي لم يبلغ الحلم أو بالكاد بلغه، ومع ذلك ظهر أمام الموت رابط الجأش لم يجزع ولم يطلع، و لم ينسي -في تلك اللحظة العصيبة- حق خالقه عليه، ولا حق إخوته عليه، ولا حقوق معارفه من أموال وديون، فترك وصية من الكمال والتمام ما لايشوبه شائبه.
لله درك ايها الطيب الهادي..
طبت حيا وميتاً، وتقبلك الله ورفاقك في الشهداء وانزلكم عنده في مقام الانبياء والصالحين (آمين).
وصيتك هذه ثباتك المشهود ليست لازمة لإخوانك وحدهم، بل تلزم أي سوداني سمعها أو لم يسمعها، و
“كيلتي” السمسم ماعادتا في ذمتك، ولا شوالي العيش؛ ولا هما في ذمة اخوتك الصغار -الذين انت عائلهم الوحيد.
“كيلتي” السمسم و “شوالي” العيش و”الصدقة” التي أمرت بها ، ومسؤولية اخوانك الصغار من قبل ذلك ومن بعده، كل ذلك الأن في ذمة كل سوداني عاقل وبالغ، من البرهان و كامل ادريس “أولياء الأمر /كما يزعمان” وحتي ادني مواطن.
أما أولياء الأمر المزعومان وبطانتهم من ذمرة المستشارين والوزراء والمدراء و خبراء الاستراتيجية وداعميهم بغير احسان من مؤيدي الحرب والاستبداد والفساد.. فتري هل يبدون ذات الثبات ورباطة الجأش حين تحين ساعتهم (بعد عمر يطول أو يقصر)؟! وهل سيذكرون ما بذمتهم؟ وهل يوصون بما في ذمتهم لله وللشعب..؟؟
كم “كيلة” سمسم و كم “شوال” عيش في ذمتهم الخربة لك ولأهل السودان!! هل يعلمون؟!
وكم كيلو/طن ذهب ؟ وكم مليون دولار/وترليون جنيه؟ وكم فدان/كيلومتر مربع اراضي؟ سرقوا واختلسوا و(جنّبوا) وهرّبوا؟ و استولوا بغير وجه حق؟! هل يعلمون؟!
لا بل كم من حقوق متعلقة بأرواح و دماء وأطراف وأموال خاصة وعامة عليهم وفي ذمتهم للغير وللشعب؟ هل يعلمون؟
كم اعتقلوا و سجنوا وعذّبوا بلا مسوغ قانوني؟ إنما استغلالاً للنفوذ وللسلطة المطلقة؟ وظلماً وطغيان؟!! هل يعلمون؟!
وكم شردوا؟
وكم حرموا من ضعيف و يتيم؟ من شيخ وطفل؟ حقه في العلاج و في التعليم وفي العمل الشريف وفي لقمة العيش وفي الأمن والأمان؟ هل يعلمون؟!
هم قد يثقون في قدرتهم علي الافلات من المحاسبة في حياتهم! بعد أن جعلوا نهج الإفلات من العقاب قاعدة عامة وثقافة وأسلوب حياة في ارض السودان؟
وهم قد لا يؤمنون بالبعث وب(يوم يقوم الناس لرب العالمين)؛ أو لعلهم يظنون أن لديهم من (الصالحات) ما يشفع لهم و يكفر عنهم (السيئات) التي اغترفوها.
قد يكون هذا أو ذاك! أو هذا وذاك !!
لكن أ يظنون أن افلاتهم من عدل الأرض و(فوزهم) بغفران ورحمة العدالة السماوية يمكن أن يقع بلا شرط ؟ وبلا حد؟
كلا، فبين عدل الارضيين وعدالة السماء هناك (العدالة الطبيعية)، وهي التي تمهد بينهما و تنقل من الأولي الي الآخره.. قد ينجو أحد من عدالة الأرض فلا تقبضه شرطة ولا تحاكمه سلطة، لكن تقتص منه العدالة الطبيعية بأحد ادواتها وهي أكثر مما يظننون، فتقتص ممن ظلم وتأتيه من حيث لا يحتسب فتأخذ ما أخذ كاملا وهو في أمس الحاجة إليه؛ أو تأخذ من صحته أو سمعته .. الخ
وهي -العدالة الطبيعية- من آيات الله، و من علائم حكمته و مكره (ولله المكر جميعاً) و(ولا يأمن مكر الله الا القوم الخاسرون) وهم كذلك.
- ابونوره اوهاج
