كفى بك داءً
عند خارطة الطريق: أي الطريقين أرشد؟ .. بقلم: د. مجدي الجزولي
يبدو من قرائن الأحوال أن قوى الحكم اهتبلت الفرصة المعروضة عليها فخرج البشير في خطاب الوثبة بما يعتبر شكلا صيغة للحوار الوطني، يحفزها تحذير الغضب الشعبي في سبتمبر ٢٠١٣. جذبت هذه الصيغة أول الأمر القسط الأكبر من قوى المعارضة الحزبية بمشاركة حزب الأمة، لكن سارت الأمور على غير ما يشتهي الصادق المهدي إذ أصرت الحكومة على مقعد القيادة في الحوار الوطني وتلكأت خطواتها فيه تنتظر جزرة المجتمع الدولي التي لم تعدو حتى الآن حد “الضواقة”. أصرت الحكومة في رعشة ديمقراطية على مساواة المشاركين في الحوار، من في صفها كمعارضيها كأسنان المشط، كل من آنس في نفسه كفاءة الحزب استحق صوتا، فرفضت صيغة الصادق المهدي القائمة على أفضلية “الأحزاب التاريخية” وتجريد أحزاب “الفكة” في عبارته من مواقعها. تصديقا لمطلوبات “الهبوط الناعم” سئ الذكر ائتلفت أطراف الجبهة الثورية وحزب الأمة وأحزاب الاجماع الوطني وقوى المجتمع المدني تحت لواء نداء السودان، فهي أيضا لم تملك سوى مسايرة المجتمع الدولي في الذي طلب أملا في التغيير. إن استعدت الحكومة لاستحقاق الحوار بتوسيع ساحة المناورة عدمت المعارضة الحزبية السبل لتجنيد القوى الجماهيرية خلف مطالبها، فوقفت في سبتمبر ٢٠١٣ موقف المتفرج ثم ما لبثت أن استكانت كلية إلى الخطة التي يسبها البعث والشيوعي اليوم باعتبارها مؤامرة امبريالية، تدعو إلى الحوار وتأنف منه وتدعو إلى الانتفاضة الشعبية ثم “تنط” كما فعلت حين جاءها تلاميذ المدارس بقمصانهم الدموية.
ها هي ذات القيادة، وقد استقرت في حجر البعث العربي الاشتراكي، تفصل حلفاء الحد الأدنى في قوى الاجماع الوطني بدعوى مجاراتهم للخطة الدولية فماذا حققت؟ انفصلت هي عن غالب القوى المعارضة التي قبلت، بعد لأي أو بغيره، بخارطة الطريق الافريقية، قاعدة التفاوض الجاري، وعزلت نفسها عن الصراع السياسي في صيغته المرعية دبلوماسيا، ورب ضارة نافعة. يمثل هذا التفكك الهزلي لحلف المعارضة، الجبهة الثورية جبهتين، وقوى الاجماع الوطني اجماعين، فرصة لتجاوز تراكيب المعارضة الحالية وقد انقطعت بها السبل. لكن، لم يفتر الناس خارج عالم “زادنا” و”زين” من ابتكار مواعين وطرائق للتعبير عن مناهضتهم للجوهر الرأسمالي لنظام الحكم، تحت قيادة المؤتمر الوطني ورئيسه أو سواهم. كفانا المسطول في النكته السارية تعريف خط الصراع الاجتماعي حين سئل “عايز تعيش وين”، فرد قائلا “في عالم زادنا”، العالم الذي يراه على الشاشات، حلو عامر مبهج نظيف مرطب، وينظر حوله فلا يطيق إليه وصولا. ما قوى سبتمبر ٢٠١٣ التي نهضت للمقاومة وتلكأت الأحزاب إلا مقدمة باكرة للحلف الجماهيري الذي متى استقام وبرز التنظيم السياسي الذي يعبر عن مصالحه الطبقية بقادر على شد ميزان القوى لصالح “فقراء الريف والحضر” في عبارة تقرير مجموعة الأزمات الدولية الساهية. ظلت العقبة التي تلازم عمل المعارضة لعقود التناقض القائم بين القوى الحزبية المدنية والقوى المسلحة، وهو تعبير ملح عن التناقض بين الحضر والريف أو المركز والهامش، ولكل تكنولوجيا خاصة يرجو بها إعادة تركيب السلطة، الانقلاب والحرب الريفية. اجتمعت لشعبنا من التجربة السياسية مع الإثنين ما يزكي الطريق الثالث المهمل، الطريق الذي انقطع مرة وأخرى بجذب الانقلاب بعد ما حاق بقوى اكتوبر تحت قيادة البرجوازية الصغيرة الحضرية، وبجذب العمل المسلح بعد ما برزت ميزاته للبرجوازية الصغيرة الريفية تحت تأثير الحركة الشعبية لتحرير السودان، ذات الطريق الذي بشر به المرحوم عبد الخالق محجوب داعيا إلى العمل الصبور الدؤوب وسط الجماهير ومزاوجة الديمقراطية الليبرالية بالنشاط الثوري للقوى الشعبية.
لا توجد تعليقات
