علاء خيراوي
khirawi@hotmail.com
من هو الجاني؟ من هو الضحية؟ ومن الذي يكتب القصة الأخيرة؟ في السودان اليوم، ومع انشقاقات قادة ميدانيين وانضمامهم إلى طرفٍ كان بالأمس خصمًا، تبرز أسماء مثل كيكل والقُبّة بوصفها اختزالًا مأساويًا لهذا السؤال الأخلاقي المؤجل. فهؤلاء لم يأتوا إلى المشهد محايدين؛ بل يلاحقهم تاريخ ثقيل من الاتهامات بجرائم ضد المدنيين، في حربٍ تجاوز عدد ضحاياها وفق تقديرات واسعة نحو ٢٠٠ ألف قتيل، فيما لا يزال الرقم الرسمي الموثق يدور في نطاق عشرات الآلاف فقط، بسبب انهيار منظومات التسجيل والعدالة. لكن ما يلفت النظر ليس فقط انتقال هؤلاء بين المعسكرات، بل الصمت المدوي الذي يحيط بملف العدالة. إعلام الطرفين يتحدث عن المكاسب العسكرية، عن “استيعاب” القادة، عن “توسيع الجبهة”، عن “تفكك العدو”، وعن “العودة الي حضن الوطن”. كل شيء يُقال إلا السؤال الأهم؛ ماذا عن الضحايا؟
هنا تتجلى المفارقة القاسية. بلدٌ يعيش أكبر أزمة نزوح في العالم، أكثر من ١٥ مليون نازح ولاجئ وأكثر من ٣٩ مليون إنسان في دائرة الحاجة الإنسانية والجوع، ومناطق مثل دارفور والفاشر تُسجّل مجازر مستمرة، حيث قُتل أو شُوّه أكثر من ١٣٠٠ طفل في فترة وجيزة… ومع ذلك، يتحول المتهمون إلى أوراق سياسية قابلة للتدوير، لا إلى متهمين في مسار قضائي واضح. إن انتقال كيكل أو القُبّة من موقع إلى آخر لا يُسقط عنهم المسؤولية، بل يضاعفها. لأن أخطر ما في هذه التحولات ليس بعدها العسكري، بل رسالتها الضمنية؛ أن الانتماء يمكن أن يغسل الدم، وأن تغيير الزيّ كفيل بمحو الذاكرة. وهذه ليست مجرد إهانة للضحايا، بل تأسيس لمرحلة قادمة يكون فيها الإفلات من العقاب هو القاعدة، لا الاستثناء.
التاريخ القريب للسودان، منذ دارفور الأولى إلى حرب الخرطوم، يثبت أن تأجيل العدالة لا يحقق الاستقرار، بل يؤجل الانفجار. كل اتفاق سلام لم يُبنَ على مساءلة حقيقية، كان مجرد هدنة بين جولات عنف. وكل قائد أفلت من الحساب، كان بذرة لجولة قادمة. لذلك، فإن تجاهل ملف العدالة اليوم، في ظل هذا الحجم الهائل من الضحايا، ليس خطأً سياسيًا فقط، بل خطيئة تأسيسية. مفهوم العدالة في السودان اليوم لا تعد ترفًا، ولا بندًا مؤجلًا في مفاوضات قادمة؛ بل هي الشرط الوحيد لعدم تكرار الكارثة. العدالة تعني توثيق الجرائم، تعني تحديد المسؤوليات الفردية، تعني محاكمات، وإن تأخرت، لكنها لا تسقط بالتقادم السياسي. وتعني قبل ذلك كله، الاعتراف بأن الدم الذي سُفك، سواء في دارفور أو الخرطوم أو الجزيرة، لا يمكن أن يُختزل في صفقة أو يُمحى بخطاب إعلامي. كيكل والقُبّة ليسا مجرد اسمين في قائمة طويلة؛ إنهما اختبار. اختبار لقدرة السودان، دولةً ومجتمعًا، على مواجهة ماضيه بدل الهروب منه. اختبار لما إذا كانت هذه الحرب ستنتهي بإعادة إنتاج نفس البنية التي صنعتها، أم بكسرها.
أما العدالة التي تنتظرهما او غيرهما، فهي لا تتحرك بسرعة البنادق، لكنها لا تموت. قد تتأخر، قد تتعثر، قد تُساوَم سياسيًا، لكن تجارب العالم، من البلقان إلى رواندا تقول إن الجرائم الكبرى تترك أثرًا أطول من عمر التحالفات العسكرية. وحين تهدأ الحرب، وتُفتح الملفات، لن يكون السؤال؛ مع من كانا؟ بل ماذا فعلا؟ وهنا، في هذه اللحظة الفاصلة، يقف السودان بين طريقين؛ إما أن يواصل تدوير الوجوه نفسها في معادلات جديدة، أو أن يبدأ أخيرًا في كتابة فصل مختلف، فصل تُقال فيه كلمة واحدة بوضوح لا لبس فيه؛ لا أحد فوق العدالة.
“عفا الله عما سلف” ليست مصالحة؛ بل إلغاءٌ للضحايا، وفتحٌ لباب جولةٍ قادمة. العدالة الانتقالية هنا ليست بندًا تفاوضيًا، بل شرط تأسيسي للدولة. ولأجل ذلك، يلزم تحويلها من شعارٍ أخلاقي إلى برنامجٍ مُحكَم، متدرّج، ومحصّن ضد المساومات. أولًا، الإطار الدستوري والقانوني؛ يجب إقرار مبدأ عدم الإفلات من العقاب نصًا واضحًا في الإعلان الدستوري الانتقالي، مع تحصينه من أي عفوٍ عام. تُنشأ منظومة قوانين عاجلة تُعرِّف الجرائم الدولية (الإبادة، الجرائم ضد الإنسانية، جرائم الحرب) وتمنع التقادم عنها، وتضمن استقلال القضاء والنيابة، مع آليات لحماية الشهود والضحايا. لا سلام بلا قانون، ولا قانون بلا حصانةٍ من السياسة. ثانيًا، هيئة مستقلة للعدالة الانتقالية؛ تُنشأ بتمثيلٍ مدني واسع، مع مفوضيات فرعية واضحة الاختصاصات؛ (لجان تحقيق، وحدة للطب الشرعي، سجل وطني للمفقودين، وحدة توثيق رقمي). تُمنح صلاحيات الاستدعاء، والحصول على الوثائق، والوصول إلى مواقع الانتهاكات. استقلال هذه الهيئة، ماليًا وإداريًا، خطٌّ أحمر. ثالثًا، التوثيق والحفظ قبل أي تسوية؛ يبدأ العمل فورًا بجمع الأدلة، حفظها رقميًا وبمعايير دولية، وتأمين المقابر الجماعية ومواقع الجرائم. لا تُبنى القضايا على الذاكرة وحدها؛ بل على الأدلة المادية وسلاسل الحيازة القانونية. إشراك منظمات المجتمع المدني والناجين ضروري لتوسيع قاعدة الحقيقة ومنع ضياعها. رابعًا، مسار قضائي مزدوج ومتكامل؛ محليًا؛ دوائر خاصة داخل القضاء لمحاكمة الجرائم الجسيمة، بقضاة مُدرَّبين وحماية أمنية. دوليًا/هجينًا؛ تعاون مؤسسي مع المحكمة الجنائية الدولية حيثما تعذّر الاختصاص أو الحماية، أو إنشاء محكمة مختلطة سودانية-دولية تضمن المعايير والإسناد الفني. هذا التكامل يمنع “تسييس العدالة” ويغلق منافذ الإفلات. خامسًا، الحقيقة قبل المصالحة؛ تُنشأ لجنة حقيقة بولاية زمنية محددة، تستمع علنًا للضحايا والجناة وفق شروط، وتصدر تقريرًا نهائيًا ملزمًا بالتوصيات. المصالحة، إن جاءت، تأتي بعد الاعتراف، لا بدله. لا عفو بلا كشفٍ كاملٍ للحقيقة ولا بلا اعترافٍ فردي بالمسؤولية. سادسًا، جبر الضرر والتعويضات؛ برنامج وطني متعدد الأدوات؛ تعويضات مالية، إعادة تأهيل، دعم نفسي واجتماعي، إعادة توطين، وردّ الاعتبار الرمزي (نُصُب تذكارية، تسمية الأماكن، يوم وطني للضحايا). يُموَّل جزئيًا من أصول مُصادَرة من شبكات الفساد والانتهاكات، مع رقابة شفافة. سابعًا، إصلاح القطاع الأمني والعدلي؛ تفكيك البُنى الموازية، إعادة هيكلة القوات وفق عقيدة وطنية مهنية، تدقيق السجلات لاستبعاد المتورطين في الانتهاكات من مواقع السلطة، وبناء أجهزة شرطة ونيابة قادرة على إنفاذ القانون دون تمييز. لا عدالة بيد جهازٍ غير مُصلح. ثامنًا، ترتيبات مؤسسية تمنع العودة للوراء؛ شرط “خلوّ الذمة الحقوقية” لتولي المناصب العليا. نشر دوري لتقارير التقدم في العدالة الانتقالية أمام البرلمان الانتقالي. آليات رقابة مجتمعية وإعلامية، وحماية قانونية للمبلغين. إدماج تعليم حقوق الإنسان في المناهج، لضمان ذاكرة وطنية حية. تاسعًا، توقيتات واضحة؛ خطة على ثلاث مراحل؛ (٠–٦ أشهر) توثيق وحفظ الأدلة وتأسيس المؤسسات؛ (٦–٢٤ شهرًا) بدء المحاكمات وجلسات الحقيقة وبرامج جبر الضرر؛ (٢٤–٤٨ شهرًا) تعميق الإصلاحات المؤسسية وإغلاق الملفات الكبرى بتقارير نهائية. الزمن ليس تفصيلاً؛ بل ضمانة ضد التمييع. عاشرًا، ميثاق سياسي مُلزم؛ توقع عليه القوى المدنية كافة؛ ومَن يلتحق بالعملية السياسية، يتعهد بعدم استخدام العفو الشامل كأداة تفاوض، وباحترام مسارات العدالة. هذا الميثاق هو السدّ أمام إغراء “الصفقات السريعة”. إنّ الطريق شاق، لكنه الطريق الوحيد. فالدولة التي تُبنى على التسويات القصيرة تُعيد إنتاج أزماتها، أمّا الدولة التي تُبنى على العدالة فتُراكم الثقة. وبين هذين الخيارين، تقف القوى المدنية أمام مسؤولية تاريخية؛ أن تُنهي قرنًا من التسامح مع الجريمة، وتبدأ عهدًا من الإنصاف للإنسان. يومها فقط، لن تكون العدالة شعارًا يُرفع، بل نظامًا يُحكَم به، وحينها، لا يعود أحدٌ قادرًا على الاحتماء برايةٍ تقول؛ “عفا الله عما سلف”
khirawi@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم