لا توجد عنصرية قانونية .. ولكن

 


 

 

 

لا يوجد قانون واحد في السودان ينص في قاعدة من قواعده على سلب امتيازات بسبب اختلاف العرق أو اللون ، بل أن المشرع نفسه محاط بحظر دستوري على هذا النوع من انواع التمييز العنصري . ولذلك علينا أن نقول مبدئيا أنه لا يوجد تمييز عرقي قانوني . بل أن منع التمييز العرقي يأتي بحماية دستورية فوق هذا.
إن مشكلة التمييز العنصري في حقيقتها مشكلة بدأت اجتماعية محضة وليست قانونية ، وانتقلت من اجتماعيتها الى عالم السياسة نتيجة لانهيار الأحزاب السياسية مما دفع الكثيرين الى الرجوع الى الحماية البدائية عبر القبيلة والعرق وفي أحيان كثيرة جدا بناء كيانات ذات طابع عرقي لم تمنعه الحكومة بل دعمته ووقفت الى جانبة ، ففي العاصمة المثلثة يمكنك أن تلاحظ بوضوح وجود تجمعات عرقية تحت غطاء مؤسسي كتجمع ابناء النوبة وتجمع ابناء المسيرية وخلافه ، وتقوم الحكومة بدعم سخي لهذه التجمعات عبر منحها الأراضي السكنية وتسهيل معايش رؤسائها أو نظارها ، والمثقفون وأصحاب الطموحات في الكثير من الأقاليم استخدموا التمييز العنصري كأداة سياسية وشعار لتجميع وتكتيل قبائلهم بغرض حمل السلاح ومن ثم ينال هؤلاء المثقفون المناصب الدستورية نتيجة محاصصات واتفاقيات مع الحكومة ..
لقد استخدم اغلب زعماء الحركات المسلحة كرت العنصرية أمام النظام الحاكم الذي وقف حائرا وغير قادر على الدفاع عن نفسه أمام هذه المزاعم التي تسندها حقائق اجتماعية وليس قانونية .
في الواقع إن البحث لايجاد حلول لوقف وكبح العنصرية الاجتماعية باءت بالفشل في أغلب دول العالم .. وكان الحل دائما هو بناء دولة القانون والمؤسسات التي يتساوى فيها الجميع في الحقوق والواجبات كما تم وضع قواعد قانونية صارمة ضد استغلال الوظيفة العامة للقيام بتمييز عنصري في مسائل التعيين والتوظيف او الاستفادة من مرافق الدولة المختلفة.
لم تمنع هذه القوانين التي رتبت جزاءات ادارية كالفصل من الخدمة او مدنية كالتعويض أو جنائية عبر تجريم الفعل العنصري وايقاع العقاب عليه ، لم تمنع من الممارسة الاجتماعية ولكنها استطاعت ان ترسم حدود لهذه الممارسة بحيث تكون العنصرية محصورة في اطار شخصي ضيق لا تتعداه الى انتهاك حقوق وحريات الآخريت أو الدعوة الى استخدام العنف ، مع ذلك هناك من العنصريين من يستطيعون استغلال البيروقراطية الادارية لممارسة التمييز العنصري دون اخلال بالقانون ، وهذا ما لاحظته عن قرب في احدى السفارات السودانية حيث كان الموظف يتساهل مع مجموعات عرقية معينة في انهاء الاجراءات الادارية ويتعنت مع مجموعات عرقية أخرى ويطبق معهم معايير ادارية شديدة الصرامة. هنا فإن الموظف لم يخالف القانون لكنه استغل سلطته التقديرية عند اتخاذ القرار الاداري بشكل عنصري جدا ، ويمكنه في حال ملاحقته أمام القضاء الاداري -إن حدث هذا- أن يتحجج بحجج قانونية وافرة جدا مستندا الى القانون نفسه ، خاصة أن اللوائح وهي إحدى مصادر القانون تمنح الموظف العام هذه السلطة التقديرية الواسعة في الكثير من الحالات منعا للمركزية الشديدة ومن ثم تحجيم مرونة حركة الادارة في المرفق العام. اذا فالقانون يحاول موازنة أمور وقضايا متشابكة ويستطيع الموظف العام استغلال ذلك بشكل عنصري .
هناك أيضا شعارات ترفع باعتبار أن هناك عنصرية عرقية في مسائل التنمية ، وهذا قد يكون صحيحا مع ذلك فإن الحديث عن تمركز هذه العنصرية في مناطق معينة حديث تعوزه الدقة لأن هناك تمييز في أغلب أقاليم السودان وربما حتى في العاصمة القومية . ورغم ذلك لا نجد سوى حركات مناطقية فقط هي التي تحمل السلاح ، وتقصر مطالبها على منطقة تركز قبائل معينة فيها ، في حين تقف مجموعات عرقية أخرى مكتوفة الأيدي وهي تشاهد مليارات الدولارات يتم انفاقها على مناطق حملة السلاح وتهميش مناطقهم هم أنفسهم . انفقت الحكومة مليارات الدولارات في دارفور بدءا من عمليات تسليح القبائل مرورا بشراء ذمم رؤساء القبائل وزعماء الحركات المسلحة وانتهاء بمشاريع تنموية شابها فساد كبير من أبناء تلك القبائل انفسهم فلم تر النور أو رأته وهي مصابة بفيروسات انهيارها الوشيك . ذات هذا الأمر حدث مع الجنوب قبل الانفصال حيث قامت الحكومة بتسليم الحركة الشعبية مليارات الدولارات في الوقت الذي تقبع فيه مناطق في شمال السودان في بؤس وفاقة وجهل ومرض ، ولم تقم الحكومة بدورها في مراقبة الحركة الشعبية في عملية انفاقها لهذه المليارات رغم أنها تدرك تماما أنها حركة ذات طابع عسكري أكثر منه مدني .
من يقول أن الشمال غير مهمش فهو يدرك حقيقة كذبه ، إن كل جريرة الشمال هي أنه لم يحمل السلاح لأن جغرافيته وتضاريسه تمنع ذلك . لكنه أكثر تهميشا من دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان وغيرها من المناطق ، إن فكرة انشاء حركات مسلحة وجنجويد -في المقابل- على أساس جهوي وتحت سند مزاعم العنصرية لن يؤدي إلى أي نتيجة اللهم الا اذا انتهى بعمليات انفصال فتيلية مستمرة ، وهنا سيحدث في كل تلك المناطق المنفصلة ما حدث في دولة جنوب السودان بلا أدنى شك لتعدد القبائل واختلاف مصالح زعماء الحرب وتقاطعها .
ما يجب أن يفهمه النظام الحاكم ويفهمه الشعب أننا لن نستطيع الخروج من هذا المأزق الا عبر بناء دولة القانون والمؤسسات ، لا نطالب فيها بالاحسان لأن الاحسان يتطلب مشاعر عاطفية من المحسن الى المحسن اليه وانما بالعدل والعدل هو أن يأخذ كل ذي حق حقه ، سواء كنا نحب بعضنا او نكرهها ، ففي دولة القانون والمؤسسات تختفي المشاعر تحت جبة القانون ، والقانون يتم بناؤه عبر قواعد عامة مجردة ، مجردة عند الانشاء وعامة عند التطبيق ، ويتحول الأفراد الى أصحاب مراكز قانونية ، فإن تماثلت مراكزهم تساووا في الحقوق والواجبات المكفولة لهم. إن اعادة صياغة مؤسساتنا هو الاهم ، كالبرلمان والسلطتين التنفيذية والقضائية ومنظمات المجتمع المدني التي يقع على كاهلها العبء الأكبر في مراقبة حركة دولة القانون والمؤسسات، ولابد ان تختفي جمل كاعادة توزيع السلطة والثروة بل تنمية عادلة وشاملة. إن استمرارنا في هذا الوضع شديد البؤس ليس في مصلحة الجميع ، لا معارضة ولا حكومة ولا حاملي سلاح ولا الشعب المتفرج ، ولا يمكن وضع حلول عبر مسرحيات سيئة التمثيل والاخراج كمسرحية الحوار السابق بل لابد من التعالي على الصغائر ، وتقديم تنازلات حقيقية ومرونة من قبل الجميع اذا صفت النية والرغبة في ايجاد حل شامل لدولة تسع الجميع...
amallaw@hotmail.com
////////////////

 

آراء