الصادق حمدين
(…إنها صورة مكثفة لكل أشكال الإقصاء البشري حين يصبح الاختلاف في الشكل سبباً كافياً
لإلغاء الهوية)
فرانز كافكا
في بلادنا السودان التي يرقص طيرها مذبوحاً من الألم، لا تحتاج إلى دراسة علم اجتماع ولا إلى حضور مؤتمر عن “خطاب الكراهية” حتى تكتشف أن بعض الأمثال الشعبية أخطر من نتائج الحروب الأهلية، وأكثر قدرة على صناعة الشروخ المجتمعية من معاول السياسة نفسها. يكفي أن تجلس في مناسبة عائلية، أو في بص مواصلات، أو حتى في “ونسة” عابرة تحت ظل شجرة نيم، حتى تنهال عليك أمثال تبدو في ظاهرها خفيفة الظل، لكنها في الحقيقة تحمل في جوفها قنابل اجتماعية موقوتة.
فالمثل الشعبي السوداني مع كامل احترامنا لعبقريته الساخرة لم يترك جماعة إلا ووضعها في “قالب جاهز”، كأن الشعب السوداني كله مشروع ضخم للتنميط المجاني.
خذ مثلاً العبارة الشهيرة: “المرة لو فاس ما بتكسر الراس”.
هذا المثل الذي يبدو للبعض مجرد حكمة تراثية، نجح عبر السنين في أداء وظيفة خطيرة: تقزيم المرأة وإقناعها بأن سقف طموحها يجب أن يكون أقل من سقف المطبخ بقليل. فالمشكلة ليست في الكلمات وحدها، بل في العقلية التي تجعل نجاح المرأة حدثاً استثنائياً يحتاج إلى تبرير، بينما يُنظر إلى تفوق الرجل كأنه حق دستوري نزل مع شهادة الميلاد.
ولو انتقلنا من الجندر إلى الجغرافيا القبلية، سنجد أن الشعب السوداني يملك قدرة خارقة على توزيع الصفات السلبية المغلفة بالدعابة بعدالة مذهلة.
فالشوايقة مثلاً، كلما ذُكر الكرم في مجلس، ظهر شخص فجأة ليقول: “لكن الشوايقة ديل حريصين حد البخل”! مدعماً اتهامه بسلسلة من نكات لا تنتهي، وكأن هناك مؤسسة دولية أجرت إحصاءً عالمياً للبخل وانتهت إلى هذه النتيجة العلمية الخطيرة. لا أحد يعرف من أين جاءت الفكرة، لكنها انتقلت بين الأجيال أسرع من انتقال الوصايا العائلية.
أما أهل غرب السودان، فقد تم استقبالهم بمقولة جاهزة: “البجي من الغرب ما بسر القلب”.
عبارة قصيرة، لكنها كافية لصناعة جدار نفسي بين أبناء الوطن الواحد. جملة تحولت مع الوقت إلى إنذار اجتماعي مبكر، كأن القادم من الغرب يحمل معه مشروع كارثة متنقلة، لا إنساناً يبحث عن رزقه وكرامته ومستقبله شأنه شأن غيره من سكان الاتجاهات الأخرى. وهكذا يتحول المثل الشعبي من نكتة إلى أداة فرز اجتماعي قاسية.
ولم ينجُ الدناقلة أيضاً من ماكينة التنميط السودانية، إذ يكفي أن يُذكر الطموح حتى يظهر من يردد عبارة “الدنقلاوي حلاب التيس”، في محاولة ساخرة لتصوير الإنسان الدنقلاوي كشخص بسيط محدود الإدراك. والغريب أن هذه الأحكام الجائرة تطلق غالباً من أشخاص لم يقرأوا تاريخ المنطقة ويجهلون حضارة الشعب النوبي، ولا يعرفون كم أن التنميط أسهل كثيراً من المعرفة.
أما أهل الجزيرة، فقد التصقت بهم حكاية “أهل العوض”، تلك الرواية الاجتماعية التي تصورهم كضيوف دائمين على العاصمة، لا يتحركون إلا مدججين بإرث ”باقة عسل العوض”، مع ابتسامة بريئة واسعة وخطة إقامة مجانية طويلة الأجل. وهي نكتة قد تثير الضحك للحظة، لكنها في العمق تعكس نظرة اختزالية دونية لمجتمع كامل.
وإذا ذُكرت الحماقة والتهور، فلابد أن يدخل الجعليون إلى المسرح فوراً، باعتبارهم وفق الرواية الشعبية مستعدين لشرب “ماء النار” بدلاً عن القهوة، إثباتاً للفحولة والشجاعة والتهور. وكأن الرجولة في السودان لا تكتمل إلا إذا خاطرت المعدة بحياتها!
أما الحسانية، فلهم نصيبهم التاريخي من التنمر المغلف بالدعابة. فلا يكاد الناس يتحدثون عن الانصراف عن القضايا العامة حتى تتردد العبارة الشهيرة: “الناس في شنو والحسانية في شنو”؟ وكأن جماعة كاملة تعيش في كوكب منفصل عن الوطن وقضاياه، منشغلة بتفاصيل الحياة الصغيرة بينما البلاد تغلي بالأحداث الجسام.
المفارقة العجيبة أن الجميع يضحكون على الجميع، والجميع في الوقت نفسه ضحايا لهذا الإرث الثقيل. فكل مجموعة تحفظ النكات التي قيلت عنها أكثر مما تحفظ الأغاني الوطنية، وكل قبيلة لديها “ملف تنمر” خاص بها محفوظ في الذاكرة الشعبية.
المشكلة الحقيقية ليست في الدعابة نفسها، فالسوداني بطبعه ساخر وخفيف الروح، وهذه ميزة جميلة. لكن الخطورة تبدأ عندما تتحول النكتة إلى قناعة راسخة، والمثل إلى حكم نهائي غير قابل للمراجعة، والتنميط إلى عدسة ننظر بها لبعضنا البعض. عندها تصبح الكلمات الصغيرة قادرة على هدم ما تعجز السياسة بقذارتها عن هدمه.
وربما آن الأوان لأن نسأل أنفسنا بصدق:
هل نحن شعب يوحده التنوع، أم شعب يتفنن في اختصار بعضه البعض داخل قوالب نمطية جاهزة؟
فالأوطان لا تتشقق بالحروب وحدها، بل أحياناً بمثل شعبي قيل على سبيل المزاح… فضحك الجميع، بينما انكسر شيء ما في الداخل يصعب اصلاحه بضحكة يلفها غموض التأويل.
umniaissa@hotmail.com
