محمد صالح محمد
حين أقول “أنتِ روحي” فأنا لا ألقي بكلماتٍ عابرةٍ في مهبِّ الريح، ولا أستعيرُ استعارةً أدبيةً من دواوين العشقِ القديمة.
حين أقولها فأنا أعلنُ خلعَ روحي من جسدي لأُلبسها جسدكِ، وأعلنُ أنَّ كلَّ نبضةٍ في قلبي هي استعارةٌ مستردةٌ منكِ، وكلَّ شهقةِ حنينٍ في صدري هي صدىً لصوتكِ الغائبِ الحاضر.
في حضرةِ الغياب أنتِ الوجود …
يا “زولة”يا مرادفةً لكلِّ ما هو نقيٌّ وعميق في قواميسِ الروح. كيف يمكنُ للغيابِ أن يكونَ بهذا الحجم؟ كيف يمكنُ لامرأةٍ أن تكونَ “وطناً” لا يغادرُ مسامَّ الجلد؟ إنَّ الحزنَ الذي ينهشُ أيامي في غيابكِ ليس حزنَ الفقدِ العادي، بل هو حزنُ الجسدِ الذي فقدَ ظله، حزنُ الأرضِ التي نسيتْ كيف تبتسمُ حين انقطعَ عنها مطرُكِ.
أنا هنا ألملمُ بقايا ذكراكِ من أركانِ الغرفة، أتحسسُ طيفكِ في فراغِ المقعد، وأعاتبُ الوقتَ الذي يمضي دون أن يحملَ إليَّ رائحتكِ. أيتها البعيدةُ القريبة هل تشعرينَ بتمزقي؟ هل يصلكِ صدى ندائي في ليالي الشتاء الطويلة حيثُ يتحولُ الحنينُ إلى خنجرٍ يغوصُ في أعماقِ الوجد؟
لحن العرفانِ والعشقِ الأزلي …
لستُ أدري كيف أوفيكِ حقَّكِ من العرفان. شكراً لأنكِ كنتِ وشكراً لأنكِ ما زلتِ، وشكراً لأنكِ اخترتِ أن تكوني السكنَ والسكينةَ في عالمٍ ضاجٍّ بالوحشة.
كلُّ “أحبكِ” نطقتُها كانت صلاةً، وكلُّ دمعةٍ ذرفتُها في خلوتي كانت اعترافاً بأنَّ العشقَ ليس اختياراً، بل هو قدرٌ جميلٌ وموجعٌ في آنٍ واحد.
يا “زولة” يا من اختصرتِ في ملامحكِ كلَّ معاني الجمالِ والوفاء. إنني أعشقكِ عشقاً يجاوزُ حدودَ العقل، عشقاً يتنفسُ الحزنَ حين تغيبين، ويقتاتُ على بقايا طيفكِ حتى تعودي.
سأظلُّ أحبكِ ليس لأنكِ تستحقينَ الحبَّ فحسب، بل لأنَّ الحبَّ فيكِ هو السبيلُ الوحيدُ لبقائي على قيدِ الحياة. سأظلُّ أنتظرُ يوماً يجمعُ شتاتَ روحي بكِ، يوماً تذوبُ فيه المسافاتُ في عناقٍ أبديٍّ يغسلُ كلَّ دموعِ الحنينِ التي سكبتُها على أعتابِ غيابك.
أنتِ روحي بل أنتِ الروحُ التي لا أريدُ لجسدي أن يغادرَ الحياةَ قبل أن يودعها في كنفِ روحكِ.
حين تصبحُ الذكرى هي العمرُ كُله …
يظلُّ اسمكِ يا “زولة” هو التميمةَ التي أحمي بها قلبي من قسوةِ العالم، والنداءَ الذي أختبئُ فيه كلما ضاقت بي السبل. إنَّ رحلتي معكِ لم تكن مجردَ قصةِ حبٍ عابرة، بل كانت انصهاراً روحياً لا يعرفُ الزوال حيثُ غدوتِ أنتِ البدايةَ في كلِّ صباحٍ مُوحش، والمنتهى في كلِّ ليلةٍ .
سأبقى هنا وفي عينيَّ أملٌ لا ينطفئ، أحرسُ طيفكِ في مرآةِ روحي، وأكتبُ اسمكِ على جدرانِ الصمتِ كلما اشتدَّ الحنين. لستُ أرجو من الدنيا سوى أن تظلَّ روحكِ هي النسمةَ التي تلمسُ وجهي، والذكرى التي تمنحني عذراً جميلاً لأستمرَّ في هذا العشق حتى وإن كان العشقُ وجعاً، فإنه – معكِ – الوجعُ الوحيد الذي لا أطلبُ منه شفاءً.
دمتِ لي روحاً تسكنني، ووطناً أعودُ إليه في غربةِ الأيام.
binsalihandpartners@gmail.com
