د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com
الملخص
يطرح المقال تحليلاً تاريخياً مقارناً لتطور الاستبداد العسكري في السودان، متتبعاً مسار الأنظمة العسكرية الثلاثة التي تولت السلطة منذ الاستقلال: نظام الفريق إبراهيم عبود (1958-1964) الذي استمر ست سنوات، ونظام جعفر نميري (1969-1985) الذي استمر ستة عشر عاماً، ونظام عمر البشير (1989-2019) الذي استمر ثلاثين عاماً. ولا يكتفي المقال بتسلسل الأحداث، بل يسعى إلى كشف المنطق المؤسسي الذي جعل كل نظام لاحق أكثر قدرة على البقاء من سابقه، معرباً عن السؤال المحوري: لماذا استطاع كل نظام لاحق أن يبني قدرة أكبر على البقاء، ولماذا انتهت الأنظمة الثلاثة عند نقطة مشتركة تمثلت في فقدان رأس النظام القدرة على ضمان ولاء المؤسسة العسكرية والأمنية في مواجهة المجتمع.
يبدأ المقال بتحديد البيئة التي مهدت للانقلابات، مشيراً إلى أن السودان نال استقلاله عام 1956 دون تسوية تأسيسية مستقرة بشأن طبيعة الدولة، والعلاقة بين المركز والأقاليم، وموقع الدين، وعلاقة الجيش بالسلطة المدنية. وقد ورثت الدولة مؤسسات مركزية محدودة، وتفاوتات إقليمية عميقة، وجيشاً منظمًا وقادراً على الحركة، إضافة إلى جذور الحرب في الجنوب التي سبقت الاستقلال. وكانت الديمقراطية البرلمانية الأولى قصيرة الأجل ومثقلة بصراعات الأحزاب التقليدية وضعف الحكومات الائتلافية، مما جعل الانقلاب العسكري ممكناً ليس لأن الجيش وحده أراد السلطة، بل لأن النظام المدني فقد شرعيته وقدرته التنفيذية، وهو ما ميز انقلاب عبود عن انقلاب البشير، إذ جاء الأول في سياق أزمة سياسية طارئة، بينما جاء الثاني كمشروع سياسي أيديولوجي معد مسبقاً.
ثم يتناول المقال نظام عبود بوصفه نموذجاً للاستبداد العسكري المباشر، حيث استولى الجيش على السلطة دون أن يمتلك حزباً حاكماً أو أيديولوجية جماهيرية أو شبكة اجتماعية واسعة. وقد ظل النظام يعتمد على شرعية الجيش وقدرته على فرض الانضباط الإداري، لكنه افتقر إلى القدرة على اختراق المجتمع أو بناء أجهزة أمنية متعددة تحميه من انقسامات الجيش نفسه. وفي الجنوب، اتبع عبود سياسات تعريب وأسلمة مركزية أسهمت في تعزيز المعارضة الجنوبية بدلاً من إضعافها، وأجبرت الدولة على توسيع الاعتماد على القوة في منطقة لم تكن مؤسساتها الإدارية قادرة على دمجها سياسياً، مما جعل الحرب تكلفة متزايدة دون تسوية سياسية قابلة للحياة. وجاءت نقطة التحول في أكتوبر 1964، حين تحولت احتجاجات طلابية إلى حركة اجتماعية واسعة شاركت فيها النقابات والمهنيون والعمال، وشكلت جبهة الهيئات التي شلت الدولة بالعصيان المدني. وهنا ظهر العامل الحاسم: فمع اتساع الحركة، أصبح السؤال داخل الجيش ليس عن القدرة على القمع، بل عن وحدة الجيش نفسه، ومع ظهور ضباط متعاطفين مع الاحتجاجات، فضلت القيادة الاستقالة وتسليم السلطة لحكومة انتقالية، مما جعل سنوات عبود الست نموذجاً لهشاشة الاستبداد العسكري الذي يعتمد على جيش واحد دون مؤسسات داعمة.
ينتقل المقال إلى نظام نميري، الذي جاء بانقلاب 25 مايو 1969 في لحظة انهيار مدني متجدد، لكنه كان أكثر تنظيماً وأيديولوجية من انقلاب عبود، إذ استند إلى تحالف ضم ضباطاً قوميين ويساريين وشيوعيين. غير أن محاولة انقلاب هاشم العطا عام 1971 كشفت هشاشة هذا التحالف، ودفعت نميري إلى تطهير اليسار وإعادة بناء النظام حول ولاءات مباشرة لرأس الدولة، وهو ما يفسر قدرته على العيش أكثر من ضعف عمر عبود. وكان اتفاق أديس أبابا عام 1972 الذي أنهى الحرب الأهلية الأولى ومنح الجنوب حكماً ذاتياً إقليمياً، أهم إنجاز سياسي لنميري، إذ أزال مصدر استنزاف عسكري ومالي، وأعطاه صورة رجل الدولة القادر على تحقيق السلام، كما فتح المجال لعلاقات دولية وتدفقات مالية ساعدت في تمويل الدولة والجيش، وإن لم تحل المشكلة البنيوية لتوزيع السلطة. ثم اتبع نميري استراتيجية المصالحة الوطنية عام 1977 مع الصادق المهدي ومعارضين آخرين، ممثلاً نموذجاً مبكراً للاستبداد المرن الذي يستوعب جزءاً من المعارضة ويمنحها مصالح لعزل الفصائل الرافضة. لكن قدرة نميري على تبديل التحالفات تحولت إلى مصدر ضعف، إذ انتقل من الاشتراكية إلى التقارب مع الغرب ثم إلى الإسلام السياسي، وأعلن في 1983 تطبيق قوانين الشريعة وإعادة تنظيم الجنوب وتقسيمه إلى أقاليم أصغر، مما نقض تسوية أديس أبابا وأعاد فتح الحرب الأهلية. وتزامنت الحرب مع أزمة اقتصادية حادة وارتفاع الأسعار، وفي مارس وأبريل 1985 اتسعت الاحتجاجات والإضرابات وتحولت المطالب الاقتصادية إلى سياسية، وهنا أعلن وزير الدفاع سوار الذهب انحياز الجيش إلى الحركة الشعبية في غياب نميري، منهياً حكماً استمر ستة عشر عاماً. وخلص المقال إلى أن سقوط نميري كان أكثر تعقيداً من سقوط عبود، لأنه استنزف أدواته السياسية والأيديولوجية عبر تبدلات متكررة، وفقد القدرة على الحفاظ على تحالف الجيش مع النظام.
ثم يتناول المقال الفترة الانتقالية بين نميري والبشير، مشيراً إلى أن الأسلمة التي انتهجها نميري لم تسقط فقط مع نظامه، بل تركت إرثاً غير مقصود تمثل في إعادة تشكيل الجيش والأجهزة الأمنية وجعلها أكثر تعرضاً للتأثير الإسلامي السياسي. ومع فشل حكومة الصادق المهدي في التعامل مع الحرب والاقتصاد والصراعات الدستورية، جاء انقلاب 30 يونيو 1989 كنتاج لتفاعل بين ضباط بقيادة البشير وتنظيم الجبهة الإسلامية القومية بقيادة حسن الترابي، مما جعل النظام الجديد يمتلك مشروعاً لإعادة هندسة الدولة، لا مجرد الاستيلاء على الحكم.
ويخصص المقال فصلاً مفصلاً لنظام البشير، الذي استمر ثلاثين عاماً بفضل بنية أكثر تغلغلاً في الدولة. فالنظام لم يحكم فوق الدولة بل أعاد بناء الدولة حول بقائه، من خلال شراكة بين القيادة العسكرية والتنظيم الإسلامي، حيث أنشأ المؤتمر الوطني كأداة سياسية رئيسية، وأعاد توزيع الوظائف والموارد والمواقع القيادية على أساس الولاء السياسي والأيديولوجي، وتداخلت أجهزة الحزب والدولة والأمن والاقتصاد في شبكة مترابطة من المصالح. وجاءت المفاصلة بين البشير والترابي عام 1999 لتكشف أن النظام أصبح أكبر من مؤسسه، واتجه البشير إلى تركيز السلطة شخصياً وإدارة النخب بصورة مباشرة، مع اعتماد متزايد على شبكة ضيقة من الموالين، وهو ما جعل النظام يفقد بعض طابعه المؤسسي لكنه زاد من مرونته في البقاء.
ويحلل المقال سر الثلاثين عاماً في تعدد مراكز القوة المسلحة والأمنية بدلاً من احتكار الجيش للقوة. فقد أدرك النظام مبكراً أن الاعتماد على القوات المسلحة وحدها يمثل خطراً، فطور قوات الدفاع الشعبي كقوة تعبئة شبه عسكرية ذات صبغة أيديولوجية، واعتمد في دارفور منذ 2003 على الميليشيات المحلية التي تطورت لاحقاً إلى قوات الدعم السريع التي تأسست رسمياً عام 2013 واكتسبت وضعاً قانونياً في 2017. وقد أطال هذا التعدد عمر البشير، إذ جعل أي انقلاب من جزء من الجيش غير كافٍ لإسقاط النظام، لكنه زرع بذور التنافس المسلح بين الجيش والدعم السريع بعد سقوطه. كما ساهم النفط، خاصة منذ أواخر التسعينيات وحتى انفصال الجنوب عام 2011، في تمويل شبكات الولاء والأجهزة الأمنية، لكن فقدان معظم الإنتاج النفطي بعد الانفصال أضعف القاعدة المالية للنظام، دون أن يسقطه فوراً. وفي مواجهة العزلة الدولية والعقوبات، طور النظام تحالفات إقليمية وقنوات تعاون استخباراتي مع الولايات المتحدة في مجال مكافحة الإرهاب، متعلماً كيف يعيش تحت الضغط، مما يؤكد أن العقوبات الخارجية وحدها لا تسقط الأنظمة إذا امتلكت موارد بديلة وقدرة على نقل التكلفة إلى المجتمع.
ويناقش المقال أسباب عدم سقوط النظام رغم الحروب والعقوبات والانتفاضات، مشيراً إلى أن القمع لم يكن العامل الوحيد، بل تداخل مع الزبائنية والأمن والموارد وتفتيت المعارضة. فقد استخدم النظام الاعتقال والرقابة والقوة، لكنه كان يعمل باستمرار على منع المعارضة من التحول إلى ائتلاف واسع. وقد استفاد من تعدد مراكز المعارضة تاريخياً: أحزاب تقليدية، يسار، إسلاميون منشقون، حركات مسلحة، نقابات، مهنيون، وشباب. غير أن احتجاجات 2018-2019 أنتجت تغييراً مهماً، إذ أصبح تجمع المهنيين السودانيين نقطة تنظيمية مركزية، واتسعت الحركة عبر المدن، وتحولت المطالب الاقتصادية إلى مطلب سياسي صريح بإسقاط النظام. ففي ديسمبر 2018، بدأت الاحتجاجات في عطبرة بسبب ارتفاع أسعار الخبز وإجراءات التقشف، وانتشرت إلى الخرطوم ومدن أخرى، وتجاوزت القضية الاقتصادية إلى الحركة الشعبية الأوسع. وفي 6 أبريل 2019، تجمع المتظاهرون حول القيادة العامة للقوات المسلحة، وأصبح الاعتصام أمام المؤسسة العسكرية نقطة تحول، حيث كشفت التقارير عن انقسامات داخل الأجهزة الأمنية وحماية بعض الجنود للمتظاهرين. وفي 11 أبريل، أعلن عوض بن عوف إطاحة البشير، ثم استقال بعد يوم واحد تحت ضغط المحتجين، وتولى البرهان قيادة المجلس العسكري الانتقالي، مع محمد حمدان دقلو نائباً له. ولم يكن هذا مجرد انتصار للجيش للثورة، بل قررة القوات المسلحة التخلي عن البشير بعدما أصبح استمراره خطراً على تماسك مركز القوة العسكري، وأصبحت كلفة بقائه أعلى من كلفة التخلي عنه، مع الحفاظ على مواقع النخبة العسكرية والأمنية.
ثم يقدم المقال مقارنة حاسمة بين الأنظمة الثلاثة في خمسة محاور رئيسية. في المحور الأول، يتطور احتكار القوة من جيش يحكم (عبود) إلى نظام يعيد تشكيل الجيش وتحويله إلى قاعدة مع حزب واحد (نميري) إلى تعدد أمني عسكري منظم يمنع الجيش من أن يكون مركز القوة الوحيد (البشير)، وكل مرحلة حلت مشكلة سابقتها لكنها خلقت مشكلة جديدة: فعيوب عبود تمثلت في أن الجيش هو النظام كله، وعيوب نميري في تحالفات متغيرة واعتماد كبير على الجيش، أما البشير فنجح في منع الانقلاب لكنه أضعف احتكار الدولة للعنف وفتح الطريق للتنافس المسلح. وفي المحور الثاني، يفتقر عبود إلى حزب حاكم، وينشئ نميري الاتحاد الاشتراكي لكنه أداة سياسية لا تنظيم مستقل، بينما يرث البشير تنظيماً إسلامياً شديد التنظيم ويعيد صياغته ضمن نظام الحزب الحاكم، وهو ما يطيل عمر النظام لكنه يحمل مخاطر تحوله إلى أداة زبائنية وشخصية. وفي المحور الثالث، يقارن المقال قدرة كل نظام على شراء الوقت عبر السلام والمصالحة والموارد الخارجية، لكن شراء الوقت لا يساوي حل المشكلة، فاتفاق أديس أبابا لم يحل السؤال الوطني، وانفصال الجنوب كشف هشاشة الاقتصاد، والتحالفات الخارجية لم تمنح شرعية داخلية مستدامة. وفي المحور الرابع، كان تفتيت المعارضة أكثر وضوحاً في عهد البشير، لكن الاستراتيجية فشلت عندما تمكنت الاحتجاجات من بناء هوية سياسية أوسع من الأحزاب، شملت المهنيين والطلاب والعمال والنساء والشباب والناشطين وسكان المدن والأقاليم، فأصبح النظام يواجه شبكة اجتماعية واسعة لا حزباً يمكن اعتقال قيادته. وفي المحور الخامس، تقدم الحالات الثلاث دليلاً على أن اللحظة الأخيرة ليست حجم المظاهرات بل موقف جهاز القسر، ففي 1964 و1985 و2019 تخلى الجيش عن الحاكم عندما أصبحت كلفة بقائه أعلى من التخلي عنه، وهو ما يتسق مع الأدبيات المقارنة التي تربط نهاية الاستبداد بقواعد النخب ومواقف المؤسسات القسرية.
ويتناول المقال المفارقة السودانية المركزية: كلما طال عمر النظام أصبح سقوط الحاكم أقل أهمية، لأن سقوط عبود كان قريباً من سقوط حكمه، وسقوط نميري ترك مؤسسة عسكرية وسياسية عادت إلى مركز الحكم، أما سقوط البشير فكان مختلفاً جذرياً لأن البنية التي بناها لم تسقط معه، إذ أصبح قطاع الأمن أكثر تعدداً وبرز الدعم السريع كمركز قوة مستقل، وبقيت شبكات الحركة الإسلامية والاقتصاد الأمني والكوادر الممكنة، وأعيد إنتاج أجزاء من البنية السلطوية في ترتيبات ما بعد 2019. وهذا يوضح أن تفكيك البنية السلطوية يصعب كلما تراكمت المصالح الاقتصادية والأمنية، فالرئيس يمكن استبداله لكن الشبكات التي تربط الوظيفة بالدخل والسلاح بالسلطة والأرض بالولاء والاقتصاد بالأمن لا تختفي بقرار سياسي. وبالتالي، فإن سياسة البشير في تفتيت القوة العسكرية لمنع الانقلاب ساعدت في بقاء النظام ثلاثين عاماً لكنها جعلت الدولة بعده أكثر تعدداً في مراكز القوة، مما يفسر لماذا يمكن أن ينتقل بلد من ديكتاتورية إلى انتقال سياسي دون أن ينتقل فعلياً من دولة أمنية إلى دولة مدنية، وتنطوي المفارقة في أن كلما أصبح النظام أكثر قدرة على منع الانقلاب، زاد احتمال أن يخلق داخل الدولة مراكز قوة تمنع بناء دولة مدنية بعد سقوطه.
ويقدم المقال نموذجاً تفسيرياً واحداً لمسار الاستبداد السوداني في ثلاث مراحل مترابطة: المرحلة الأولى هي الحكم العسكري المباشر حيث يستولي الجيش على الدولة لكنه لا يعيد بناء المجتمع (عبود). والمرحلة الثانية هي الحكم العسكري التحالفي حيث يبحث الجيش عن حزب وأيديولوجيا وموارد وتحالفات داخلية وخارجية، ويستخدم المصالحة والقمع والحرب والسلام بالتناوب (نميري). والمرحلة الثالثة هي الدولة الأمنية متعددة المراكز حيث يصبح الحزب والأيديولوجيا والأمن والاقتصاد والقوات الموازية أجزاء من منظومة واحدة، ويعاد توزيع القوة بين مؤسسات متعددة لمنع أي مركز منفرد من الإطاحة بالحاكم (البشير). وتوضح المراحل أن الثلاثين عاماً ليست مجرد رقم كبير، بل مؤشر على تطور تدريجي في أدوات السيطرة، حيث تعلم النظام الثالث من مشكلات النظامين السابقين: تعلم أن الجيش يمكن أن ينقلب فأنشأ قوى موازية، وأن المعارضة يمكن أن تتحد فعمل على تفتيتها، وأن الأيديولوجيا وحدها لا تكفي فمزجها بالزبائنية، وأن الاقتصاد يمكن أن ينهار فأنشأ شبكات مصالح، وأن العزلة الدولية يمكن أن تكون مؤذية فنوع علاقاته الإقليمية، وأن سقوط الرئيس لا يعني سقوط الشبكات فعّمق التغلغل داخل الدولة. لكن كل حل أنتج مشكلة جديدة: القوة الموازية أنتجت تنافساً مسلحاً، والزبائنية أضعفت مؤسسات الدولة، والتمكين أضعف المهنية، وتركيز السلطة أضعف الحزب، والحروب أضعفت الجيش، والاعتماد على النفط جعل الدولة حساسة للانفصال، وتفتيت المعارضة أخّر التغيير لكنه لم يلغه، وأدى تراكم هذه التناقضات إلى جعل الدولة أكثر هشاشة حتى وهي تبدو أكثر استقراراً، مما يؤكد أن الاستقرار السلطوي ليس بالضرورة استقرار الدولة، وقد يكون دليلاً على نجاح بناء آلية للبقاء على حساب بناء دولة ذات مؤسسات محايدة.
ويختم المقال باستخلاص ثمانية دروس للمستقبل السوداني. الأول: أن الانتقال المدني لا يمكن أن يقتصر على تغيير رئيس الدولة، بل يحتاج إلى إصلاح قطاع الأمن وإعادة بناء سلسلة قيادة عسكرية واحدة وخضوع جميع القوات لسلطة مدنية دستورية ورقابة مؤسسية. الثاني: أن إصلاح الجيش لا ينبغي أن يتحول إلى إضعافه كجيش وطني، بل يجب أن يفقد قدرته على تحديد من يحكم. الثالث: أن تفكيك الاقتصاد السياسي للاستبداد عبر مراقبة الشركات المرتبطة بالقوات المسلحة والأجهزة الأمنية لا يقل أهمية عن إصلاح الأمن، فالاستبداد يعيش بالعقود والامتيازات والأراضي والذهب والوظائف. الرابع: أن معالجة التهميش الإقليمي هي في صميم بناء الدولة، لا سياسة ثانوية، لأن الحروب في الجنوب ودارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق كانت تعبيراً عن أزمة في صياغة الدولة نفسها. الخامس: أن المجتمع المدني السوداني، بنقاباته ومهنييه وطلابه، هو عنصر حماية من إعادة إنتاج الحكم العسكري، لكنه يحتاج إلى التحول من قوة احتجاجية تظهر في لحظات الانهيار إلى مؤسسات دائمة للمساءلة والرقابة. السادس: أن الديمقراطية لا يمكن أن تعتمد على حياد الجيش كفضيلة أخلاقية، بل يجب أن تجعل التدخل العسكري غير مربح مؤسسياً عبر قواعد واضحة للترقية والتعيين والميزانية وقضاء مستقل وبرلمان رقابي. السابع: أن إسقاط الاستبداد ليس نهاية الصراع، فقد يعاد إنتاج نظام سلطوي جديد، لذا يحتاج السودان إلى تفكيك مؤسسي طويل يمنع انتقال الدولة من شبكة سلطوية إلى أخرى. الثامن: أن مستقبل السودان يتطلب الانتقال من منطق “من يحكم؟” إلى منطق “كيف تُحكم الدولة؟”، لأن المشكلة البنيوية استمرت رغم تغير الحكام والأيديولوجيات والتحالفات، وتتمثل في ضعف المؤسسات المدنية، وتضخم الدور السياسي للعسكر، وتعدد مراكز القوة المسلحة، وعدم حسم العلاقة بين المركز والأقاليم، والاقتصاد السياسي المرتبط بالسلطة.
ويختم المقال بخاتمة نقدية تعيد صياغة لغز السنوات الثلاث في معادلة تاريخية: عبود أثبت أن الجيش يستطيع إسقاط النظام المدني لكنه لا يستطيع وحده بناء نظام سلطوي طويل الأمد؛ نميري أثبت أن التحالفات والأيديولوجيا والسلام والمصالحة تستطيع شراء سنوات إضافية لكنها لا تعوض غياب مؤسسة سلطوية مستقرة؛ والبشير أثبت أن التغلغل الحزبي والأمني والاقتصادي يستطيع تمديد عمر النظام لعقود لكنه قد يحول الدولة نفسها إلى ساحة تنافس مسلح بعد سقوط النظام. ويخلص إلى أن المهمة التاريخية للسودان ليست إنتاج انقلاب رابع أكثر كفاءة، ولا مجرد إعادة الجيش إلى الثكنات مؤقتاً، بل كسر الدورة التي بدأت منذ 1958: أزمة مدنية، تدخل عسكري، إعادة بناء سلطوية، قمع معارضة، تفتيت مراكز القوة، أزمة اقتصادية وحرب، انتفاضة شعبية، تدخل عسكري جديد، ثم إعادة إنتاج الدورة. وكسر هذه الدورة يتطلب بناء دولة تكون فيها القوات المسلحة مؤسسة دستورية لا فاعلاً سياسياً، وتكون فيها الموارد العامة ملكاً للدولة لا لشبكات السلطة، وتكون المواطنة أقوى من الامتياز، وتكون المعارضة المؤسسية جزءاً من النظام الديمقراطي، وتكون علاقة المركز بالأقاليم قائمة على عقد سياسي جديد لا على القوة. فالدرس الأعمق من ست سنوات وستة عشر عاماً وثلاثين عاماً هو أن الاستبداد السوداني لم يكن ثابتاً؛ بل تعلم وتطور وتكيف، ولذلك فإن الديمقراطية السودانية المستدامة يجب أن تتعلم بدورها وتتطور: ليس فقط كيف تسقط الحاكم، بل كيف تمنع ظهور البنية التي تجعله ممكناً؛ وليس فقط كيف تنهي الانقلاب، بل كيف تجعل الانقلاب نفسه غير قابل للحياة؛ وليس فقط كيف تبني حكومة مدنية، بل كيف تبني دولة مدنية قادرة على البقاء.
النص الكامل للمقال
مقدمة تحليلية: لم يكن السؤال لماذا جاء العسكر، بل لماذا تعلم كل نظام كيف يعيش أطول من سابقه؟
يطرح تاريخ السودان السياسي منذ الاستقلال لغزًا تحليليًا يتجاوز مجرد تعاقب الانقلابات والانتفاضات. فقد استولى ثلاثة أنظمة عسكرية رئيسية على السلطة في 17 نوفمبر 1958، و25 مايو 1969، و30 يونيو 1989، وانتهت الأنظمة الثلاثة في نهاية المطاف تحت ضغط تعبئة شعبية واسعة، مع لحظة حاسمة داخل المؤسسة العسكرية جعلت استمرار الحاكم أكثر كلفة من التخلي عنه. ومع ذلك، لم يكن عمر الأنظمة متقاربًا: حكم الفريق إبراهيم عبود نحو ست سنوات، وحكم جعفر محمد نميري ستة عشر عامًا، بينما حكم عمر حسن البشير ثلاثين عامًا. لذلك فإن السؤال الأكثر أهمية ليس لماذا حكم العسكر السودان، فهذا حدث بالفعل في 1958 ثم 1969 ثم 1989، وإنما لماذا استطاع كل نظام لاحق أن يبني قدرة أكبر على البقاء من النظام الذي سبقه، ولماذا انتهت الأنظمة الثلاثة، رغم اختلاف بنيتها، عند نقطة مشتركة تقريبًا تتمثل في فقدان رأس النظام القدرة على ضمان ولاء المؤسسة العسكرية والأمنية في مواجهة المجتمع.
تستند إعادة بناء هذه المقارنة إلى منهجية تاريخية-مؤسسية مقارنة تجمع بين التسلسل الزمني وتحليل نوع النظام، والعلاقة بين الجيش والأجهزة الأمنية، والتنظيم الحزبي والأيديولوجي، والموارد الاقتصادية، والحروب الداخلية، والتحالفات الخارجية، وإدارة المعارضة، ثم تحليل اللحظة النهائية للانهيار. وقد تم ترتيب المادة وفق منطق سببي لا وفق التسلسل الزمني وحده: يبدأ التحليل بتحديد البيئة التي تجعل الانقلاب ممكنًا، ثم ينتقل إلى عبود بوصفه النموذج الأقل مؤسسية، ونميري بوصفه نموذجًا انتقاليًا يقوم على إعادة تركيب التحالفات، والبشير بوصفه نموذجًا أكثر تغلغلًا في الدولة وتعددًا في مراكز القوة، ثم ينتقل إلى المقارنة المباشرة بين الأنظمة الثلاثة، وأخيرًا إلى تفسير ما تعنيه هذه الخبرة لبناء دولة سودانية لا تستطيع فيها مؤسسة عسكرية أو أمنية إعادة إنتاج نفسها بوصفها صاحب السيادة. وهذا الترتيب يتفق مع أفضل ممارسات تحليل الأنظمة السلطوية التي تميز بين نوع النظام، ومصادر بقائه، وطريقة تعامله مع النخب والقوات المسلحة والمجتمع، ثم طريقة انهياره؛ فالأنظمة السلطوية لا تنتهي جميعًا بالطريقة نفسها، كما أن سقوط الحاكم لا يعني بالضرورة سقوط النظام الذي بناه (Geddes, 2018; Geddes et al., 2014).
وتشير الأدبيات المقارنة إلى أن قدرة النظام الاستبدادي على البقاء ترتبط، من بين عوامل أخرى، بقدرته على منع الانقلاب الداخلي، وإدارة النخب، وخلق مؤسسات حزبية أو شبه حزبية، وتوفير موارد للمؤيدين، وتفتيت المعارضة، وبناء أجهزة قسرية لا تكون كلها تحت قيادة واحدة بحيث يصبح الانقلاب على الحاكم عملية عالية المخاطر. وتبين أعمال جيدس ورايت وفرانتز أن الأنظمة العسكرية تميل عمومًا إلى أن تكون أقصر عمرًا من الأنظمة السلطوية ذات المؤسسات الحزبية أو الشخصية الأكثر رسوخًا، في حين يمكن أن تؤدي صناعة حزب حاكم بعد الاستيلاء على السلطة إلى زيادة قدرة الحاكم على حماية نفسه من الانقلابات. كما أن الانهيار الاستبدادي لا يعني بالضرورة التحول الديمقراطي؛ فقد يؤدي سقوط حاكم إلى استبداله بشخص آخر من داخل النخبة نفسها، أو إلى إعادة بناء نظام سلطوي جديد (Geddes et al., 2014; Geddes et al., 2018).
ومن هذه الزاوية يصبح السودان حالة شديدة الأهمية في دراسة السلطوية المقارنة؛ فالمسار السوداني يوضح انتقالًا تاريخيًا من حكم عسكري يعتمد أساسًا على القوات المسلحة، إلى حكم يعيد تشكيل التحالفات الحزبية والأيديولوجية، ثم إلى نظام أكثر تعقيدًا يتغلغل في الدولة والاقتصاد والأمن ويخلق قوى عسكرية موازية. وفي الوقت نفسه، فإن هذا التطور لم يؤد إلى حصانة دائمة؛ إذ ساهم تعدد الأجهزة الأمنية الذي أطال عمر نظام البشير في نهاية المطاف في تفكيك احتكار الجيش للقوة، وفي خلق منافسة أمنية أصبحت إحدى السمات الأساسية للدولة السودانية بعد 2019. وقد أظهرت دراسة حديثة عن القوات المسلحة السودانية أن التنافس المؤسسي بين الجيش وأجهزة الأمن والقوات شبه العسكرية أصبح عاملًا مركزيًا في فهم تحولات السلطة من نميري إلى البشير ثم إلى مرحلة عبد الفتاح البرهان، وأن قرار الجيش التخلي عن البشير في 2019 كان جزءًا من حسابات داخلية تتعلق بمستقبل مراكز القوة داخل الدولة، لا مجرد استجابة أخلاقية أو وطنية للاحتجاجات (de Waal, 2023).
ومن ثم فإن الأرقام الثلاثة — ستة، وستة عشر، وثلاثون — يمكن قراءتها بوصفها مراحل في تطور “تكنولوجيا البقاء السلطوي” في السودان: عبود حكم بجيش؛ نميري حكم بجيش وتحالفات متغيرة؛ والبشير حكم بمنظومة دولة-حزب-أمن-اقتصاد وقوات موازية. لكن هذه التكنولوجيا نفسها أنتجت تناقضها الداخلي: كلما زادت قدرة النظام على منع الانقلاب التقليدي، زاد خطر تفكيك الدولة إلى مراكز قوة مسلحة متنافسة، وكلما طال عمر الشبكات السلطوية، أصبح تفكيكها بعد سقوط رأس النظام أصعب.
الفصل الأول: قبل عبود — دولة مستقلة بلا تسوية تأسيسية
لم يبدأ لغز الاستبداد العسكري السوداني مع انقلاب 1958، بل بدأ جزء مهم منه في اللحظة التي حصل فيها السودان على استقلاله في 1 يناير 1956 دون أن تُحسم بصورة مستقرة قضايا جوهرية تتعلق بطبيعة الدولة، والعلاقة بين المركز والأقاليم، وموقع الدين في النظام السياسي، وطبيعة العلاقة بين الجيش والسلطة المدنية. فقد ورث السودان دولة ذات مؤسسات مركزية محدودة، وتفاوتات إقليمية عميقة، وميراث استعماري في توزيع السلطة والتنمية، وجيشًا أصبح منذ الحرب العالمية الثانية أحد أكثر مؤسسات الدولة تنظيمًا وقدرة على الحركة. وفي الجنوب كانت جذور الحرب قد سبقت الاستقلال نفسه، إذ اندلعت تمردات جنوبية منذ 1955، ثم استمرت الحرب الأهلية الأولى حتى اتفاق أديس أبابا عام 1972. ويرى دوغلاس جونسون أن الحروب السودانية لا يمكن تفسيرها بردها إلى ثنائية “عرب وأفارقة” وحدها، بل ينبغي فهمها ضمن تاريخ الدولة المركزية، وتوزيع السلطة والثروة، والتهميش الإقليمي، وبنية الحكم التي أعادت إنتاج الصراع بين المركز والأطراف (Johnson, 2016).
كانت الديمقراطية البرلمانية الأولى قصيرة العمر، ومثقلة بصراعات الأحزاب التقليدية، وبالتنافس بين حزب الأمة والحزب الوطني الاتحادي ثم الحزب الاتحادي الديمقراطي، وبالخلافات حول الدستور والعلاقة مع مصر، وبضعف قدرة الحكومات الائتلافية على بناء إدارة عامة مستقرة أو معالجة قضية الجنوب. وتشير السجلات التاريخية الأمريكية إلى أن الصعوبات الاقتصادية والمناورات السياسية التي أدت إلى شلل الإدارة العامة شكلت جزءًا من السياق الذي سبق انقلاب عبود، وأن الحكومات البرلمانية بعد 1956 عانت أيضًا من الانقسام الحزبي والركود الاقتصادي والصراع الإقليمي (U.S. Department of State, 1995).
وهنا تظهر نقطة مهمة: لم يكن الجيش هو القوة الوحيدة التي أرادت السلطة، بل كان الانقلاب ممكنًا لأن النظام المدني نفسه فقد قدرًا مهمًا من الشرعية والقدرة التنفيذية. وقد حدث انقلاب 17 نوفمبر 1958 في سياق تفاوض بين رئيس الوزراء عبد الله خليل وقيادة الجيش، ولم يكن في البداية مشروعًا أيديولوجيًا متكاملًا لإعادة تشكيل المجتمع والدولة. وهذا يميز عبود جذريًا عن البشير؛ فالأول وصل إلى السلطة في لحظة أزمة سياسية، أما الأخير فوصل إليها بوصفه المكوّن العسكري لمشروع سياسي-أيديولوجي كان قد أُعد له مسبقًا.
الفصل الثاني: عبود — ست سنوات لأن الجيش كان أقوى من الدولة وأضعف من أن يحكمها طويلًا
انقلاب بلا حزب: حين تكون المؤسسة العسكرية هي النظام كله
جاء انقلاب الفريق إبراهيم عبود في 17 نوفمبر 1958 في ظروف استثنائية ميزته عن الانقلابين اللاحقين. فقد كان انتقال السلطة إلى الجيش مرتبطًا بالأزمة السياسية الحادة بين القوى المدنية، وبمخاوف داخل النخبة الحاكمة من تفاقم الاستقطاب، ولم يكن ثمرة تنظيم حزبي جماهيري أو عقيدة ثورية متماسكة. وقد أطاحت قيادة الجيش بالنظام البرلماني دون أن تمتلك في المقابل مشروعًا حزبيًا متكاملًا يربط الجيش بجماعات اجتماعية واسعة. وتؤكد الدراسات التاريخية الحديثة أن النظام العسكري الأول استولى على السلطة في 1958 بسبب تدهور سياسي واقتصادي وانعدام الثقة بين أطراف الحكومة، ثم واجه خلال سنواته اللاحقة مقاومة متنامية انتهت بانتفاضة أكتوبر 1964 (تربو وآخرون، 2025).
كانت هذه هي نقطة القوة ونقطة الضعف في آن واحد. فالجيش كان المؤسسة الأكثر تنظيمًا وقوة في الدولة، ولذلك استطاع الاستيلاء على السلطة بسرعة؛ لكنه لم يكن حزبًا ثوريًا يمتلك شبكة اجتماعية واسعة أو أيديولوجيا قادرة على تعبئة المجتمع لصالحه. ولم ينشئ عبود حزبًا حاكمًا قادرًا على اختراق المجتمع، ولم يبنِ منظومة أمنية متعددة المراكز تستطيع أن تراقب الجيش نفسه، ولم يؤسس شبكة اقتصادية واسعة تجعل فئات اجتماعية مهمة مرتبطة ببقاء النظام. وبذلك ظل النظام في جوهره يعتمد على شرعية الجيش وعلى قدرة القيادة العسكرية على فرض الانضباط الإداري.
ومن منظور نظرية البقاء السلطوي، كانت هذه بنية شديدة الهشاشة. فالنظام الذي يعتمد على مؤسسة عسكرية واحدة يواجه معضلة مزدوجة: إذا استخدم الجيش القوة ضد المجتمع، فقد ينجح مؤقتًا في قمع الاحتجاج، لكنه يخاطر بتقسيم الجيش نفسه؛ وإذا امتنع عن القمع الشامل، فإن المعارضة تستطيع تحويل الاحتجاجات إلى أزمة سياسية. وهذه المعضلة كانت أكثر حدة في السودان لأن الجيش كان لا يزال يقدم نفسه بوصفه مؤسسة وطنية لا بوصفه جهازًا حزبيًا تابعًا لحاكم شخصي.
الجنوب: الحرب التي حوّلت الحكم العسكري إلى مشكلة دولة
كان ملف الجنوب أكثر من مجرد قضية أمنية؛ فقد أصبح اختبارًا لقدرة النظام على بناء دولة متعددة المكونات. انتهج نظام عبود سياسات تعريب وأسلمة شديدة المركزية، وشملت تقليص نفوذ الإرساليات المسيحية، وإعادة تشكيل التعليم، وتعزيز سياسات ثقافية ودينية لم تقنع الجنوبيين بأن الدولة الجديدة يمكن أن تكون محايدة تجاه هوياتهم. وتؤكد وثائق وزارة الخارجية الأمريكية أن سياسة التعريب والأسلمة في عهد عبود ساهمت في تعزيز المعارضة الجنوبية بدلًا من إضعافها (U.S. Department of State, 2009).
وكانت النتيجة أن الدولة اضطرت إلى توسيع الاعتماد على القوة في منطقة لم تكن مؤسساتها الإدارية والأمنية قادرة على دمجها سياسيًا. ومع استمرار الحرب، أصبح النظام يواجه تكلفة متزايدة من دون أن يمتلك تسوية سياسية قابلة للحياة. وهذا يتوافق مع تحليل جونسون الذي يربط الحروب السودانية المتكررة بمشكلة أعمق تتعلق بالمركزية والتفاوت وتاريخ العلاقات بين المركز والأطراف (Johnson, 2016).
أكتوبر 1964: عندما وجد الجيش نفسه بلا جدار أمني يحميه من المجتمع
بدأت نقطة التحول الحاسمة في أكتوبر 1964، حين أدت ندوة في جامعة الخرطوم إلى تصاعد الاحتجاجات بعد مقتل الطالب أحمد القرشي طه. ولم تكن أهمية الحدث في مقتل الطالب وحده، بل في انتقال الاحتجاج من قضية طلابية إلى حركة اجتماعية أوسع شاركت فيها النقابات والمهنيون والعمال والموظفون والطلاب. تشكلت “جبهة الهيئات”، واتسعت الإضرابات، وأصبح العصيان المدني قادرًا على شل الدولة.
وهنا ظهر العامل الذي افتقده النظام: القدرة على استخدام القمع دون تفجير انقسام داخل الجيش. فكلما اتسعت الحركة، أصبح السؤال داخل القوات المسلحة ليس “هل نستطيع قمع المتظاهرين؟” بل “هل ينبغي لنا أن نستخدم الجيش كله ضد المجتمع، وإذا فعلنا فهل سيبقى الجيش موحدًا؟”. ومع ظهور ضباط متعاطفين مع الحركة، أصبح الاستمرار في القمع أكثر خطورة.
وتختلف هذه اللحظة عن انقلاب 1958: فقد دخل الجيش السلطة في 1958 لأن النخبة المدنية كانت منقسمة، لكنه خرج منها في 1964 لأن المجتمع المدني أصبح أكثر توحدًا من قدرة النظام على مقاومته. ولم يحتج إسقاط عبود إلى تدمير الجيش أو شن حرب أهلية في الخرطوم؛ فقد استقال وسلم السلطة لحكومة انتقالية برئاسة سر الختم الخليفة. وتؤكد المصادر التاريخية الأمريكية أن موجة الإضرابات والاحتجاجات في أكتوبر 1964 أجبرت الجيش على التخلي عن السلطة (U.S. Department of State, 1995).
وهكذا كانت سنوات عبود الست بمثابة نموذج الاستبداد العسكري المباشر: جيش واحد، حزب غائب، أيديولوجيا محدودة، أمن غير متعدد المراكز، قاعدة اجتماعية ضيقة، وحرب أطراف لا تجد تسوية سياسية. لذلك كان النظام قادرًا على الاستيلاء على الدولة بسرعة، لكنه لم يكن قادرًا على إعادة هندسة الدولة والمجتمع بما يكفي لضمان بقائه لعقود.
الفصل الثالث: نميري — ستة عشر عامًا لأن النظام تعلم أن الانقلاب لا يكفي وأن البقاء يحتاج إلى تحالفات
1969: انقلاب أكثر تنظيمًا في لحظة انهيار مدني متجدد
بعد عودة الحكم المدني بين 1964 و1969، عجزت الحكومات المتعاقبة عن تجاوز الانقسامات الحزبية والدستورية والحرب في الجنوب والتوترات الاقتصادية والإقليمية. وفي 25 مايو 1969 استولى جعفر نميري ومجموعة من الضباط الأحرار على السلطة، مستندين إلى تحالف ضم ضباطًا قوميين ويساريين وشيوعيين في البداية. وبذلك كان انقلاب نميري أكثر تنظيمًا وأيديولوجية من انقلاب عبود، لكنه لم يكن بعدُ نظامًا مؤسسيًا مستقرًا.
تؤكد المصادر التاريخية الأمريكية أن نميري ألغى البرلمان وحظر الأحزاب، ثم أعلن توجهًا اشتراكيًا وسياسة تمنح الجنوب قدرًا من الحكم الذاتي، قبل أن يدخل في صراع مع الشيوعيين وينتقل لاحقًا إلى اتجاهات مختلفة تمامًا (U.S. Department of State, 1995; U.S. Department of State, 2009).
1971: انقلاب الشيوعيين كشف هشاشة التحالف الأول
في يوليو 1971 قاد هاشم العطا محاولة انقلابية نجحت مؤقتًا في إزاحة نميري قبل أن تستعيد القوات الموالية له السلطة. وكانت المحاولة نقطة تحول هائلة؛ فقد أدرك نميري أن أخطر تهديد للنظام ليس بالضرورة المعارضة الشعبية، وإنما الشركاء العسكريون والسياسيون داخل التحالف الحاكم نفسه.
لذلك بدأ بتطهير اليسار، وتوثيق علاقاته بالقوى العربية المحافظة ثم بالغرب، وإعادة بناء النظام بحيث تصبح ولاءات الضباط والموظفين مرتبطة بصورة مباشرة برأس الدولة. وهذه إحدى النقاط التي تساعد على تفسير لماذا عاش نميري أكثر من ضعف عمر عبود: فقد تعلم من تجربة الانقلاب المضاد أن النظام العسكري يحتاج إلى مؤسسات وسيطة تحمي الحاكم من المؤسسة التي جاءت به إلى السلطة.
أديس أبابا 1972: السلام الذي منح نميري عقدًا إضافيًا من الحياة
كان اتفاق أديس أبابا عام 1972 أهم إنجاز سياسي لنميري. فقد أنهى الحرب الأهلية الأولى في الجنوب ومنح جنوب السودان حكمًا ذاتيًا إقليميًا، ووفر للدولة فترة من الاستقرار النسبي استمرت نحو عقد. وكانت أهمية الاتفاق بالنسبة لبقاء النظام أكبر من مجرد إنهاء الحرب؛ فقد أزال أحد أهم مصادر الاستنزاف العسكري والمالي، وأعطى نميري صورة رجل الدولة القادر على تحقيق ما عجزت الحكومات المدنية والعسكرية السابقة عن تحقيقه.
كما ساعدت التسوية في فتح المجال لعلاقات دولية أفضل، بما فيها علاقات مع الولايات المتحدة والدول الغربية، بينما استفاد النظام من المساعدات والقروض والاستثمارات. لكن من المهم تصحيح الفكرة الواردة في النص الأصلي بأن البنك الدولي قدم لنميري وحده نحو ثمانية مليارات دولار؛ فهذا الرقم بصيغته المذكورة غير موثق على نحو كافٍ، والأدق أن السودان حصل خلال تلك المرحلة على تدفقات كبيرة من المساعدات والقروض والاستثمارات الدولية، مع اعتماد متزايد على التمويل الخارجي. والأهم تحليليًا أن الموارد الخارجية ساعدت النظام على تمويل الدولة والجيش والمشروعات، لكنها لم تحل المشكلة البنيوية المتعلقة بتوزيع السلطة.
المصالحة الوطنية: استيعاب الخصوم بدل القضاء عليهم
في 1977 أجرى نميري مصالحة وطنية مع الصادق المهدي ومعارضين آخرين. وقد مثلت هذه الخطوة مثالًا مبكرًا على استراتيجية الاستبداد المرن: النظام لا يحتاج دائمًا إلى تدمير المعارضة؛ يستطيع أحيانًا شراء جزء منها، أو استيعاب بعض قياداتها، أو منحها مواقع ومصالح، ثم عزل الفصائل التي ترفض التسوية.
وتكشف هذه الاستراتيجية عن فرق جوهري بين عبود ونميري. لم يكن عبود قد امتلك الوقت أو الأدوات لبناء شبكة زبائنية واسعة، أما نميري فقد تعلم تدريجيًا أن البقاء لا يعتمد على القمع وحده، بل على جعل المعارضة نفسها غير قادرة على تكوين جبهة موحدة.
من المصالحة إلى الحصار: حين تحولت المرونة إلى تناقضات
لكن قدرة نميري على تبديل التحالفات أصبحت في النهاية مصدر ضعف. فقد انتقل النظام من الاشتراكية إلى التقارب مع الغرب، ثم إلى المصالحة مع قوى تقليدية، ثم إلى الإسلام السياسي. وفي 1983 أعلن تطبيق قوانين الشريعة الإسلامية وأعاد تنظيم الجنوب وقسمه إلى أقاليم أصغر، وهو ما ساهم في انهيار الترتيبات التي قامت عليها تسوية أديس أبابا.
وتشير الوثائق الأمريكية إلى أن قرار 1983 بإعادة تنظيم الجنوب وفرض الشريعة مثّل فعليًا إلغاءً للترتيبات التي كانت قد أوقفت الحرب، وأن الحرب الأهلية الثانية بدأت في سياق هذه التحولات (U.S. Department of State, 2009).
كان هذا التحول أكثر من خطأ سياسي؛ فقد كشف مشكلة الأنظمة التي تستبدل الأيديولوجيا بالأخرى دون بناء تسوية مؤسسية مستقرة. فالإسلامنة التي هدفت إلى منح النظام شرعية جديدة قسمت المجتمع بدل أن توحده، وأعادت فتح الحرب في الجنوب، وأثارت مقاومة قطاعات من النخب الإسلامية نفسها، وبلغت ذروة الصراع الرمزي بإعدام محمود محمد طه في يناير 1985.
الاقتصاد: حين يصبح سعر الخبز استفتاءً على النظام
في السنوات الأخيرة من حكم نميري، تزامنت الحرب مع الأزمة الاقتصادية وارتفاع الأسعار وتراجع قدرة الدولة على تمويل نفسها. وفي مارس وأبريل 1985 اتسعت الاحتجاجات والإضرابات، وتحولت المطالب الاقتصادية إلى مطالب سياسية بإسقاط النظام. وهنا ظهر مرة أخرى دور النقابات والمهنيين، وهو دور سيصبح أحد أكثر الثوابت إثارة للاهتمام في تاريخ السودان السياسي.
في 6 أبريل 1985، بينما كان نميري خارج البلاد، أعلن وزير الدفاع الفريق عبد الرحمن سوار الذهب انحياز القوات المسلحة إلى الحركة الشعبية في الشارع، وانتهى الحكم الذي استمر ستة عشر عامًا. وتؤكد السجلات التاريخية الأمريكية أن انهيار الاقتصاد والحرب في الجنوب والقمع السياسي كانت من العوامل الرئيسية التي فجرت الانتفاضة وأسقطت نميري (U.S. Department of State, 2009).
كان سقوط نميري إذن أكثر تعقيدًا من سقوط عبود. لم يكن النظام بلا أدوات؛ كان قد امتلك حزبًا واحدًا، وشبكات سياسية، وتحالفات خارجية، وخبرة طويلة في إدارة الانقلابات والمعارضة. لكنه استنزف هذه الأدوات عبر تبدلات أيديولوجية وسياسية متكررة، ثم فقد القدرة على الحفاظ على التحالف الذي يربط الجيش بالنظام.
الفصل الرابع: ما بين نميري والبشير — حين تحولت الأسلمة من أداة إنقاذ إلى بنية دولة
الإرث غير المقصود: الجيش الذي أعيد تشكيله أيديولوجيًا
من أخطر النتائج غير المقصودة لعهد نميري أنه لم يسقط فقط نظامًا سياسيًا؛ بل ترك وراءه مؤسسة عسكرية وأمنية أكثر تعرضًا للتأثير الإسلامي السياسي. فقد أصبحت الأسلمة جزءًا من المجال السياسي والعسكري في الثمانينيات، وظهرت شبكات إسلامية أكثر تنظيمًا داخل الدولة والجيش والمجتمع. ومع ذلك، لا ينبغي اختزال انقلاب 1989 في مجرد “انقلاب إسلامي” منفصل عن أزمة الديمقراطية الثانية؛ فقد كانت حكومة الصادق المهدي تواجه حربًا في الجنوب، وأزمة اقتصادية، وانقسامات حزبية، ونزاعات حول الدستور والشريعة، ومنافسة متصاعدة بين الجبهة الإسلامية القومية والقوى التقليدية واليسارية.
ومن هنا كان انقلاب 30 يونيو 1989 أكثر من انقلاب ضباط منفردين؛ فقد جاء نتيجة تفاعل بين ضباط يقودهم عمر البشير وتنظيم الجبهة الإسلامية القومية بقيادة حسن الترابي. وتؤكد الوثائق الأمريكية أن ضباطًا بقيادة البشير استولوا على السلطة بدعم وتحريض من الجبهة الإسلامية القومية، وأن مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطني أصبح الإطار العسكري للحكم الجديد (U.S. Department of State, 2005).
كان هذا هو الفارق الذي سيجعل البشير مختلفًا جذريًا عن عبود ونميري: النظام الجديد لم يرث الدولة فقط؛ بل امتلك مشروعًا لإعادة هندستها.
الفصل الخامس: البشير — ثلاثون عامًا لأن النظام لم يحكم فوق الدولة بل أعاد بناء الدولة حول بقائه
انقلاب 1989: من الجيش إلى شراكة الجيش والتنظيم
بدأ حكم البشير بوصفه شراكة بين قيادة عسكرية وتنظيم إسلامي شديد التنظيم. كانت الجبهة الإسلامية القومية قد راكمت خبرة سياسية وتنظيمية طويلة، وامتلكت شبكات في الجامعات والنقابات والاقتصاد والخدمة المدنية، وكانت قادرة على تحويل الانقلاب العسكري إلى مشروع لإعادة تشكيل الدولة.
في البداية أُنشئ مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطني، ثم أعيد تنظيم الدولة والحزب والمجتمع. وفي مارس 1991 أُدخل قانون جنائي جديد تضمن عقوبات قاسية، وتوسعت أجهزة النظام في فرض النظام العام والأسلمة القانونية، بينما تعرضت مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب والنقابات لعملية تفكيك وإعادة تشكيل (U.S. Department of State, 2005).
لكن الأهم لم يكن القانون وحده، بل التمكين: إعادة توزيع الوظائف والموارد والمواقع القيادية على أساس الولاء السياسي والأيديولوجي. ومع مرور الوقت أصبحت السيطرة على الدولة والاقتصاد والأمن مترابطة؛ وهو ما تصفه الدراسات الحديثة عن تطور الدولة السلطوية السودانية بأن “التمكين” والقسر الأمني تداخلا في السيطرة على الحياة الاقتصادية والعامة، مع استخدام الرقابة والإعلام والأجهزة الأمنية والمراقبة الرقمية والتحالفات الخارجية للحفاظ على النظام (Ahmed, 2022).
الحزب الذي أصبح دولة، والدولة التي أصبحت شبكة مصالح
أنشأ النظام المؤتمر الوطني ليكون الأداة السياسية الرئيسية، لكن علاقة الحزب بالدولة لم تكن مجرد علاقة حزب حاكم بحكومة؛ فقد أصبح الحزب، والحركة الإسلامية، وأجهزة الدولة، والقطاع الاقتصادي، وشبكات الأمن متشابكة بدرجات متفاوتة.
وهنا تنطبق بصورة واضحة نتائج الأدبيات المقارنة التي تشير إلى أن إنشاء حزب بعد الانقلاب يمكن أن يحمي الحاكم من خطر الانقلاب العسكري، لأنه يخلق شبكة تنظيمية ومواردية تنافس القوات المسلحة في إنتاج الولاء (Geddes et al., 2018). لكن هذه العملية تحمل تناقضًا: الحزب القوي قد يقيد الحاكم، بينما الحزب الذي يخضع بالكامل للرئيس يصبح أقل قدرة على توفير قاعدة اجتماعية مستقلة. وتوضح الأدبيات الحديثة أن قوة التنظيم الحزبي وتركيز القيادة داخله يؤثران في اعتماد النظام على الزبائنية والقسر (Frantz & Higashijima, 2024).
1999: المفاصلة التي كشفت أن النظام أصبح أكبر من مؤسسه
جاءت المفاصلة بين البشير والترابي عام 1999 بوصفها اختبارًا بالغ الأهمية. فقد كان الترابي أحد أهم مهندسي المشروع الإسلامي، لكن البشير استطاع في النهاية إخراجه من مركز السلطة، وأصبح النظام أكثر شخصية وأقل اعتمادًا على القيادة الجماعية للحركة الإسلامية.
كان هذا التحول مهمًا من زاويتين متعارضتين. فمن جهة، سمح للبشير بتركيز السلطة في يده وإدارة النخب بصورة أكثر مباشرة. ومن جهة أخرى، بدأ النظام يفقد بعض الطابع المؤسسي الذي كان يمنحه التنظيم الإسلامي، وأصبح أكثر اعتمادًا على شبكة شخصية من الضباط والأمن ورجال الأعمال والوسطاء.
وتؤكد دراسات عن اقتصاد النظام أن البشير، بعد 1999، أصبح أكثر اعتمادًا على مجموعة ضيقة من الموالين، بينما أدى انفصال جنوب السودان لاحقًا إلى زيادة تركيز السلطة وإضعاف القاعدة الاجتماعية للحزب الوطني، بالتوازي مع تفكك قطاع الأمن إلى مراكز متعددة (Ali, 2022).
الفصل السادس: سر الثلاثين عامًا — تعدد الجيوش والأمن والاقتصاد بدل احتكار الجيش للقوة
قوات الدفاع الشعبي: الجيش الذي لا ينتمي بالكامل إلى الجيش
أدرك النظام مبكرًا أن الاعتماد على القوات المسلحة وحدها يمثل خطرًا. ولذلك تطورت قوات الدفاع الشعبي بوصفها قوة تعبئة شبه عسكرية ذات صبغة أيديولوجية، شاركت في الحروب الداخلية ووفرت للنظام قوة يمكن استخدامها بعيدًا عن التسلسل التقليدي للجيش.
وهذه ليست مجرد مسألة عسكرية؛ إنها استراتيجية لمنع الانقلاب. فإذا أصبح الجيش وحده صاحب القوة المسلحة، فإن الحاكم يعتمد على الجيش لحمايته، لكنه يصبح في الوقت نفسه رهينة لضباطه. أما إذا امتلك الحاكم قوات موازية، وأجهزة أمنية، وشرطة، واستخبارات، وقوات حزبية، فإنه يقلل احتمال أن يؤدي انقلاب مجموعة من الضباط إلى إسقاط النظام كله.
دارفور: من الجنجويد إلى الدعم السريع
أدى تمرد دارفور منذ 2003 إلى تسريع هذه الاستراتيجية. فقد اعتمد النظام بصورة متزايدة على القوات المحلية والميليشيات لمواجهة التمرد، ثم تطورت هذه البنية لاحقًا إلى قوات الدعم السريع، التي تأسست رسميًا عام 2013، ثم اكتسبت وضعًا قانونيًا أكثر وضوحًا في 2017.
كانت النتيجة أن السودان أصبح يمتلك أكثر من مركز مسلح: القوات المسلحة، جهاز الأمن والمخابرات، الشرطة، قوات الدفاع الشعبي، الدعم السريع، إضافة إلى تشكيلات مسلحة محلية وقبلية. وقد أطال هذا التعدد عمر البشير، لكنه زرع أيضًا بذرة الأزمة اللاحقة.
فوفق مجموعة الأزمات الدولية، أدى ضعف القوات المسلحة خلال عهد البشير، وخصوصًا بعد فقدان الرئيس الثقة في الجيش إثر صراعات داخلية وفشل المؤسسة في منع هجوم حركة العدل والمساواة على الخرطوم عام 2008، إلى زيادة اعتماد النظام على القوات شبه العسكرية. وبذلك أصبح الجيش النظامي مجرد واحد من عدة مراكز قوة داخل قطاع الأمن (International Crisis Group, 2019).
وهنا تكمن إحدى أهم مفارقات التاريخ السوداني الحديث: ما أنقذ البشير من انقلاب عسكري تقليدي ساهم في تحويل الدولة إلى بيئة يكون فيها الجيش والدعم السريع قوتين متنافستين. لذلك فإن حرب 2023 لا يمكن فهمها فقط بوصفها انفجارًا مفاجئًا بين البرهان وحميدتي؛ فهي أيضًا نتيجة طويلة المدى لسياسة تفتيت احتكار الدولة للعنف.
الاقتصاد السياسي: عندما يصبح النفط جهازًا أمنيًا
ساهم النفط، خاصة منذ أواخر التسعينيات وحتى انفصال جنوب السودان في 2011، في منح النظام موارد مالية مهمة. ولم تكن أهمية النفط في الإيرادات فقط، بل في قدرة الدولة على توسيع الإنفاق العام، وتمويل الأجهزة الأمنية، وبناء شبكات الولاء، وتمويل مشروعات البنية التحتية.
لكن النفط كان في الوقت نفسه نقطة ضعف استراتيجية. فقد كان جزءًا كبيرًا من الإنتاج النفطي يوجد في الجنوب الذي أصبح دولة مستقلة عام 2011. وبعد الانفصال فقد السودان الجزء الأكبر من إنتاجه النفطي، فانكمشت القاعدة المالية التي ساعدت النظام على إدارة شبكات الولاء. وهذه الصدمة لم تسقط النظام فورًا، لكنها أضعفت إحدى أهم آليات بقائه.
العقوبات والعزلة والتحالفات: النظام الذي تعلم كيف يعيش تحت الضغط
دخل السودان في التسعينيات في عزلة دولية شديدة بسبب علاقاته مع جماعات إسلامية مسلحة واستضافة أسامة بن لادن في الخرطوم بين 1991 و1996، ثم بسبب اتهامات تتعلق بالإرهاب والنزاع في دارفور. ومع ذلك لم تؤد العزلة إلى سقوط النظام؛ بل دفعته إلى إعادة ترتيب تحالفاته.
بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 تطورت قنوات تعاون استخباراتي بين السودان والولايات المتحدة في مجال مكافحة الإرهاب، بينما استمر الصراع الدولي حول دارفور وصدرت لاحقًا أوامر من المحكمة الجنائية الدولية بحق البشير. وفي الوقت نفسه، طور النظام علاقات مع قوى إقليمية مختلفة، واستفاد من التغيرات في البيئة الدولية.
وهذا يوضح أن العقوبات الخارجية لا تسقط الأنظمة بالضرورة. فإذا امتلك النظام موارد بديلة، وشبكات أمنية قوية، وقدرة على نقل التكلفة إلى المجتمع، فقد تتحول العقوبات إلى عامل تعبئة للنظام بدل أن تكون عامل انهياره.
الفصل السابع: لماذا لم تسقط ثلاثون سنة من الحكم رغم الحروب والعقوبات والانتفاضات؟
القمع وحده لا يفسر البقاء
شهد عهد البشير احتجاجات وانتفاضات متعددة، بما فيها احتجاجات 2013، ثم الاحتجاجات التي بدأت في ديسمبر 2018. ولو كان القمع وحده هو مصدر البقاء، لكان من المتوقع أن يسقط النظام بعد أول موجة كبرى. لكن البقاء جاء من تداخل القمع مع الزبائنية، والأمن، والموارد، والانقسامات السياسية، والتنافس بين مراكز المعارضة.
وقد استخدم النظام الاعتقال والرقابة والإعلام والرقابة على الصحافة والحركات الطلابية والنقابية، كما استخدمت الأجهزة الأمنية القوة ضد المتظاهرين. وفي بداية احتجاجات 2018-2019 وثقت هيومن رايتس ووتش استخدام الذخيرة الحية والاعتقالات التعسفية، وقدرت مصادر طبية وناشطون سقوط عشرات القتلى خلال الأسابيع الأولى (Human Rights Watch, 2019).
لكن القمع كان جزءًا من منظومة أكبر: فالنظام كان يحاول باستمرار التأكد من أن المعارضة لا تتحول إلى ائتلاف واسع يجمع النقابات والطلاب والأحزاب والقوى المسلحة والطبقات الاقتصادية المختلفة.
المعارضة: من التشتت إلى الائتلاف
كانت المعارضة السودانية تاريخيًا متعددة المراكز: أحزاب تقليدية، يسار، إسلاميون منشقون، حركات مسلحة، نقابات، مهنيون، حركات شبابية، وقوى مدنية. وقد استفاد النظام من هذه التناقضات.
لكن الاحتجاجات في 2018-2019 أنتجت تغييرًا مهمًا؛ إذ أصبح تجمع المهنيين السودانيين نقطة تنظيمية مركزية، ثم اتسعت الحركة عبر المدن، وتحولت المطالب الاقتصادية إلى مطلب سياسي واضح هو إسقاط النظام. وتشير منظمة العفو الدولية إلى أن الاحتجاجات بدأت في ديسمبر 2018، بعد إجراءات تقشف وارتفاع أسعار الخبز والوقود، ثم اتسعت إلى موجة وطنية غير مسبوقة منذ وصول البشير إلى السلطة (Amnesty International, 2019).
وهنا ظهر للمرة الأولى منذ سنوات عاملان في وقت واحد: أزمة اقتصادية تقلل الموارد التي يستطيع النظام توزيعها، ومعارضة وطنية قادرة على إنتاج خطاب موحد يتجاوز الانقسامات الحزبية التقليدية.
الفصل الثامن: 2018–2019 — عندما اجتمعت الأزمة الاقتصادية مع وحدة الشارع وانقسام جهاز القسر
من عطبرة إلى الخرطوم: الاقتصاد الذي تحول إلى ثورة سياسية
بدأت احتجاجات ديسمبر 2018 في عطبرة على خلفية ارتفاع أسعار الخبز وإجراءات التقشف، لكنها سرعان ما تجاوزت القضية الاقتصادية. انتشرت الاحتجاجات إلى مدن عديدة، ثم وصلت إلى الخرطوم وأم درمان ومدن أخرى، وتحولت من احتجاج على الأسعار إلى حركة تطالب بسقوط البشير.
وتوضح منظمة العفو الدولية أن أكثر من 700 احتجاج وقع منذ بداية الموجة حتى أبريل 2019، وأن الإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها الحكومة بعد انخفاض الإنتاج النفطي واستمرار آثار العقوبات ساهمت في إشعال الأزمة (Amnesty International, 2019).
القيادة العامة: المكان الذي أصبح فيه الجيش جزءًا من معادلة الثورة
في 6 أبريل 2019 تجمع آلاف المتظاهرين حول القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم، وأصبح الاعتصام نقطة تحول. لم يعد المتظاهرون يحتجون في فضاء مدني منفصل عن الجيش؛ بل أصبحوا أمام المؤسسة التي يطلبون منها تحديد موقعها من النظام.
وكان هذا بالغ الأهمية. فقد وثقت هيومن رايتس ووتش وجود مؤشرات على انقسام داخل الأجهزة الأمنية خلال أيام الاحتجاجات، بما في ذلك تقارير عن حماية بعض الجنود والمتدربين للمتظاهرين من أجهزة أمنية أخرى (Human Rights Watch, 2019).
11 أبريل: لم ينتصر الشارع وحده، ولم ينقلب الجيش وحده
في 11 أبريل 2019 أعلن عوض بن عوف إطاحة البشير، ثم استقال بعد يوم واحد تحت ضغط المحتجين، وتولى عبد الفتاح البرهان قيادة المجلس العسكري الانتقالي. وكان محمد حمدان دقلو، قائد الدعم السريع، نائبًا له.
لذلك لا ينبغي وصف 11 أبريل بأنه “انتصار الجيش للثورة” بصورة مبسطة. الأدلة تشير إلى أن القوات المسلحة قررت التخلي عن البشير بعدما أصبح استمراره خطرًا على تماسك مركز القوة العسكري نفسه. وتؤكد دراسة حسن وكودودة أن البشير أُطيح به بواسطة قواته الأمنية نفسها بعد انتفاضة شعبية استمرت أشهر، وأن سقوطه لم يؤدِ إلى تفكيك قطاع الأمن، بل جعل هذا القطاع أكثر قوة في مرحلة الانتقال (Hassan & Kodouda, 2019).
وهذا يتفق مع التحليل المؤسسي للقوات المسلحة السودانية: فقد رأت قيادات عسكرية وأمنية أن استمرار البشير أصبح مكلفًا، وأن التخلي عنه يمكن أن يحفظ مواقعها ويمنع انهيار النظام الأمني بالكامل. ولذلك فإن “المروق” العسكري لم يكن فعلًا واحدًا متجانسًا، بل نتيجة حسابات متنافسة داخل مثلث الجيش والأمن والدعم السريع (de Waal, 2023).
الفصل التاسع: المقارنة الحاسمة — كيف تحولت ست سنوات إلى ستة عشر ثم إلى ثلاثين؟
المحور الأول: من جيش يحكم إلى نظام يعيد بناء الجيش
كان عبود يعتمد على الجيش؛ أما نميري فحاول إعادة تشكيل الجيش وتحويله إلى قاعدة للنظام مع إنشاء حزب واحد؛ أما البشير فذهب أبعد، فحاول منع الجيش نفسه من أن يكون مركز القوة الوحيد.
يمكن تمثيل التطور المؤسسي بهذه الصورة: عبود = احتكار عسكري مباشر؛ نميري = احتكار عسكري-سياسي متغير؛ البشير = تعدد أمني-عسكري منظم. وكل مرحلة حلت مشكلة كانت تعاني منها المرحلة السابقة، لكنها خلقت مشكلة جديدة.
كان عيب عبود أن الجيش هو النظام كله. وكان عيب نميري أن التحالفات السياسية والأيديولوجية كانت متغيرة وأن الرئيس ظل يعتمد بدرجة كبيرة على الجيش. أما البشير فنجح في منع الجيش من إسقاطه عبر بناء مراكز قوة موازية، لكنه بذلك أضعف احتكار الدولة للعنف، وفتح الطريق أمام تنافس مسلح بين المؤسسات.
المحور الثاني: الحزب والأيديولوجيا
عبود لم يمتلك حزبًا حاكمًا حقيقيًا. نميري أنشأ الاتحاد الاشتراكي السوداني، لكنه كان في معظم الوقت أداة سياسية للنظام أكثر منه تنظيمًا أيديولوجيًا مستقلًا. أما البشير فقد ورث تنظيمًا إسلاميًا شديد التنظيم، ثم أعاد صياغته ضمن نظام الحزب الحاكم.
وتؤكد الأدبيات المقارنة أن بناء حزب بعد الاستيلاء على السلطة يمكن أن يطيل عمر النظام لأنه يخلق شبكة للتنسيق والموارد ويقلل من اعتماد الحاكم على الجيش وحده (Geddes et al., 2018). لكن الأدبيات نفسها تحذر من أن الحزب السلطوي ليس دائمًا عامل استقرار ديمقراطي؛ فقد يصبح أداة للزبائنية والقمع، أو يتحول إلى مؤسسة شخصية إذا تمركزت السلطة في القيادة (Frantz & Higashijima, 2024).
المحور الثالث: القدرة على شراء الوقت
استطاع نميري شراء الوقت عبر السلام في الجنوب، والمصالحة الوطنية، والدعم الخارجي. واستطاع البشير شراء الوقت عبر النفط، والتحالفات الإقليمية، وشبكات الاقتصاد السياسي، ثم عبر إعادة توزيع الموارد بعد فقدان النفط.
لكن شراء الوقت لا يساوي حل المشكلة. فقد أدت اتفاقية أديس أبابا إلى وقف الحرب الأولى، لكنها لم تحل السؤال الوطني حول طبيعة الدولة، وأدى انفصال الجنوب إلى كشف هشاشة الاقتصاد السياسي، كما أن التحالفات الخارجية لم تمنح النظام شرعية داخلية مستدامة.
المحور الرابع: تفتيت المعارضة
كان تفتيت المعارضة أكثر وضوحًا في عهد البشير. فقد استطاع النظام إدارة الانقسامات بين الأمة والاتحادي واليسار والإسلاميين، وبين القوى المدنية والحركات المسلحة، وبين المركز والأقاليم، وبين النخب القديمة والجديدة.
لكن الاستراتيجية فشلت عندما تمكنت الاحتجاجات من بناء هوية سياسية أوسع من الأحزاب: المهني، والطالب، والعامل، والمرأة، والشاب، والموظف، والناشط، وسكان المدن والأقاليم. عندها لم يعد النظام يواجه حزبًا يمكن اعتقال قيادته، بل شبكة اجتماعية واسعة.
المحور الخامس: اللحظة الأخيرة ليست حجم المظاهرات بل موقف جهاز القسر
تقدم الحالات الثلاث دليلًا قويًا على أهمية هذه الفرضية. ففي 1964 أدرك الجيش أن استمرار عبود يهدد وحدة المؤسسة العسكرية. وفي 1985 أعلن سوار الذهب انحياز الجيش إلى الحركة الشعبية بينما كان نميري خارج البلاد. وفي 2019 تخلى قادة عسكريون وأمنيون عن البشير بعدما أصبحت كلفة بقائه أعلى من كلفة التخلي عنه.
وتنسجم هذه النتيجة مع الأدبيات المقارنة التي تشير إلى أن نهاية الأنظمة الاستبدادية ترتبط بقواعد النخب ومواقف المؤسسات القسرية، وليس بحجم الاحتجاج وحده. كما أن الأنظمة العسكرية قد تميل إلى الانتقال التفاوضي عندما يصبح استمرار الحاكم غير ممكن، بينما تكون الأنظمة الشخصية أكثر ميلًا إلى المقاومة حتى النهاية (Geddes et al., 2018).
الفصل العاشر: المفارقة السودانية — كلما طال عمر النظام أصبح سقوط الحاكم أقل أهمية
تقدم الأنظمة الثلاثة درسًا يتجاوز تاريخها الخاص. فقد كان سقوط عبود قريبًا من سقوط حكمه نفسه؛ أما سقوط نميري فترك وراءه مؤسسة عسكرية وسياسية استطاعت أن تعود إلى مركز الحكم، بينما كان سقوط البشير مختلفًا جذريًا لأن البنية التي بناها لم تسقط معه.
لقد أصبح قطاع الأمن أكثر تعددًا، وبرز الدعم السريع بوصفه مركز قوة مستقلًا نسبيًا، وبقيت شبكات الحركة الإسلامية، والاقتصاد الأمني، والكوادر التي تشكلت خلال عقود من التمكين، وأعيد إنتاج أجزاء من البنية السلطوية داخل ترتيبات ما بعد 2019.
ولهذا فإن سقوط البشير في أبريل 2019 لم يكن نهاية كاملة للنظام؛ كان بداية صراع جديد حول من يملك الدولة التي بناها النظام. وتوضح دراسة حسن وكودودة أن قوات الأمن ازدادت قوة بعد سقوط البشير، بينما يبين تحليل القوات المسلحة أن التنافس بين الجيش والدعم السريع وأجهزة الأمن أصبح جزءًا من تفسير الانقلاب اللاحق والتحولات السياسية (Hassan & Kodouda, 2019; de Waal, 2023).
كما أن تفكيك البنية السلطوية يصبح أصعب كلما تراكمت فيها المصالح الاقتصادية والأمنية. فالشخص الذي يسقط يمكن استبداله، لكن الشبكات التي تربط الوظيفة بالدخل، والسلاح بالسلطة، والأرض بالولاء، والاقتصاد بالأمن، لا تختفي بالقرار السياسي. وهذا يفسر لماذا يمكن أن ينتقل بلد من ديكتاتورية إلى انتقال سياسي دون أن ينتقل فعليًا من دولة أمنية إلى دولة مدنية.
والأخطر أن سياسة البشير في تفتيت القوة العسكرية لمنع الانقلاب أدت إلى نتيجة عكسية على المدى الطويل. فقد ساعدت في إبقاء النظام ثلاثين عامًا، لكنها جعلت الدولة بعده أكثر تعددًا في مراكز القوة. وتشير مجموعة الأزمات الدولية إلى أن القوات المسلحة السودانية أضعفت بشدة خلال عهد البشير، وأصبح قطاع الأمن موزعًا بين قوى متعددة، مع اعتماد متزايد على الدعم السريع والقوات شبه العسكرية (International Crisis Group, 2019).
وهكذا يمكن صياغة المفارقة المركزية في جملة واحدة: كلما أصبح النظام أكثر قدرة على منع الانقلاب، زاد احتمال أن يخلق داخل الدولة مراكز قوة قادرة على منع بناء دولة مدنية بعد سقوطه.
الفصل الحادي عشر: من عبود إلى نميري إلى البشير — نموذج تفسيري واحد لمسار الاستبداد السوداني
يمكن تلخيص التطور التاريخي في ثلاث مراحل مترابطة. المرحلة الأولى هي مرحلة الحكم العسكري المباشر: الجيش يستولي على الدولة لكنه لا يعيد بناء المجتمع، ولذلك يستطيع الحكم لكنه يظل هشًا. هذه هي حالة عبود.
المرحلة الثانية هي مرحلة الحكم العسكري التحالفي: الجيش يبحث عن حزب وأيديولوجيا وموارد وتحالفات داخلية وخارجية، ويستخدم المصالحة والقمع والحرب والسلام بالتناوب. هذه هي حالة نميري.
المرحلة الثالثة هي مرحلة الدولة الأمنية متعددة المراكز: الحزب والأيديولوجيا والأمن والاقتصاد والقوات الموازية تصبح أجزاء من منظومة واحدة، بينما يعاد توزيع القوة بين مؤسسات متعددة حتى لا يستطيع أي مركز منفرد الإطاحة بالحاكم. هذه هي حالة البشير.
وبذلك لا تكون السنوات الثلاثون مجرد رقم كبير؛ إنها مؤشر على تطور تدريجي في أدوات السيطرة. فقد تعلم النظام الثالث من مشكلات النظامين السابقين: تعلم أن الجيش يمكن أن ينقلب على الحاكم، فأنشأ قوى موازية؛ وأن المعارضة يمكن أن تتوحد، فعمل على تفتيتها؛ وأن الأيديولوجيا وحدها لا تكفي، فمزجها بالزبائنية؛ وأن الاقتصاد يمكن أن ينهار، فأنشأ شبكات مصالح؛ وأن العزلة الدولية يمكن أن تكون مؤذية، فنوّع علاقاته الإقليمية؛ وأن سقوط الرئيس لا يعني بالضرورة سقوط الشبكات، فعمّق التغلغل داخل الدولة.
لكن كل حل أنتج مشكلة جديدة. القوة الموازية أنتجت تنافسًا مسلحًا. والزبائنية أضعفت مؤسسات الدولة. والتمكين أضعف المهنية. وتركيز السلطة أضعف الحزب نفسه. والحروب أضعفت الجيش. والاعتماد على النفط جعل الدولة شديدة الحساسية للانفصال. وتفتيت المعارضة أخّر التغيير لكنه لم يلغِه. وأخيرًا أدى تراكم هذه التناقضات إلى جعل الدولة أكثر هشاشة حتى وهي تبدو أكثر استقرارًا.
وهذه النقطة مهمة للغاية في تقييم الاستبداد: الاستقرار السلطوي ليس بالضرورة استقرار الدولة. قد يكون النظام مستقرًا لأن مؤسسات الدولة ضعيفة ومجزأة، وقد يكون الحاكم قادرًا على منع الانقلاب لأن الدولة نفسها أصبحت مجموعة مراكز قوة متنافسة. ولذلك فإن طول عمر النظام ليس دليلًا تلقائيًا على نجاح بناء الدولة؛ فقد يكون دليلًا على نجاح بناء آلية للبقاء على حساب بناء دولة ذات مؤسسات محايدة.
الفصل الثاني عشر: ما الذي يعنيه هذا التاريخ للسودان؟ من إسقاط الحاكم إلى تفكيك هندسة الاستبداد
الدرس الأول هو أن الانتقال المدني لا يمكن أن يقتصر على تغيير رأس الدولة. تجربة 2019 أثبتت أن إسقاط البشير كان ممكنًا، لكن تفكيك البنية التي جعلت حكمه ممكنًا كان أكثر صعوبة. لذلك فإن أي انتقال ديمقراطي مستدام يحتاج إلى إصلاح قطاع الأمن، وإعادة بناء سلسلة قيادة عسكرية واحدة، ووضع جميع القوات المسلحة وشبه العسكرية تحت سلطة مدنية دستورية، ومنع تكوين قوات موازية، وربط الميزانيات الأمنية برقابة تشريعية ومؤسسية مستقلة.
الدرس الثاني هو أن إصلاح الجيش لا ينبغي أن يتحول إلى إضعافه بوصفه مؤسسة وطنية. المشكلة التاريخية ليست وجود جيش قوي، بل وجود جيش أو قوة مسلحة تمتلك سلطة سياسية واقتصادية مستقلة عن الدولة المدنية. الدولة الديمقراطية تحتاج إلى جيش مهني قوي، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى أن يكون الجيش غير قادر على تحديد من يحكم.
الدرس الثالث هو أن تفكيك الاقتصاد السياسي للاستبداد لا يقل أهمية عن إصلاح الأمن. فإذا بقيت الشركات المرتبطة بالقوات المسلحة أو الأجهزة الأمنية أو النخب السياسية خارج الرقابة المالية والمدنية، فإن الانتقال السياسي سيظل ناقصًا. فالاستبداد لا يعيش بالسلاح وحده؛ يعيش أيضًا عبر العقود والامتيازات والأراضي والضرائب والتجارة والموانئ والذهب والائتمان والوظائف.
الدرس الرابع هو أن معالجة التهميش الإقليمي ليست سياسة اجتماعية منفصلة عن الاستقرار السياسي. فالحرب في الجنوب، ثم دارفور، ثم جنوب كردفان والنيل الأزرق، لم تكن مجرد تمردات أمنية متتابعة؛ كانت تعبيرًا عن أزمة في صياغة الدولة نفسها. ولذلك فإن بناء دولة مواطنة متساوية، وتوزيع الموارد، والحكم المحلي، والعدالة الانتقالية، والتنمية المتوازنة، يجب أن تكون عناصر في صميم إصلاح الدولة، لا ملفات ثانوية بعد “استقرار الخرطوم” (Johnson, 2016).
الدرس الخامس هو أن المجتمع المدني السوداني يمثل أحد أهم عناصر الحماية من إعادة إنتاج الحكم العسكري. فقد لعب المهنيون والنقابات والطلاب دورًا حاسمًا في 1964 و1985 و2018-2019، لكن قوة المجتمع المدني لا تكفي وحدها إذا كانت مؤسسات الدولة الأمنية قادرة على إعادة تنظيم السلطة. ولذلك يجب تحويل المجتمع المدني من قوة احتجاجية تظهر في لحظات الانهيار إلى مؤسسات دائمة للمساءلة والرقابة والتنظيم.
الدرس السادس هو أن الديمقراطية لا تستطيع أن تعتمد على حياد الجيش بوصفه فضيلة أخلاقية؛ يجب أن تجعل التدخل العسكري في السياسة غير مربح مؤسسيًا. وهذا يعني بناء قواعد واضحة للترقية والتعيين والميزانية، وقضاءً مستقلًا، وبرلمانًا قادرًا على الرقابة، وأجهزة أمنية تخضع للقانون، وانتخابات تنافسية، وحوافز اقتصادية ومؤسسية تجعل العسكريين يرون مستقبلهم المهني داخل المؤسسة لا في القصر الرئاسي.
الدرس السابع هو أن إسقاط الاستبداد ليس نهاية الصراع. تشير الأدبيات المقارنة إلى أن التحول من نظام سلطوي إلى نظام ديمقراطي ليس النتيجة الوحيدة الممكنة لسقوط الحاكم؛ فقد يعاد إنتاج نظام سلطوي جديد، أو تنتقل السلطة إلى نخبة أخرى من داخل النظام السابق (Geddes et al., 2014). ولذلك فإن السودان لا يحتاج فقط إلى ثورة ناجحة، بل إلى عملية تفكيك مؤسسي طويلة تمنع انتقال الدولة من يد شبكة سلطوية إلى يد شبكة سلطوية أخرى.
والدرس الثامن أن مستقبل السودان يتطلب الانتقال من منطق “من يحكم؟” إلى منطق “كيف تُحكم الدولة؟”. فقد تغيّر اسم الحاكم ثلاث مرات، وتغيرت الأيديولوجيات، وتغيرت التحالفات الخارجية، لكن المشكلة البنيوية بقيت: ضعف المؤسسات المدنية، وتضخم الدور السياسي للعسكر، وتعدد مراكز القوة المسلحة، وعدم حسم العلاقة بين المركز والأقاليم، والاقتصاد السياسي الذي يربط السلطة بالموارد.
ومن هنا يمكن فهم الرقمين الأخيرين في هذه القصة: ثلاثون عامًا من حكم البشير لم تكن فقط أطول من ست سنوات لعبود وستة عشر عامًا لنميري؛ كانت أيضًا أعمق من حيث التغلغل في الدولة. ولذلك فإن سقوطها كان بالضرورة أكثر تعقيدًا. فالديكتاتورية القصيرة يمكن أن تسقط مع قائدها، أما الديكتاتورية التي أمضت ثلاثة عقود في إعادة تشكيل الجيش والأمن والاقتصاد والحزب والمجتمع فتترك وراءها دولة تحتاج إلى إعادة بناء.
خاتمة نقدية: أطول الأنظمة عمرًا ليس بالضرورة أكثرها قوة، بل قد يكون أكثرها قدرة على تأجيل أزمته
تكشف المقارنة بين عبود ونميري والبشير أن الفرق بين ست سنوات وستة عشر عامًا وثلاثين عامًا لا يمكن تفسيره بشخصية الحكام أو بدرجة القسوة وحدها. عبود كان أقل مؤسسية؛ نميري كان أكثر قدرة على المناورة لكنه اعتمد على تحالفات متغيرة؛ والبشير بنى أكثر منظومات الحكم السلطوي تعقيدًا في تاريخ السودان الحديث من حيث التداخل بين الحزب والأمن والاقتصاد والقوات المسلحة والقوات الموازية. لذلك طال عمر النظام كلما ازدادت قدرته على إدارة النخب، وتفتيت المعارضة، وتنويع مصادر القوة، وتوزيع الموارد، ومنع الجيش من امتلاك احتكار فعلي على أدوات العنف.
لكن هذه النتيجة تحتاج إلى نقد مهم. فليس صحيحًا أن تعدد الأجهزة الأمنية أو وجود حزب حاكم يؤديان حتمًا إلى إطالة عمر النظام؛ فقد تؤدي كثرة مراكز القوة إلى صراع داخلي يسرّع الانهيار. كما أن الموارد الاقتصادية لا تمنح الاستبداد حصانة مطلقة؛ فالاقتصاد قد يتحول من مصدر للولاء إلى مصدر للغضب إذا فقد النظام القدرة على توزيعه. كذلك لا يمكن تفسير سقوط الأنظمة بالاحتجاجات وحدها، ولا بالانشقاق العسكري وحده؛ فالسقوط يحدث عندما تتقاطع أزمة الموارد، وتغير حسابات النخب، ووحدة المعارضة، وانقسام أجهزة القسر، وفقدان الحاكم القدرة على تقديم مخرج مقبول للنخب التي تحميه.
والأهم أن تجربة البشير تكشف خطورة الخلط بين بقاء النظام وبقاء الدولة. لقد استطاع النظام أن يعيش ثلاثين عامًا، لكنه فعل ذلك عبر تفتيت القوة المسلحة وإعادة توزيعها بين الجيش والأمن والدعم السريع وقوى أخرى، وعبر إدخال شبكات سياسية واقتصادية وأمنية عميقة إلى مؤسسات الدولة. لذلك لم يكن سقوط البشير كافيًا لإنهاء البنية السلطوية؛ بل تحولت بعض آليات بقائها إلى مراكز قوة مستقلة نسبيًا. وتوضح دراسات ما بعد 2019 أن القطاع الأمني ظل لاعبًا سياسيًا رئيسيًا، وأن التنافس داخله كان أحد مفاتيح فهم استمرار الأزمة السودانية (de Waal, 2023; Hassan & Kodouda, 2019).
ومن هذه الزاوية يمكن إعادة صياغة لغز السنوات الثلاث في معادلة تاريخية أكثر دقة: عبود أثبت أن الجيش يستطيع إسقاط النظام المدني لكنه لا يستطيع وحده بناء نظام سلطوي طويل الأمد؛ نميري أثبت أن التحالفات والأيديولوجيا والسلام والمصالحة تستطيع شراء سنوات إضافية لكنها لا تعوض غياب مؤسسة سلطوية مستقرة؛ والبشير أثبت أن التغلغل الحزبي والأمني والاقتصادي يستطيع تمديد عمر النظام لعقود، لكنه قد يحوّل الدولة نفسها إلى ساحة تنافس مسلح بعد سقوط النظام.
ولهذا فإن المهمة التاريخية للسودان ليست إنتاج انقلاب رابع أكثر كفاءة من الانقلابات السابقة، ولا مجرد إعادة الجيش إلى الثكنات بصورة مؤقتة، بل كسر الدورة التي بدأت منذ 1958: أزمة مدنية، تدخل عسكري، إعادة بناء سلطوية، قمع المعارضة، تفتيت مراكز القوة، أزمة اقتصادية وحرب، انتفاضة شعبية، تدخل عسكري جديد، ثم إعادة إنتاج الدورة نفسها. إن كسر هذه الدورة يتطلب بناء دولة تكون فيها القوات المسلحة مؤسسة دستورية لا فاعلًا سياسيًا، وتكون فيها الموارد العامة ملكًا للدولة لا لشبكات السلطة، وتكون فيها المواطنة أقوى من الامتياز، وتكون فيها المعارضة المؤسسية جزءًا من النظام الديمقراطي لا تهديدًا وجوديًا له، وتكون فيها علاقة المركز بالأقاليم قائمة على عقد سياسي جديد لا على القوة.
إن الدرس الأعمق من ست سنوات وستة عشر عامًا وثلاثين عامًا هو إذن أن الاستبداد السوداني لم يكن ثابتًا؛ لقد تعلم وتطور وتكيف. ولذلك فإن الديمقراطية السودانية المستدامة يجب أن تتعلم بدورها وتتطور: ليس فقط كيف تُسقط الحاكم، بل كيف تمنع ظهور البنية التي تجعل الحاكم ممكنًا؛ وليس فقط كيف تنهي الانقلاب، بل كيف تجعل الانقلاب نفسه غير قابل للحياة؛ وليس فقط كيف تبني حكومة مدنية، بل كيف تبني دولة مدنية قادرة على البقاء.
المراجع (غير مكتملة، البقية عبر التواصل مع الكاتب)
- Ahmed, Mai. The Evolution of the Sudanese Authoritarian State: The December Uprising and the Unravelling of a ‘Persistent’ Autocracy. Edinburgh Scholarship Online; 2022.
- Amnesty International. Seven things you should know about the unrest in Sudan. London: Amnesty International; 2019.
- de Waal, Alex. Surviving revolution and democratisation: the Sudan armed forces, state fragility and security competition. Journal of Modern African Studies. 2023.
- Frantz, Erica; Higashijima, Masaaki. Unpacking political parties in autocracies: what party structures reveal about party strategies and patterns of regime survival. Democratization. 2024;32(1):210-233.
- Geddes, Barbara. Why Dictatorships Fall. In: Geddes B, Wright J, Frantz E. How Dictatorships Work: Power, Personalization, and Collapse. Cambridge: Cambridge University Press; 2018:177-217.
- Geddes, Barbara; Wright, Joseph; Frantz, Erica. Autocratic Breakdown and Regime Transitions: A New Data Set. Perspectives on Politics. 2014;12(2):313-331.
- Geddes, Barbara; Wright, Joseph; Frantz, Erica. Dictatorial Survival Strategies in Challenging Conditions: Factionalized Armed Supporters and Party Creation. In: How Dictatorships Work. Cambridge: Cambridge University Press; 2018:95-126.
- Hassan, Mai; Kodouda, Ahmed. Sudan’s Uprising: The Fall of a Dictator. Journal of Democracy. 2019;30(4):89-103.
- Human Rights Watch. Sudan: Security Forces Killing, Detaining Protesters. New York: Human Rights Watch; 2019.
- Human Rights Watch. Sudan: Protesters Killed, Injured. New York: Human Rights Watch; 2019.
- Human Rights Watch. “They Were Shouting ‘Kill Them’”: Sudan’s Violent Crackdown on Protesters in Khartoum. New York: Human Rights Watch; 2019.
- Human Rights Watch. Sudan: Justice Needed for Protester Killings. New York: Human Rights Watch; 2019.
- International Crisis Group. Safeguarding Sudan’s Revolution. Africa Report No. 281. Brussels: International Crisis Group; 2019.
- Johnson, Douglas H. The Root Causes of Sudan’s Civil Wars: Old Wars and New Wars. 3rd ed. Woodbridge: Boydell & Brewer; 2016.
- Wright, Joseph; Escribà-Folch, Abel. Authoritarian Institutions and Regime Survival: Transitions to Democracy and Subsequent Autocracy. British Journal of Political Science. 2012;42(2):283-309.
- تربو، عبد الوهاب محمد؛ أحمد، محمد المهدي؛ عبيد الله، ابن عمر عمر؛ المصطفى، محمد. النظام العسكري الأول في السودان في الفترة ما بين 1958-1964م. المجلة العربية للعلوم الإنسانية والاجتماعية. 2025;34.
