تفكيك نقدي لأطروحات جيرار برونييه حول السودان
عبد القادر محمد أحمد / المحامي
تتداول منصات التواصل الاجتماعي أفكارًا وأقوالًا للخبير في شؤون أفريقيا، جيرار برونييه، حول السودان، تجمع بين توصيفات دقيقة وحقائق مؤلمة عن طبيعة الدولة السودانية لا يمكن إنكارها، إلى جانب تقريرات قاسية يغلب عليها التعميم.
سأتناول هنا تلك التقريرات التي قُدّمت بوصفها أحكامًا قاطعة، ووجدت رواجًا في الأوساط السودانية، حيث تعامل معها البعض كقراءة علمية محايدة تدعم طرحًا مفاده أن حل أزمة السودان يكمن في تفككه إلى دويلات.
▪️ليس دقيقًا اعتبار السودان حالة استثنائية في الفشل مقارنة ببقية أفريقيا؛ فهذه سمة تشترك فيها دول عديدة ورثت حدودًا استعمارية وهياكل دولة هشة، وشهدت بدرجات متفاوتة انهيارات مؤسسية وصراعات ممتدة، مثل الصومال وأفريقيا الوسطى، ما يضع الأزمة، رغم خصوصيتها، ضمن نمط أوسع من أزمات بناء الدولة في سياقات ما بعد الاستعمار.
▪️كما أن القول بأن العالم “يتظاهر” بالتعامل مع السودان كدولة خوفًا من الفوضى الإقليمية، ينطوي على مبالغة تتجاهل حقيقة أن السودان عضو في الأمم المتحدة ويتمتع بسيادة معترف بها. غير أن هذا الاعتراف القانوني لا ينفي ما يعتري الواقع الراهن من اختلالات عميقة في بنية الدولة.
▪️أما الادعاء بغياب الروح الوطنية وافتقار المجتمع السوداني إلى وجدان مشترك، فهو تبسيط يخالف وقائع التاريخ؛ إذ أظهرت الثورات والانتفاضات السودانية قدرة واضحة على الفعل الجماعي والتعبير عن مطالب وطنية جامعة، بما يعكس وجود حد أدنى من الانتماء الوطني رغم الانقسامات. ما يعني أن الإشكال ليس في غياب الوجدان الوطني، بل في تعثر تحويله إلى مشروع سياسي ومؤسسي مستقر.
▪️والقول إن السودان “ليس كيانًا وجدانيًا” لا ينفي عنه صفة الدولة؛ إذ إن كثيرًا من الدول نشأت في سياقات شديدة التنوع والصراع قبل أن تتماسك تدريجيًا. فالهوية الوطنية ليست شرطًا سابقًا لقيام الدولة، بل غالبًا ما تتشكل عبر التجربة السياسية، كما في تنزانيا، بل وحتى في الولايات المتحدة.
ومظاهر هذا التشكّل حاضرة في الحالة السودانية؛ إذ تجسدت قابلية المجتمع للانصهار في مدينة أم درمان، حيث تفاعلت مكوّنات اجتماعية وثقافية متعددة وأسهمت في تشكيل وجدان وطني حديث.
كما تجلّى هذا المعنى في اعتصام القيادة العامة، الذي مثّل لحظة استثنائية من التعايش والتضامن بين مكوّنات مختلفة من الشعب السوداني. وهذه ليست مجرد حالات عابرة، بل مؤشرات دالة على قابلية حقيقية لبناء وجدان وطني مشترك متى توفرت شروطه الموضوعية.
▪️كما أن مقارنة السودان بمصر تفتقر إلى الإنصاف، لتجاهلها اختلاف المسارات التاريخية؛ فقد عرفت مصر تقليدًا راسخًا للدولة المركزية منذ عهد محمد علي باشا، أما الدولة السودانية فقد نشأت في سياق استعماري هش أعاق بناء مؤسسات مستقرة.
ويقابل التجانس النسبي في مصر تنوع إثني وثقافي واسع في السودان، ما يجعل بناء هوية وطنية جامعة أكثر تعقيدًا، دون أن يكون مستحيلًا.
وعليه، فإن طرح برونييه، رغم أهميته النقدية، يميل إلى تغليب النزعة التشاؤمية؛ فهو يعكس جانبًا من الواقع، لكنه يقدّمه في صورة تعميمية تختزل تعقيداته، ولا توظّف ما أقرّ به من عناصر إيجابية في المجتمع السوداني لصالح إمكان بناء مشروع وطني جامع.
فما يسميه برونييه “رقي الفرد” أو “الشعب الرائع” يشكّل في تقديري رصيدًا يمكن أن تُبنى عليه الدولة إذا ما أُحسن توجيهه؛ إذ لا تكمن المشكلة في غياب القيم، بل في عجز تحويلها إلى قواعد عامة تحكم المجال العام.
فالكرم والتكافل يمكن أن يؤسسا لمفهوم العدالة الاجتماعية، والتضامن الأسري يمكن أن يتطور إلى مواطنة فاعلة، كما يمكن ترجمة الشهامة والنجدة إلى التزام جماعي بسيادة القانون واحترام المؤسسات.
ورغم وضوح هذه الإمكانات ومكامن التفاؤل، فإن بعض المثقفين السودانيين، رغم إدراكهم لتعقيدات الأزمة وفهمهم العميق لتشخيصاتها، يميلون أحيانًا إلى التعامل مع تحليلات أكاديمية خارجية يغلب عليها التعميم والتشاؤم، بوصفها مرجعية علمية نهائية، وهو ما قد يضعف الثقة في إمكانات الحل الوطني، ويحد من قدرة المجتمع على المبادرة وإحداث التغيير.
وإذا كان هذا التفكيك يرفض الاستسلام للتشاؤم، فإنه في المقابل يفتح الباب أمام تصور عملي للحل؛ فرغم التعقيدات الراهنة، فإن التطورات الدولية، بما في ذلك القرار الأمريكي بتصنيف الحركة الإسلامية السودانية جماعةً إرهابية، تمثل فرصة للضغط نحو بلورة حل وطني يقوم على عقد اجتماعي تأسيسي جديد.
في ظل الظرف الراهن، وبالنظر إلى الاعتبارات العملية، يمكن أن تبادر جهة وطنية بصياغة مسودة هذا العقد، على أن تُراجع لاحقًا في نطاق أوسع، ويُعمل على اعتمادها من قبل الكيانات السياسية والمجتمعية التي تمثل غالبية الشعب السوداني.
يهدف هذا العقد إلى إنهاء الحرب، وإبعاد المؤسسة العسكرية عن السياسة، وحلّ المليشيات، واستعادة الدولة وتفكيك بنية التمكين، وضمان عدم الإفلات من العقاب، وترسيخ التداول السلمي للسلطة، وإرساء الدولة المدنية، بما يمهّد للوحدة والسلام والاستقرار.
وحتى في حال عدم استجابة الحركة الإسلامية أو قادة الجيش لهذا الطرح، فإن ذلك لا ينتقص من أهميته؛ إذ يُسهم في عزلهم سياسيًا واخلاقيًا، ويُعيد تشكيل طبيعة الصراع من عسكري إلى سياسي يتمحور حول الشرعية والمستقبل. كما أن هذا العقد لا يُطرح كخيار ظرفي، بل كضرورة تاريخية لمعالجة جذور الأزمة وبناء دولة مستقرة.
aabdoaadvo2019@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم