تأمُلات
كمال الهِدَي
رغم الهزيمة المريرة التي تعرض لها منتخب المغرب بالأمس، والأداء الذي أعتبره الأسوأ له منذ بداية البطولة، فإن هناك لقطة إيجابية جذبتني كثيراً، وجعلت المقارنات تعتمل في ذهني، وهو ما سأتناوله في هذا المقال.
لم أتوقع شخصياً أن يحسم منتخب فرنسا المباراة بهذه السهولة، رغم قوته وهجومه الضارب.
صحيح أن كل شيء بدا مختلفاً مع منتخب المغرب منذ الدقائق الأولى، لكنني ظللت أتوقع عودتهم إلى الأداء القوي واللعب الممتع، وهو ما لم يحدث، وكانت النتيجة الطبيعية هي مغادرتهم البطولة.
لكن ما لفت نظري بعد انتهاء اللقاء بتلك الهزيمة هو حالة الهدوء التي سادت، ووقوف جميع لاعبي منتخب المغرب في دائرة داخل الملعب، واستماعهم إلى حديث قائدهم حكيمي.
ومما شاهدناه، يبدو لي أن حكيمي كان يرفع من معنويات زملائه، ويذكرهم بالأداء الجاد الذي قدموه في المباريات السابقة، وأن الحياة لن تتوقف عند هذه الهزيمة.
وهذا ما جعلني أعقد المقارنات بين مدرب وآخر، وبين لاعبين وآخرين.
فقد رأيتم جميعاً كيف تصرف حسام حسن ومعاونوه وبعض لاعبي منتخب مصر بعد الهزيمة أمام الأرجنتين.
وأرجو ألا يعود بنا البعض إلى حديث الظلم التحكيمي المفترض، فقد استوفينا هذه النقطة توضيحاً، وأكد كثيرون ممن يفهمون الكرة وقوانينها جيداً أن اللقطتين محل الجدل ما كان لهما أن تثيرا ذلك الجدل لولا العواطف والانطباعية، وترديد الكثيرين لما يسمعونه دون تأمل عميق أو مراجعة للقطات محل النقاش.
عموماً، وبغض النظر عن كل ذلك، فقد بينت لي وقفة لاعبي المغرب بذلك الهدوء فرق العقلية الكبير الذي كتبت عنه في أكثر من مقال منذ انطلاق هذه النسخة من كأس العالم.
والعقلية لا تختلف فقط في أرضية الملعب وما يقدمه اللاعبون، بل تمتد لتشمل السلوك، الذي هو أساس كل شيء.
لم يلطم المحترفون الحقيقيون الخدود هنا، ولم يثر مدربهم ضجيجاَ فارغاً، بينما هناك تصرف حسام حسن ومعاونوه كزعماء عصابة يريدون انتزاع ما يرونه حقوقاً بالقوة.
الاحترافية تفرض على مدرب ولاعب الكرة التسليم بالهزيمة، أياً كان شكلها، وتهنئة الفائز، والاعتراف بالقصور الذي حدث.
أما الهواة، فغالباً ما يبحثون عن شماعة يعلقون عليها أخطاءهم؛ ولذلك سعى الجهاز الفني لمنتخب مصر بكل قوة إلى استثارة عواطف أنصاره، متوهماً أن ذلك سوف يغطي على أخطائه في التغييرات، وفشله في إدارة الدقائق العشر الأخيرة من مباراة كانوا يتقدمون فيها بفارق هدفين. لكن هيهات، فسوف تهدأ عاصفة العواطف، وسيعود كثيرون إلى رشدهم، ليقولوا في قرارة أنفسهم: “والله صاح، الناس ديل انهزموا كورة عديل”.
هذا ما عايشته مراراً خلال تجربتي مع الكتابة؛ إذ كنت كلما كتبت عن حادثة معينة في وقتها، أتعرض لهجوم من البعض، وربما للشتائم، ثم يراسلني بعد فترة بعض من شتموني معتذرين عن موقفهم الانفعالي. فالشعوب الانطباعية والانفعالية لا تمنح نفسها فرصة للتفكير لحظة الحدث، ولا تعود إلى الصواب إلا بعد خراب سوبا، وهذا، على فكرة، أحد أهم أسباب تراجعنا في السودان تحديداً.
والأمثلة هنا على قفا من يشيل، أذكر منها اثنين فقط لضيق المساحة. الأول أنني، يوم تسجيل هيثم مصطفى في المريخ، كتبت مقالاً بعنوان: “أكذوبة الـ17 عاماً”. ورغم أنني لم أتشفَّ فيه من الفتى، أو أكتب انطباعات شخصية، بل أوضحت حقائق محددة، وكيف أنه لم يستمع إلى النصيحة بعدم إجراء حوار صحفي يسيء فيه إلى رئيس ناديه ومدربه… إلخ، فإن كثيرين شتموني وهاجوا وماجوا، لكنهم عادوا بعد سنوات للاعتذار عن موقفهم الانفعالي.
أما المثال الثاني فهو موقفي الرافض للحرب الحالية منذ ساعاتها الأولى؛ فقد هاجمني كثيرون، وقال بعضهم عبارات من شاكلة: “والله صُدمنا فيك يا أستاذ”، ثم اقتنعوا بعد فترة بأن الحرب دمار وخراب، وأن من سعوا إلى اندلاعها ما كانوا يريدون لنا الخير.
أعود إلى الفرق بين حسام حسن ومحمد وهبي، مدرب المغرب، لأقول: شتان بين الهاوي والمحترف.
ففي الوقت الذي عمل فيه وهبي على التكتيك، واختيار طرق اللعب المناسبة لكل مباراة، اعتمد حسام حسن على حماس اللاعبين، وترديد عبارات مثل: “أولادنا رجالة”، و”ما في مصري بخاف من حد”، وكأننا في حرب، لا في بطولة كرة قدم تتطلب الإبداع والمهارة.
وقد ذكرني هيجان حسام حسن وانفعاله بعد الهزيمة بثورة مازدا على حكم إحدى مباريات المريخ الأفريقية؛ فكلاهما، بدلاً من التصرف كقدوة للاعبين رغم مرارة الهزيمة، تصرفا بعشوائية وانفعال أثارا الآخرين، ودفعاهما إلى السلوك غير الرياضي.
وأخلص من ذلك إلى أن عالمنا المتخلف يحتاج إلى مئات السنين الضوئية قبل أن يلحق بركب الأمم المتقدمة في مختلف المجالات، ومنها كرة القدم بالطبع.
kamalalhidai@hotmail.com
