مآلات الديمقراطية كقيمة أمريكية في مصر

 


 

 

 

من الجزيرة نت

أدان جون كيربي الناطق الرسمي لوزارة لخارجية الأمريكية في 18 أغسطس المنصرم تزيد الحكومة المصرية في قانون محاربة الإرهاب خشية تأثيره السلبي على حقوق الإنسان في البلاد. ولكنه أكد أيضاً على أن بلاده ستقف مع مصر في حربها للإرهاب. وجدد دعوة وزير الخارجية الأمريكية في القاهرة للعثور على طريق وسط بين حرب الإرهاب والحفاظ على حقوق الإنسان لأن هذه الحرب مما يحتاج إلى إستراتيجية شاملة ينبني بها جسر الثقة بين الحكومة والشعب.

 سيصدم هذا الموقف الأمريكي "الباهت" حيال مسألة الديمقراطية المتحرجة في مصر المناضلين لها ولوبيات حقوق الأنسان. فقد علقوا أملاً لم ينفد بأن تنتصر أمريكا بغير شرط للديمقراطية التي ما أنفكت تقول إنها قيمة أمريكية جوهرية ترغب أن تَعِم العالمين. وليست هذه بالطبع خيبة التوقع الأولى من الموقف الأمريكي من الديمقراطية في مصر. ولكن الأمل غلاّب في بيئة الشرق الأوسط التي تستنصر سائر قواها بأمريكا لصالح أجندتها. ولم تحظ قوى حقوق الإنسان بموقف أمريكي ساطع لصالحها إلا بعد ثورة يناير 2011 انحنت فيه أمريكا لإرادة الميدان الثائر بعد لجلجة.

 ومنذها بدت كل نصرة أمريكية للديمقراطية الممحونة في مصر كضربة من ضربات العلاقات العامة.  ولكنها ليست كذلك متى أخذنا الاعتبارات الجيوسياسية التي اكتنفتها. فالديمقراطية ليست قيمة تستهين بها أمريكا وتذر بها الرماد على العيون حتى ولو لم توف بمستحقها. ولكنها لا تمانع بجعلها في المكان الثاني لمصالح أمنها القومي والاستراتيجي في عالم هي قطبه الوحيد وشرطيه. ووجدت أفضل تعبير عن حرج أمريكا بين مصالح أمنها القومي والديمقراطية في مقال لبرت ستيفنس، الخبير في الشأن العربي في تقويمه لسياسة الرئيس أوباما الشرق أوسطية (فورن افيرز، سبتمبر-أكتوبر 2015) قال فيه إن الديمقراطية قيمة أمريكية عزيزة ولكنها  تهدد غريزياً المصالح الأمريكية. وربما تبينا لماذا رجحت كفة هذه المصالح دون الديمقراطية متى وقفنا على هذا النطاح بين دواعي الأمن القومي الأمريكي والديمقراطية في سياق الوضع المصري. بل لربما اكتسبنا حيلة نزيد بها فرص الترجيح للديمقراطية، لا لتغلب على هذه الدواعي، بل لتكون استحقاقا مصرياً مرعياً لدى أمريكا.

لم يفلح الرئيس أوباما، الذي يؤصل لمشروعه في التقاليد الليبرالية للآباء المؤسسين ، في تخطي مقتضى هذا النطاح في خطابه المشهور بمصر على عهد الرئيس حسني مبارك في يونيو  2009. فتظاهرت حركة كفاية ضده في وسط القاهرة يأساً من نصرته للديمقراطية. وأخذت عليه لاحقاً عمومية عبارته عن الديمقراطية كاستحقاق لكل كائن  مما لا خلاف عليه في حين صمت الخطاب عن النقد المباشر لاستبداد نظام مبارك. وتحدث عبد الحليم قنديل الصحفي المعارض آنذاك إلى إنتربرس سيرفس قائلاً إن المحك في فهم موقف أمريكا من الديمقراطية في مصر ليس أوباما بل روبرت قيتس، وزير دفاعه. فقد خرج الأخير من اجتماعه بمبارك مشدداً على أن المساعدات الأمريكية مصر لن تكون جذرة لمصر لتحسين سجلها في صون حقوق الإنسان.

إنتهي شهر العسل الأمريكي القصير مع الديمقراطية في ذيول انقلاب 30 يونيو 2013. فقد ساءت أوباما مذابح رابعة والنهضة وتحسر على إهدار الفرص التي سنحت بعد ذهاب الرئيس مرسي لفتح الطريق إلى ديمقراطية يستحقها شعب مصر. وثَبَّت يومها مبدأ ما زال هو الحاكم في العلاقات الأمريكية المصرية وهو أن تظل أمريكا، التي بينها وبين مصر ما لايقبل الربكة والبتر، متداخلة مع  النظام الانقلابي حاثة له لتأمين الديمقراطية. ونذكر تفادي أمريكا الرسمية تسمية الانقلاب باسمه، الانقلاب، خشية أن يلزمها ذلك قانوناً بوقف كل دعم عسكري واقتصادي لمصر. وأنحنت أمريكا لعاصفة لوبيات حقوق الإنسان مع ذلك وألغت مناورات النجم الساطع الدورية مع الجيش المصري وأوقفت شحن بعض العتاد العسكري هي الإف 16 وصواريخ الهاربون ودبابات أم1آي1. واكتفت بذلك دون حجب العون العسكري والاقتصادي المعروف أو إرجائه. وتواترت شكوك مؤخراً أن أمريكا لم توقف ولو ليوم  واحد تزويد مصر بالسلاح. فكتب، بول قتنقيقر، الصحفي المختص بشأن الشرق الأوسط، في هذا المعنى قائلاً، إنه، وبحسب سجل مصلحة الإحصاء الأمريكي، صدّرت أمريكا لمصر خلال الحظر ما يفوق 150 مليوناً من أنواع السلاح المختلفة وما كلفته 170 مليوناً من هليكوبترات الأباتشي في أكتوبر 2014 وحده.

وكشف أوباما عن حرج كبير لقصوره دعم الديمقراطية في مصر. فلم يجب على   سؤال لصحفي عن هذا النقص. ولكن الناطقة باسم وزارة الخارجية قالت إن وقف العون غير وارد بالنظر إلى عمق العلاقة مع مصر والمصالح الأمريكية في المنطقة علاوة على اعتقادهم أن مواصلة الاحتكاك بمصر ستعين في تحول ديمقراطي ينتهي بإنتخاب حكومة مدنية. وهذا ما التزمت به أمريكا وسترقب ما تسفر عنه الأيام. ثم أخذت حماية المصالح الأمريكية منعطفاً حاداً بتحدي داعش، والموقف في اليمن، وتأمين الاتفاق الأمريكي الإيراني أخر من مسألة ديمقراطية مصر كثيراً في السياسة الأمريكية. ففي فبراير 2015 بدأ رسمياً فك حظر تصدير السلاح لمصر في سياق انعقاد التحالف العربي ضد الحوثيين في اليمن. ورفع قانون العون الخارجي المُرَكّز لسنة 2015 الحرج عن الإدارة الأمريكية فرخص لها التغاضي، لضرورات الأمن القومي الأمريكي، عن شرط للكونغرس بأن تستتب مصر على الديمقراطية  قبل أن تنال حصتها من العون الأمريكي. واستخدم وزير الخارجية هذا الترخيص في 12 مايو 2015 ليتقدم للكونغرس بطلب منح مصر العون الأمريكي وهو 1 فاصل 3 بليون كعون عسكري لشراء السلاح من أمريكا و150 مليون كعون اقتصادي. وجاء إعلاء المصالح  الجيوسياسية على الديمقراطية صريحاً في حيثيات رسالة الوزير للكونغرس  بقوله إن الذي أملى عليه تجاوز شرط الكونغرس لإمداد مصر بالسلاح هو مقتضيات الأمن القومي لأنهم يريدون من مصر بمنزلتها المركزية في استقرار المنطقة وسلامتها  أن تستقيم على معاهدة السلم مع إسرائيل، والتعاون في مجابهة الإرهاب، ولجم انتشار الأسلحة النووية، ودعم عمليات أمريكا العسكرية ومساعيها لفض النزاعات للسلم، وتأمين الملاحة في قناة السويس.

وقاريء رسالة الوزير للكونغرس سيقف على عظم الردة الأمريكية عن الشاغل الديمقراطي في مصر. فأوجز الوزير أوضاع حقوق الإنسان في مصر ولم يجد كلمة طيبة يقولها عنها سوى أنها رتبت لزيادة تمثيل المرأة في البرلمان، وحمت الأقباط وسمحت لهم بناء كنيسة لشهدائهم في ليبيا، ورفعت الدعم للحروقات وحسنت بيئة الاستثمار، وزيارة السيسي لمحفل مسيحي هي الأولى لرئس مصري،  وكفى. 

واضح، والحال الجيوسياسية في الشرق الأوسط تتهدد المصالح الأمريكية بصور شتى، أن الرهان على ترجيح أمريكا للديمقراطية على مستوجبات تلك المصالح رهان خاسر. وستظل حكومة مصر تكسب من تردى هذا الوضع الجيوسياسي لأنها مركز هذا الكون المضطرب ومفتاحه. ولكن لا يعني هذا مع ذلك أن نرفع أيدينا يأساً من حمل أمريكا على الإلتزام بالديمقراطية لمصر كقيمة أمريكية زكاها أوباما طويلاً بأنها المعني الذي هو هم. ويحتاج هذا إلى تدبيج تكيتكات تبدأ بحقائق الوضع لتزكية الديمقراطية بمرونة ونفس طويل. وقد تبدأ بقبول الخطة الأمريكية في مواصلة الحوار مع مصر لدفعها بأناة للتواضع عند الديمقراطية. فحرب الإرهاب الناجحة نفسها ، في عقيدة أمريكا كما رأينا، تقترن بإطلاق مشاركة الناس في الحكم.  والمحك هنا أن تكون القوي الديمقراطية ولوبيات حقوق الإنسان  طرفاً أصيلاً ثابتاً في هذا التداخل الأمريكي المصري على محاور:

-أن ترفع مصر جماعة الأخوان المسلمين من قائمة الإرهاب لأن الولايات المتحدة نفسها، التي لم تتورع من وصم منظمات لمناضلين كثيرين بالإرهاب جزافاً، لم تجد سبباً واحداً لدمغ الجماعة بالإرهاب.

- أن تلتزم أمريكا بإطلاع المشفقين على الديمقراطية في مصر بالتقدم المحسوس للتفاهمات الموصوفة بالبناءة مع مصر.

- أن يستقل هؤلاء المشفقون بأجندة للتأثير على مسار التفاهمات ونتائجها. وهي أجندة اتفقت أصلاً  للوبيات حقوق الإنسان وتركزت في تغييرات جوهرية في قانون الإرهاب المجاز أخيراً في مصر. فالقانون في قول هذه المنظمات تجاوز تعريف الأمم المتحدة للإرهاب الذي اقتصر على وصفه كفعل قاصد لإملاء إرادة ما بتخويف سكان ما أو حكومة أو منظمة عالمية بالقتل والأذى الجسيم أو أخذ الرهائن. وهذا خلافاً للقانون المصري الذي جرم العمل السياسي على إطلاقه. وأخذت اللوبيات على  القانون مخالفته بشكل صريح للمباديء القانونية التي تستوجب أن يأتي كل تشريع في صياغة دقيقة ومفهومة ضمانة من سوء الاستخدام، وليكون الناس على بينة على الأفعال التي تشكل جريمة بمقتضاه. ويستوجب هذا إعادة صياغة القانون لتعطي ما للإرهاب ما للإرهاب.  

لا غلاط أن النية المبيتة من وراء إطلاق يد جهاز الدولة  في قانون الإرهاب الجديد في مصر هي استئصال جماعة الأخوان المسلمين. وسيكون من الغفلة إنتظار أن تقدم أمريكا شاغل الديمقراطية في مصر على غرائز أمنها القومي ومصالحه. وليس من وزاع لحكومة مصر دون إشباع تلك الغريزة في الوفاء بالتعاقد القديم مع إسرائيل وحرب الأرهاب وما يستجد. ولكن لن نعدم الحيلة في لجم هذه الدولة المنفلتة ما وسعنا باستصحاب الديمقراطية كقيمة أمريكية لو طال السفر. ومع ذلك فمناط الرهان على النجاح في حمل أمريكا الرسمية حملاً لتوقير هذه القيمة هو البسالة التي تسفر عنها حركة الشرعية الإسلامية والقوي الديمقراطية المصرية وتضحياتها المبذولة في "رابعة" النهار.

IbrahimA@missouri.edu

 

آراء