قراءة نقدية في التاريخ الاجتماعي لسودان الأربعينيات..
حسن أبكر محمد*
تعد رواية “48” لمحمد المصطفى موسى من الأعمال الروائية التي تناولت تاريخ السودان الاجتماعي من زاوية مختلفة، إذ تعود بالقارئ إلى فضاء سوق العيش في أم درمان خلال السنوات التي سبقت الاستقلال، في الفترة الممتدة بين 1937 و 1948.
تأتي رواية “48” كعمل أدبي جريء يسعى إلى إعادة قراءة تاريخ السودان الحديث من زاوية مغايرة. فبدلاً من أن يحصر الكاتب السرد في الأطر التقليدية التي تمجّد النخب السياسية والدينية، اختار أن ينزل إلى الشارع، إلى سوق المحاصيل (زريبة العيش)، حيث تنبض الحياة اليومية للطبقة العاملة التي كانت– برغم تهميشها في التاريخ الرسمي – أحد المحركات الخفية للتحولات السياسيةوالاجتماعية في البلاد خلال تلك الحقبة.
أما من حيث البناء السردي، فيعتمد الكاتب على تقنية المذكرات من خلال شخصية مفتش أمدرمان همفري وخطاباته، إلى جانب حضور الراوي العليم الذي يكشف عبره ملامح المقاومة الصامتة والحياة النابضة للعامة. و في بعض الأحيان يتراجع الراوي العليم ليفتح المجال لشخصيات أخرى .و بالتالي يتيح الكاتب الفرصة لشخصيّاته في منولوجات متناوبة فتتعدد الأصوات الساردة فيالرواية لتصنع بطولة دائرية متقنة.وتمتزج في هذا البناء عناصر التوثيق التاريخي بالخيال الشعبي في تداخل يمنح الرواية بعداً واقعياً و ملحمياً ، حتى يبدو النص وكأنه يستعيد تاريخًا اجتماعياً كامناً ظل بعيداً عن صفحات التاريخ الرسمي.
وتبرز في قلب الرواية شخصية ماتريد،التي لا تظهر مجرد صاحبة “إنداية”، بل تتحول إلى رمز للوطن المتعدد؛ الوطن الذي يحتضن التناقضات ويتألم منها في الوقت نفسه. وهي في رمزيتها تشبه “عازة” في الأغنية الوطنية الشهيرة «عازة في هواك»، حيث تتحول الأنثى إلى تجسيد للأرض والكرامة والهوية. ومن خلال هذه الشخصية يعاد تعريف الوطنية بعيداً عن الخطابات السياسية المباشرة، لتتجسد في تفاصيل الحياة اليومية، في الحكمة الشعبية، في الخمر والمغنى والطرب، وفي أحياء أمدرمان العتيقة و أسواقها . وهكذا تتحول “ماتريد” من شخصية روائية إلى استعارة للوطن نفسه: وطنٍ متعدد، متناقض، لكنه قادر على احتضان الجميع.
ولا تقوم الرواية على شخصية واحدة فحسب، بل على شبكة واسعة من الشخصيات التي تنتمي إلى مجتمعات وخلفيات اجتماعية وثقافية متعددة. فهناك التاجر المحلي، والعامل البسيط، والعربجي، وصاحب العصارة، والمرأة الشعبية، إلى جانب شخصيات وافدة أو مرتبطة بالسلطة الاستعمارية أو بالمجتمعات الأجنبية التي كانت حاضرة في الخرطوم وأم درمان آنذاك. وتتجسد هذه التعددية من خلال شخصيات تنتمي إلى عوالم اجتماعية مختلفة تتقاطع جميعها في فضاء سوق العيش. فماتريد تمثل عالم النساء الشعبيات في السوق،بينما تعكس شخصيات العتالين والعربجية مثل سيد الرجال والدقوني والناشف طبقة العمال المرتبطة بحركة السوق وصراعاته اليومية. وفي المقابل تظهر شخصيات التجار المحليين مثل أولاد منصور بوصفهم ممثلين لقوة رأس المال الشعبي وتوازناته داخل السوق.
كما تحضر في الرواية شخصيات وافدة أو مرتبطة بشبكات التجارة العابرة للحدود، مثل رافائيل البعلبكي وديمتريوس ونيكولا، في إشارة إلى حضور رأس المال الأجنبي وتأثيره في اقتصاد المدينة آنذاك. ومن خلال هذه الشخصيات المتعددة تبدو أم درمان فضاءً اجتماعياً مفتوحاً تتجاور فيه ثقافات ومصالح مختلفة. ويبدو سوق العيش في الرواية كأنه نقطة التقاء لهذه العوالم جميعاً؛ففيه تتقاطع مصالح التجار مع حياة العمال، وتلتقي الثقافة الشعبية بالثقافات الوافدة، كما تتجاور فيه السلطة الاقتصادية مع الهامش الاجتماعي. وهكذا يصبح السوق أكثر من مجرد مكان للأحداث، بل مسرحاً اجتماعياً تتجاور فيه طبقات المجتمع المختلفة، وتتشكل داخله علاقات القوة والاقتصاد والثقافة.
وفي هذا السياق تطرح الرواية نقداً صريحاً للنخب السياسية في تلك الحقبة،سواء من اليسار التقدمي أو من اليمين الإسلامي، حيث فشل الطرفان في تمثيل عامة الناس. وتبرز مفارقة مؤلمة تتمثل في أن دعاة الحرية والمساواة كانوا– في كثير من الأحيان – يمارسون الإقصاء الطبقي، بينما رفع دعاة الدينوالعدالة الاجتماعية شعار “الخير” على حساب “العدل”. وهذا الوعي النقدي يجعل الرواية لا تتحدث عن ماضي السودان فحسب، بل عن أزمته المستمرة في بناء هوية وطنية جامعة وحتى مرحلة قيام الحرب الحالية.
كما تتناول الرواية مسألة الهوية العربية الأفريقية بجرأة وصدق، إذ تعكس الشخصيات تنوع السودان الإثني والثقافي من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، بما فيهم الوافدون من غرب أفريقيا. ولا تقدم الرواية إجابة جاهزة عن سؤال الهوية، بل تترك التعدد قائماً، وكأنها تشير إلى أن الهوية السودانية ليست معادلة مغلقة، بل عملية تاريخية مفتوحة تتشكل باستمرار.
ومن هنا تأتي الإشارات الرمزية إلى شخصيات مثل الدقوني وإلى ما يسمى بـ”جيش الأعراب المتحابة”، لتفتح باب التأويل السياسي الواسع في تلميح إلى خيانة الداخل، وإلى الكيفية التي يمكن أن يعاد بها إنتاج الاستعمار عبر أبناء الوطن أنفسهم. وهكذا يصبح الماضي مرآة للحاضر، ويغدو السؤال المركزي للرواية: كيف يمكن لوطن تتنازعه الهويات والمصالح أن يصنع مشروعه الوطني الجامع؟
بهذا المعنى لا تقدم رواية “48”مجرد حكاية عن سوق قديم أو عن شخصيات منسية في هامش التاريخ. الرواية تقترح إعادة قراءة كاملة للسودان الحديث من أسفل، من حياة الناس العاديين الذين صنعوا التاريخ بصمت. إنها رواية تعيد الاعتبار لما يمكن أن نسميه «تاريخ الظل»؛ تاريخ العتالين والعربجية وبائعات الكسرة وأصحاب العصارات التقليدية – عصارات زيت السمسم – أولئك الذين لم تكتبهم الكتب المدرسية لكنهم كانوا، في الواقع، جزءاً من القوة الاجتماعية التي صنعت ملامح السودان في القرن العشرين.
ولذلك فإن الجديد الذي تقدمه رواية “48” لا يكمن فقط في موضوعها، فهي تقدم جديدها في زاوية النظر نفسها: أن التاريخ لا يُكتب دائماً من منابر النخب المترفة والبرلمانات، بل كثيراً ما يبدأ من حياة المجتمع في درجاته السفلى ، و من الأسواق، ومن ضجيج الحياة اليومية حيث تتشكل الأمم قبل أن تعي ذلك.
حسن أبكر محمد*
ماجستير الأدب الإنجليزي – جامعة آقدر، النرويج
hassanmoh888881@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم