كان الفيلسوف سقراط جالسا بين تلاميذه، يتناقشون في مسائل الفلسفة، فجاء رجل وسيم الشكل أنيق المظهر معجب بنفسه، ونظر إلى سقراط ليلفت انتباهه، فنظر إليه سقراط مليّا، غير عابئ بشكله ومظهره، ثم قال قولته المشهورة التي صارت مثلا يحتذى به: ‘تكلم حتى أراك’.
وبعد مئات السنين، جاء الفيلسوف الروسي فيودور دوستفسكي بفلسفة مختلفة عن فلسفة سقراط، وذلك عندما قال: ‘قد يكون في أعماق المرء ما لا يمكن نبشه بالثرثرة. إياك أن تظن أنك عرفتني لمجرد أني تحدثت إليك’.
تناول صنّاع المحتوى في مواقع التواصل الإجتماعي مقولة سقراط ومقولة دوستفسكي، وعقدوا مقارنة فطيرة بين الفلسفتين، ونصّبوا أنفسهم حكّاما -كما حكّام المصارعة الحرّة، يحكمون بالفوز بعد عدة ثوان- على الفلاسفة الكبار، واعتبروا أن مقولة دوستفسكي كانت رداً على كلام سقراط، وإبطالا وتفنيدا لكلامه ومنطقه. كتب غير واحد من صنّاع المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي قائلاً: ‘عندما قال سقراط: «تكلّم حتى أراك» رد عليه دوستويفسكي بعدها بأكثر من ألفيّ سنة قائلًا: «قد يكون في أعماق المرء ما لا يمكن نبشه بالثرثرة، إيّاك أن تظن أنك عرفتني لمجرد أني تحدثت إليك»’.
هكذا.. وبكل بساطة وسرعة، كما سرعة حكام المصارعة الحرة في تنصيب الفائز، حكم صنّاع المحتوى على سقراط بالفشل والهزيمة، وظلموه، كما ظلمه الحكام الأولون، الذين حكموا عليه ظلما بالإعدام، بتهمة إفساد الشباب في أثينا، وبتهمة الإلحاد!!
نردّ على صنّاع المحتوى وعلى حكمهم الفطير، المفتقر لأدنى درجات الحكمة والمنطق ونقول:
أولا: لم يردّ دوستفسكي على سقراط، وإنما قال رأيا خاصاً يعبر فيه عن فكره وفلسفته. ولكي أتأكد من هذا الأمر، كتبت على محرك البحث قوقل ما يلي: هل رد دوستفسكي على سقراط؟ وكانت الإجابة مدهشة!! رد الذكاء الاصطناعي على سؤالي وقال: لم يرد عليه، وأن هذا الرد هو مجرد منشورات متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، وليست حواراً حقيقياً أو نصاً موثقاً من كتب الفيلسوف اليوناني أو الروائي الروسي! (حقا.. الذكاء الاصطناعي مدهش ومحير!!).
ثانياً: لم يقل سقراط: تكلم حتى أعرفك، أو حتى أفهمك، وإنما قال: حتى أراك. وربما قصد سقراط هذه العبارة واختارها بعناية ودقة وذكاء، إمعاناً في إذلال ذلك المتكبر وتعمداً للتقليل من شأنه. ثالثاً: لو افترضنا جدلاً أن سقراط بقوله “أراك” كان يقصد “أفهمك، أو أعرفك”، فلا يعني ذلك أن كلامه مفند ومدحض. هو هنا يتكلم عن نفسه، ولم يعمّم فكره ورأيه. قال إنه – بحكمته وبعد نظره- يستطيع أن يعرف ويقيّم الناس من خلال كلامهم. لم يقل: تكلم حتى يراك أو يفهمك الناس.
ومن عجائب الدهر، أن يأتي حكماء، بالغي الحكمة، بعد مئات السنين، ليتفقوا مع سقراط، حتى وأن كان يقصد بقولته تلك: “أفهمك” أو “أعرفك”، ليرجحوا كفّته، ويعززوا صحة رأيه وحكمته. فقد قال علي رضي الله عنه: “تكلّموا تُعرفوا، فإن المرء مخبوء تحت لسانه”. وكذلك قصة الإمام أبي حنيفة الشهيرة، تعزز وتدعم موقف سقراط وسلامة قوله. ومن العجيب أن قصة أبي حنيفة تشابه قصة سقراط لدرجة مدهشة، وإلى حد بعيد، ومن أوجه كثيرة! ويا للعجب! وذلك عندما كان أبو حنيفة جالساً بين تلاميذه يشرح لهم الدروس، جاء رجل عظيم الهيئة جميل المظهر، كث اللحية، وجلس بينهم. وكان من عادة الإمام عندما يجلس لشرح الدروس أنه يمدد رجليه. وعندما رأى ذلك الرجل بتلك الهيئة، اعتبره عالما من العلماء، ضمّ رجليه احتراماً لذلك العالم (افتراضاً). قام ذلك الرجل بسؤال الإمام وقال: متى يفطر الصائم؟ شعر الإمام بالرهبة من السؤال، وظن أن فيه فخّاً، لكنه أجاب: عندما تغرب الشمس. فقال الرجل: وإذا لم تغرب الشمس. حينها تنفس أبو حنيفة الصعداء ومد رجليه وقال قولته الشهيرة التي صارت مضربا للمثل: آن لأبي حنيفة أن يمدد رجليه. هذا يدل على أن الإمام فهم عقلية الشخص ومدى علمه وفقهه من خلال سؤال واحد فقط.
وقد لا يتناقض قول الفيلسوف سقراط، وقول الحكيم علي، رضي الله عنه، وقول الامام أبي حنيفة، مع قول الفيلسوف المتأخر، جبران خليل جبران، الذي قال: “ما بين منطوق لم يقصد، ومقصود لم ينطق، تضيع الكثير من المحبة”. فربما كان يقصد جبران أن بعض الكلام قد يكون فضفاضاً وحمّال أوجه، فيفهم المتلقي معنى أخر غير الذي يقصده المتكلم.
أخيراً نقول لصانعي المحتوى الجهلاء بالفلسفة: من أنتم؟! من أنتم؟! حتى تضعوا فيلسوفا بوزن وثقل سقراط، تحت مقصلة النقد الصدئة!! لقد وقعتم في تهافت مروّع، كنتم في غنى عنه. ونقول:
يا ناطح الجبل الأشمّ برأسه.. أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل.
الكاتب الصحفي: أنور عبد المتعال سر الختم
