باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الجمعة, 26 يونيو 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

ما يفوق العشرين حركة مسلحة ونصف مليون مقاتل في السودان بعد حرب أبريل 2023: (الجزء الثاني)

اخر تحديث: 26 يونيو, 2026 11:57 صباحًا
شارك

ما يفوق العشرين حركة مسلحة ونصف مليون مقاتل في السودان بعد حرب أبريل 2023: تشظي بنية العنف وإعادة تشكيل الدولة (الجزء الثاني)
د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com
الفاعلون المسلحون المنحازون لقوات الدعم السريع أو المستقلون
تتشكل البنية المسلحة المنحازة لقوات الدعم السريع (قوات الدعم السريع) أو العاملة في فضائها التحالفي منذ حرب أبريل 2023 من شبكة معقدة من التشكيلات القبلية والعسكرية والحركات المسلحة الجزئية، إضافة إلى قوات محلية تتقاطع مصالحها مع اقتصاد الحرب في دارفور وكردفان والخرطوم. ولا تعمل هذه المنظومة بوصفها تحالفاً مركزياً متماسكاً بقدر ما تعمل كشبكة مصالح مرنة تتغير حسب ميزان القوة والسيطرة الميدانية، وهو ما تؤكده تقارير الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي لشؤون اللجوء التي تصفها بأنها “بنية شبكية عالية السيولة” (الأمم المتحدة، 2024؛ وكالة الاتحاد الأوروبي لشؤون اللجوء، 2025).
تُقدَّر القوة القتالية الأساسية لقوات الدعم السريع قبل الحرب بحوالي 70,000 إلى 100,000 مقاتل، مع توسع كبير خلال الحرب عبر التجنيد المحلي في دارفور وكردفان وضم مجموعات قبلية مسلحة وشبكات تهريب وتعبئة سريعة، ما رفع حجمها التقديري في ذروة الحرب إلى ما بين 120,000 إلى 180,000 مقاتل وفق تقديرات ميدانية غير دقيقة بسبب طبيعة الحرب المفتوحة وتغير خطوط الجبهات (مجموعة الأزمات الدولية، 2023؛ الأمم المتحدة، 2024).
وفيما يتعلق بقوات درع السودان تحديداً، فقد كانت في البداية ضمن الدوائر الاجتماعية والعسكرية التي تقاطعت مع قوات الدعم السريع في بعض مناطق الوسط، ثم تحولت لاحقاً في مراحل متقدمة من الحرب إلى الاصطفاف بشكل أوضح مع القوات المسلحة السودانية، مع إعادة تموضع عملياتها في مناطق الجزيرة وسنار وأجزاء من النيل الأبيض، ما يعكس الطبيعة المتغيرة للولاءات المسلحة في السودان وعدم ثبات التحالفات خلال الحرب (مجموعة الأزمات الدولية، 2023).
وبإضافة الحركات المتحالفة أو المتقاربة معها، والتشكيلات القبلية المسلحة، والقوات شبه المستقلة، فإن إجمالي القوى المسلحة في فلك قوات الدعم السريع يتراوح تقريباً بين 160,000 إلى 260,000 مقاتل، مع درجة عالية من التفاوت في التدريب والانضباط والارتباط القيادي المباشر بقيادة الدعم السريع (وكالة الاتحاد الأوروبي لشؤون اللجوء، 2025).
5.1 الحركة الشعبية – شمال (عبد العزيز الحلو)
تُعد الحركة الشعبية – شمال (جناح عبد العزيز الحلو) من أكبر الحركات المسلحة غير الموقعة على اتفاق جوبا، وتمتلك قوة عسكرية منظمة تتمركز في جبال النوبة (جنوب كردفان) وبعض مناطق النيل الأزرق.
يُقدَّر قوامها العسكري بين 30,000 إلى 50,000 مقاتل، موزعين على وحدات قتالية تعتمد على حرب الجبال والمناطق الوعرة، مع بنية قيادة مركزية نسبياً مقارنة ببقية الحركات (الأمم المتحدة، 2024).
ورغم عدم إعلان تحالف رسمي ثابت مع قوات الدعم السريع، فإن العلاقة معها اتسمت خلال الحرب بدرجات من التنسيق غير المباشر أو “التقاطع العملياتي السلبي”، خاصة في بعض الجبهات ضد القوات المسلحة السودانية، مع احتفاظ الحركة باستقلاليتها السياسية والعسكرية الكاملة.
5.2 الجبهة الثالثة – تمازج
تُعد الجبهة الثالثة – تمازج من أبرز التشكيلات الهجينة التي نشأت من انشقاقات داخل الحركات الدارفورية، وتنتشر في مناطق دارفور والخرطوم بدرجات متفاوتة.
يُقدَّر قوامها بين 8,000 إلى 15,000 مقاتل، مع اعتماد كبير على التجنيد المحلي وشبكات التحالف الميداني السريع (وكالة الاتحاد الأوروبي لشؤون اللجوء، 2025).
وقد لعبت أدواراً متغيرة خلال الحرب، حيث انخرطت بعض وحداتها في تنسيق ميداني مع قوات الدعم السريع، بينما اتخذت وحدات أخرى مواقف حياد أو انقسام داخلي، ما يجعلها مثالاً واضحاً على تشظي الولاءات المسلحة في السودان.
5.3 الميليشيات القبلية العربية في دارفور وكردفان
تشكل الميليشيات القبلية العربية أحد أهم أعمدة القوة غير النظامية المرتبطة بالدعم السريع، خاصة في شمال ووسط وغرب دارفور، إضافة إلى أجزاء واسعة من كردفان.
يُقدَّر إجمالي هذه الميليشيات — وفق تقديرات تجميعية — بين 50,000 إلى 80,000 مقاتل، موزعين على شبكات قبلية محلية تعتمد على اقتصاد الرعي والتهريب والتجارة الحدودية (الأمم المتحدة، 2024).
وتتميز هذه المجموعات بمرونة عالية في تغيير التحالفات، حيث تعمل أحياناً ضمن هيكل الدعم السريع وأحياناً بشكل مستقل وفقاً لمصالح محلية، خصوصاً في مناطق مثل الجنينة ونيالا والضعين والفاشر جنوباً وغرب كردفان.
5.4 قوات درع السودان
تُعد قوات درع السودان من التشكيلات الصاعدة خلال الحرب، وقد نشأت كقوة محلية شبه نظامية تعمل في مناطق الجزيرة وسنار وأجزاء من النيل الأبيض.
يُقدَّر قوامها بين 10,000 إلى 20,000 مقاتل، مع بنية تنظيمية متوسطة تعتمد على التجنيد المحلي والتنسيق غير المباشر مع قوات الدعم السريع في بعض المراحل (مجموعة الأزمات الدولية، 2023).
وقد اتسم مسارها خلال الحرب بتحول سياسي وعسكري مهم، إذ كانت في بدايتها أقرب إلى دوائر النفوذ المتقاطعة مع قوات الدعم السريع، ثم أعادت تموضعها تدريجياً لتصبح أقرب إلى الاصطفاف مع القوات المسلحة السودانية، مع تغير واضح في مناطق الانتشار وأولويات القتال، خصوصاً في وسط السودان.
5.5 أنماط التحالف مع قوات الدعم السريع
لا يقوم تحالف قوات الدعم السريع مع الفاعلين الآخرين على بنية هرمية ثابتة، بل على شبكة من العلاقات المتغيرة تشمل:
تحالفات قبلية ظرفية
تنسيق عملياتي غير مباشر
تبادل مصالح اقتصادية مرتبطة بالسيطرة على الطرق والذهب
تجنيد محلي سريع في مناطق السيطرة
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن هذا النمط من التحالفات أسهم في توسع الدعم السريع جغرافياً بسرعة، لكنه في المقابل أضعف تماسكه التنظيمي الداخلي وخلق مستويات متعددة من القيادة الميدانية شبه المستقلة (الأمم المتحدة، 2024).
5.6 حالات الاستقلالية والحياد المسلح
توجد داخل البيئة العسكرية المرتبطة بالدعم السريع مجموعات مسلحة لا تنخرط بشكل كامل في القتال، بل تتخذ مواقف حياد مسلح أو استقلالية ظرفية.
وتشمل هذه الحالات:
مجموعات قبلية محلية في دارفور تتجنب المواجهة المباشرة
تشكيلات شبابية مسلحة في كردفان تعمل لحماية مناطقها فقط
شبكات تهريب مسلحة ترفض الانخراط الكامل في الحرب
ويُقدَّر حجم هذه المجموعات بين 20,000 إلى 40,000 عنصر مسلح بشكل غير منتظم، يتحركون بين الحياد والتنسيق حسب تغير ميزان القوة في مناطقهم (وكالة الاتحاد الأوروبي لشؤون اللجوء، 2025).
إجمالي تقديري للقوى المنحازة أو المتقاطعة مع قوات الدعم السريع
بناءً على تجميع التقديرات وتصحيح التداخل بين بعض الفئات، فإن إجمالي القوى المسلحة المرتبطة أو المتحالفة أو المتقاطعة مع قوات الدعم السريع يتراوح تقريباً بين:
160,000 إلى 260,000 مقاتل
ويتوزع هذا الإجمالي كما يلي:
قوات الدعم السريع الأساسية: 120,000 إلى 180,000
الحركة الشعبية – شمال: 30,000 إلى 50,000
الجبهة الثالثة – تمازج: 8,000 إلى 15,000
الميليشيات القبلية العربية: 50,000 إلى 80,000
قوات درع السودان: 10,000 إلى 20,000
مجموعات الحياد المسلح: 20,000 إلى 40,000 (جزئياً متداخل)
مع التأكيد أن جزءاً كبيراً من هذه القوى يعمل ضمن شبكات غير مركزية ومتغيرة الولاءات، وأن الحدود بين التحالف، الحياد، والاستقلالية المسلحة تظل شديدة السيولة في سياق الحرب السودانية المستمرة (الأمم المتحدة، 2024؛ مجموعة الأزمات الدولية، 2023).
الجغرافيا السياسية للعنف المسلح في السودان
يمثل توزيع العنف المسلح في السودان بعد حرب أبريل 2023 حالة نموذجية لإعادة إنتاج الجغرافيا السياسية للصراع، حيث لم يعد العنف محصوراً في جبهات تقليدية بين دولتين أو قوتين نظاميتين، بل أصبح موزعاً على فضاءات إقليمية تتداخل فيها الحدود بين الدولة والمجتمع المحلي والاقتصاد الحربي. وتشير تقارير الأمم المتحدة ووكالة الاتحاد الأوروبي لشؤون اللجوء إلى أن هذا النمط من “تشظي العنف المكاني” أدى إلى ظهور خرائط سيطرة متغيرة باستمرار، تتبدل فيها مراكز القوة بين الجيش والدعم السريع والحركات المسلحة والميليشيات المحلية (United Nations, 2024; EUAA, 2025).
ويُظهر التحليل الجغرافي للصراع أن السودان بعد 2023 لم يعد فضاءً سياسياً موحداً، بل مجموعة أقاليم أمنية شبه مستقلة، لكل منها دينامياته الخاصة في التجنيد والتمويل والتحالفات المسلحة، ما يعكس تآكل مركزية الدولة وظهور أنماط حكم محلية قائمة على القوة المسلحة.
6.1 دارفور كمركز للتعدد المسلح
تُعد دارفور المركز الأكثر كثافة وتنوعاً في الفاعلين المسلحين، حيث تتقاطع فيها قوات الدعم السريع، والحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا، وميليشيات قبلية عربية وأفريقية، إضافة إلى قوات مشتركة مع الجيش. وقد تحولت الإقليم إلى فضاء “تعدد سيادة مسلحة” تتوزع فيه السيطرة بين أطراف متعددة بدل سلطة مركزية واحدة.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن عدد الفاعلين المسلحين النشطين في دارفور وحدها قد يتجاوز عشرات الآلاف من المقاتلين موزعين على عشرات التشكيلات المختلفة، مع تغير مستمر في خطوط السيطرة بين الفاشر، نيالا، الجنينة، والضعين (United Nations, 2024).
كما أن دارفور تمثل مركزاً لاقتصاد الحرب، خاصة في تجارة الذهب والتهريب عبر الحدود مع ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى، وهو ما يساهم في تمويل التشكيلات المسلحة المختلفة ويعزز استقلاليتها النسبية عن المركز.
6.2 الخرطوم كمسرح تعبئة ميليشياوية حضرية
تحولت العاصمة الخرطوم بعد اندلاع الحرب إلى مسرح رئيسي للعنف الحضري، حيث انتشرت التشكيلات المسلحة داخل الأحياء السكنية ومراكز الدولة والبنية التحتية الحيوية.
وتشير تقارير EUAA إلى أن الخرطوم شهدت واحدة من أعلى معدلات “العسكرة الحضرية” في تاريخ السودان الحديث، مع ظهور عشرات الكتائب الصغيرة التي تعمل ضمن شبكات غير مركزية مرتبطة بالجيش أو تعمل بشكل مستقل جزئياً (EUAA, 2025).
وتتميز الخرطوم بأن العنف فيها لا يتخذ طابع الجبهات المفتوحة فقط، بل يتجلى في حرب شوارع، وسيطرة متقطعة على الأحياء، واستخدام البنية المدنية (الجسور، المستشفيات، المرافق الحكومية) كأهداف عسكرية، مما يعكس تحول المدينة إلى ساحة قتال متعددة الطبقات.
6.3 كردفان كمنطقة شبكات قبلية مسلحة
تمثل كردفان منطقة وسيطة بين دارفور والخرطوم، لكنها تحولت خلال الحرب إلى فضاء شبكي معقد من التشكيلات القبلية المسلحة والميليشيات المحلية.
وتشير تحليلات الأمم المتحدة إلى أن أنماط العنف في كردفان ترتبط بشكل وثيق بالصراع حول الموارد، خصوصاً المراعي وممرات الرعي والطرق التجارية، إضافة إلى التنافس حول السيطرة على خطوط الإمداد بين الغرب والوسط (United Nations, 2024).
وتنتشر في الإقليم تشكيلات قبلية متعددة تعمل بدرجات متفاوتة من التنسيق مع الجيش أو قوات الدعم السريع أو بشكل مستقل، ما يجعل كردفان منطقة “سيولة أمنية” عالية التغير، حيث تتبدل التحالفات بسرعة حسب ميزان القوة المحلي.
6.4 النيل الأبيض ومناطق الامتداد العسكري
يمثل إقليم النيل الأبيض منطقة امتداد استراتيجي للصراع الممتد من الخرطوم جنوباً، حيث تحولت مدن مثل كوستي وربك إلى نقاط تمركز لقوات دفاع محلية ومجموعات تعبئة شعبية.
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن هذا الإقليم شهد توسعاً في تشكيل مجموعات مقاومة محلية تعمل بشكل شبه مستقل، لكنها ترتبط بخطوط إمداد ودعم غير مباشر مع القوات النظامية (United Nations, 2024).
ويعكس هذا الامتداد الجغرافي تحول الحرب من مركز العاصمة إلى الأطراف الجنوبية، بما يوسع نطاق العنف ويزيد من صعوبة السيطرة المركزية عليه.
6.5 تداخل المركز والهامش في إنتاج العنف
يُعد تداخل المركز والهامش أحد أهم السمات البنيوية للعنف في السودان بعد 2023، حيث لم يعد العنف نتاج الهامش وحده كما في الحروب السابقة، بل أصبح المركز (الخرطوم والمؤسسات العسكرية) والهامش (دارفور وكردفان) يشتركان في إنتاجه وإعادة توزيعه.
وتشير التحليلات إلى أن هذا التداخل أدى إلى انهيار الحدود التقليدية بين الدولة والمجتمع، وبين الجيش والميليشيا، وبين الحرب والسياسة، بحيث أصبح العنف أداة حكم وإدارة محلية أكثر منه مجرد وسيلة صراع (EUAA, 2025).
كما أن هذا النمط أسهم في إعادة تشكيل السودان كفضاء سياسي مجزأ، حيث تتعايش سلطات متعددة داخل نفس الجغرافيا ولكن ضمن مستويات مختلفة من السيطرة والنفوذ.
ديناميات إعادة تشكيل الدولة عبر الفاعلين المسلحين
يمثل مسار الحرب السودانية بعد أبريل 2023 حالة نموذجية لإعادة تشكل الدولة تحت ضغط تعدد الفاعلين المسلحين، حيث لم تعد الدولة هي الجهة الوحيدة المنتجة للعنف أو المنظمة له، بل أصبحت واحدة من عدة مراكز متنافسة للسلطة المسلحة. وتشير الأدبيات المقارنة في دراسات الحروب الأهلية إلى أن هذا النمط يرتبط عادةً بتآكل المؤسسات المركزية وظهور “الدولة الشبكية” التي تتوزع فيها السلطة بين فاعلين رسميين وغير رسميين (International Crisis Group, 2023; United Nations, 2024).
في الحالة السودانية، لم يكن هذا التحول تدريجياً فقط، بل تسارع بشكل حاد نتيجة الحرب المفتوحة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وما تبعها من انهيار واسع في منظومات الإدارة المدنية والأمنية في عدة ولايات، خصوصاً الخرطوم ودارفور وكردفان.
7.1 انهيار احتكار الدولة للعنف
يُعد احتكار العنف المشروع أحد أهم محددات الدولة الحديثة وفق الأدبيات الكلاسيكية، إلا أن هذا الاحتكار تعرض في السودان لاهتزازات متراكمة قبل 2023، ثم انهار عملياً مع اندلاع الحرب. فقد أصبحت القوة العسكرية موزعة بين الجيش النظامي، وقوات الدعم السريع، وحركات دارفور، وميليشيات محلية، وتشكيلات شبابية مسلحة، ما أدى إلى تعدد مصادر القرار العسكري على الأرض (United Nations, 2024).
هذا الانهيار لم يقتصر على البنية العسكرية، بل امتد إلى الشرطة والأجهزة العدلية، حيث تعطلت سلاسل إنفاذ القانون في مناطق واسعة، وأصبحت السيطرة الفعلية تُمارس عبر القوة المسلحة المحلية وليس عبر الدولة المركزية. وفي مدن مثل الخرطوم ونيالا والفاشر، تحولت السيطرة إلى “جيوب أمنية” متنافسة بدل إدارة موحدة.
7.2 اقتصاد الحرب وإعادة توزيع الموارد
أدى تمدد الحرب إلى نشوء اقتصاد حرب واسع النطاق، يعتمد على السيطرة على الموارد الطبيعية، والمعابر الحدودية، وأسواق السلع، وشبكات التهريب. في دارفور وكردفان على وجه الخصوص، أصبحت شبكات الذهب والرعي والوقود مصادر تمويل رئيسية للفاعلين المسلحين، سواء النظاميين أو غير النظاميين (EUAA, 2025).
كما أدى انهيار النظام المصرفي في عدة مناطق إلى انتشار اقتصاد نقدي موازٍ، حيث تعتمد المجموعات المسلحة على الضرائب غير الرسمية والإتاوات ونقاط التفتيش لتمويل عملياتها. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن هذا الاقتصاد الحربي ساهم في إطالة أمد الصراع من خلال توفير موارد ذاتية مستقلة عن الدولة (United Nations, 2024).
7.3 التحالفات المؤقتة وبنية الدولة المتفككة
تتسم بنية الصراع في السودان بغياب التحالفات الثابتة، حيث تتغير العلاقات بين الفاعلين المسلحين وفق ميزان القوة المحلي والموارد المتاحة. فقد تتحالف بعض الحركات المسلحة مع الجيش في جبهة معينة، بينما تبقى محايدة أو تدخل في تفاهمات مع قوات الدعم السريع في جبهات أخرى، ما يعكس طبيعة “التحالفات المؤقتة” (International Crisis Group, 2023).
هذا النمط من التحالفات أدى إلى تفكك بنية الدولة إلى شبكات محلية متداخلة، حيث لا توجد سلطة مركزية قادرة على فرض الانضباط الكامل على جميع الفاعلين. وبدلاً من ذلك، ظهرت أنماط حكم ميداني تعتمد على التفاوض المستمر بين القوى المسلحة.
7.4 إعادة إنتاج السلطة خارج المؤسسات الرسمية
مع تراجع قدرة الدولة على إدارة مناطق واسعة، ظهرت هياكل سلطة بديلة داخل المجتمعات المحلية، تعتمد على القيادات القبلية، والقادة العسكريين الميدانيين، وشبكات النفوذ الاقتصادي. هذه الهياكل أصبحت تقوم بوظائف الدولة الأساسية مثل الأمن، وتوزيع الموارد، وتنظيم الحركة داخل المناطق (United Nations, 2024).
في دارفور وكردفان، على سبيل المثال، أصبحت بعض الإدارات الأهلية تلعب دوراً شبه رسمي في تنظيم العلاقة بين السكان والمجموعات المسلحة، بينما في الخرطوم برزت لجان الأحياء المسلحة كبديل إداري غير رسمي. هذا النمط يعكس انتقال السلطة من المؤسسات الرسمية إلى شبكات اجتماعية مسلحة.
7.5 مخاطر الدولة الشبكية المسلحة
ينتج عن هذا الوضع ما يمكن وصفه بـ“الدولة الشبكية المسلحة”، حيث تتوزع السلطة بين الدولة الرسمية وفاعلين مسلحين متعددين دون مركز موحد. هذا النموذج يحمل مخاطر كبيرة على المدى الطويل، أبرزها ترسيخ العنف كأداة رئيسية لإدارة السياسة، وتفكك الهوية الوطنية، وتعدد مراكز القرار الأمني والعسكري (EUAA, 2025).
كما أن استمرار هذا النموذج يؤدي إلى صعوبة إعادة بناء جيش وطني موحد، بسبب تشابك الولاءات المسلحة وتداخلها مع البنى الاجتماعية والاقتصادية. وتشير تقارير دولية إلى أن هذا النوع من الدول غالباً ما يدخل في دوائر طويلة من عدم الاستقرار حتى في حال توقف الحرب (International Crisis Group, 2023).
تداعيات التشظي المسلح على مستقبل السودان
يمثل التشظي المسلح في السودان بعد عام 2023 أحد أكثر التحولات خطورة في بنية الدولة الحديثة، إذ لم يعد العنف محصوراً بين طرفين تقليديين، بل أصبح موزعاً بين شبكة واسعة من الفاعلين المسلحين النظاميين وشبه النظاميين والمحليين. هذا الوضع أدى إلى إعادة تشكيل الدولة بوصفها فضاءً تنافسياً بدلاً من كونها كياناً مركزياً موحداً، وهو ما تشير إليه تقارير الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي لشؤون اللجوء باعتباره نمطاً من “تعدد مراكز القوة المسلحة” (United Nations, 2024; EUAA, 2025).
8.1 تعقيد أي تسوية سياسية مستقبلية
يؤدي تعدد الفاعلين المسلحين إلى جعل أي عملية سلام مستقبلية أكثر تعقيداً مقارنة بالنماذج التقليدية للحروب الثنائية. فبدلاً من التفاوض مع طرفين رئيسيين فقط، تصبح العملية التفاوضية متعددة الطبقات تشمل الجيش السوداني، وقوات الدعم السريع، وحركات دارفور، والميليشيات القبلية، وقوات الحياد المسلح، مما يزيد عدد الفاعلين الذين يجب إدماجهم أو تحييدهم في أي اتفاق سياسي (International Crisis Group, 2023).
كما أن غياب مركز قيادة موحد داخل العديد من التشكيلات المسلحة يجعل من الصعب ضمان التزام هذه القوى بأي اتفاق سياسي، حيث يمكن أن تنقسم داخلياً أو تعيد التموضع عسكرياً وفقاً لمصالحها المحلية. هذا الوضع يؤدي إلى ما يشبه “تجزئة عملية السلام” بدل أن تكون تسوية شاملة.
8.2 مخاطر إعادة تدوير العنف
يشير نمط الصراعات في السودان إلى احتمال مرتفع لما يُعرف بإعادة تدوير العنف، أي انتقال المقاتلين بين جبهات مختلفة أو إعادة تشكيلهم ضمن تحالفات جديدة بعد كل جولة من القتال. هذا النمط يعزز استمرار الحرب حتى في حال توقيع اتفاقات جزئية، لأنه لا يعالج جذور اقتصاد الحرب أو شبكات التسلح المحلية (United Nations, 2024).
كما أن توفر السلاح على نطاق واسع، وتداخل الهويات القبلية مع التنظيمات المسلحة، يجعل من السهل إعادة تعبئة المقاتلين في دورات جديدة من العنف. وتُظهر تجارب دارفور السابقة أن انتهاء القتال لا يعني بالضرورة نزع السلاح، بل غالباً ما يؤدي إلى إعادة تشكيل المجموعات المسلحة نفسها بأسماء أو تحالفات مختلفة.
8.3 تفكك مؤسسات الدولة الأمنية
أدى توسع الفاعلين المسلحين إلى تآكل كبير في مؤسسات الدولة الأمنية التقليدية، بما في ذلك الجيش النظامي والشرطة والأجهزة الاستخباراتية. فبدلاً من احتكار الدولة للأمن، أصبحت هناك تعددية في مراكز إنتاج الأمن، حيث تقوم كل مجموعة مسلحة بتوفير “أمنها الخاص” داخل نطاقها الجغرافي (EUAA, 2025).
هذا التفكك أدى إلى تراجع قدرة الدولة على فرض القانون، وظهور أنماط حكم ميداني تعتمد على القوة المسلحة بدلاً من المؤسسات الرسمية. كما أدى إلى ضعف التنسيق بين الأجهزة الأمنية نفسها، نتيجة الانقسام السياسي والعسكري داخل الدولة.
8.4 تحديات نزع السلاح وإعادة الدمج
تُعد عمليات نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج من أكثر التحديات تعقيداً في السياق السوداني، نظراً لتعدد الفاعلين المسلحين وتداخلهم مع البنية الاجتماعية والاقتصادية. فالكثير من المقاتلين ينتمون إلى شبكات قبلية أو اقتصادية توفر لهم بدائل عن الاندماج في مؤسسات الدولة (International Crisis Group, 2023).
كما أن غياب الثقة بين الأطراف المتحاربة يجعل من الصعب تنفيذ برامج نزع السلاح، خاصة في ظل استمرار القتال في بعض المناطق. وتؤكد تجارب سابقة أن برامج الدمج غالباً ما تفشل عندما لا تُرافقها إصلاحات سياسية واقتصادية شاملة تعالج أسباب التسلح.
8.5 احتمالات إعادة بناء الدولة
رغم تعقيد المشهد، لا تزال هناك احتمالات لإعادة بناء الدولة السودانية، لكنها ترتبط بقدرة النخب السياسية والعسكرية على التوصل إلى إطار شامل يعيد احتكار العنف إلى مؤسسة واحدة أو منظومة أمنية موحدة.
يتطلب ذلك إعادة هيكلة عميقة للقطاع الأمني، وإعادة دمج الفاعلين المسلحين ضمن جيش وطني مهني، إضافة إلى معالجة جذور الصراع المرتبطة بالتهميش الاقتصادي والجهوي. وتشير الأدبيات المقارنة إلى أن نجاح إعادة بناء الدولة في مثل هذه السياقات يعتمد على مدى قدرة الدولة على تفكيك شبكات الاقتصاد الحربي وإعادة بناء الثقة بين المركز والأطراف (United Nations, 2024; EUAA, 2025).
ومع ذلك، فإن استمرار التشظي الحالي يجعل من سيناريو “الدولة الشبكية المسلحة” أحد الاحتمالات الواقعية على المدى المتوسط إذا لم يتم تحقيق تسوية سياسية شاملة.
المقاربة التحليلية: نحو فهم نظام العنف متعدد المراكز
يمثل الصراع السوداني بعد 2023 حالة تحليلية مركبة تتجاوز نماذج الحرب الأهلية التقليدية، إذ لم يعد العنف حكراً على الدولة أو على تمرد منظم واحد، بل أصبح موزعاً بين شبكة من الفاعلين المسلحين النظاميين وشبه النظاميين والمحليين. هذا التحول أنتج ما يمكن تسميته بـ“نظام العنف متعدد المراكز”، حيث تتقاسم عدة جهات القدرة على استخدام القوة وتنظيمها وإعادة إنتاجها داخل المجال السياسي والاجتماعي (International Crisis Group, 2023; United Nations, 2024).
9.1 من الحرب الثنائية إلى النظام الشبكي
انتقل السودان من نموذج الحرب الثنائية الكلاسيكي (جيش مقابل قوات متمردة) إلى نموذج شبكي معقد يتداخل فيه عدد كبير من الفاعلين المسلحين. في هذا النموذج الجديد، لم تعد خطوط الصراع واضحة أو مستقرة، بل أصبحت مرنة ومتغيرة وفق تحولات ميدانية وتحالفات ظرفية.
هذا التحول يعكس انهيار البنية الهرمية التقليدية للحرب، واستبدالها بشبكات محلية وإقليمية تتفاعل فيها القوات المسلحة السودانية، وقوات الدعم السريع، والحركات المسلحة، والميليشيات القبلية، والتشكيلات المدنية المسلحة (EUAA, 2025). ونتيجة لذلك، أصبح مسرح الحرب أقرب إلى “نظام شبكي” متعدد العقد، وليس ساحة مواجهة ثنائية مغلقة.
9.2 الفاعلون الهجينيون
يبرز في السياق السوداني ما يمكن وصفه بالفاعلين الهجينيين، أي التشكيلات التي تجمع بين خصائص الدولة وغير الدولة في آن واحد. وتشمل هذه الفئة الحركات المسلحة الموقعة على اتفاقات سلام، والقوات شبه النظامية، والميليشيات المحلية التي تعمل أحياناً ضمن الدولة وأحياناً خارجها.
هذا النوع من الفاعلين يتميز بمرونة عالية في تغيير التحالفات والانخراط في شبكات اقتصادية وعسكرية متعددة، مما يجعل تصنيفه بين “دولة” و“لا دولة” غير دقيق. وتشير الأدبيات الحديثة إلى أن هذا النمط أصبح سمة رئيسية في الحروب المعاصرة في البيئات الهشة (United Nations, 2024).
9.3 تآكل الحدود بين الدولة وغير الدولة
أحد أبرز نتائج الحرب السودانية هو التآكل التدريجي للحدود الفاصلة بين الدولة وغير الدولة. فالدولة لم تعد تحتكر العنف بشكل كامل، بينما أصبحت بعض المجموعات غير الحكومية تؤدي وظائف تقليدية للدولة مثل الأمن المحلي، وتنظيم الحركة، وحماية الموارد.
في المقابل، تتبنى بعض مؤسسات الدولة نفسها ممارسات أقرب إلى الفاعلين غير النظاميين عبر الاعتماد على قوات رديفة وميليشيات محلية. هذا التداخل أدى إلى خلق منطقة رمادية واسعة بين الرسمي وغير الرسمي، حيث يصبح الانتماء المؤسسي أقل أهمية من القدرة الفعلية على السيطرة الميدانية (EUAA, 2025).
9.4 إعادة تعريف مفهوم الجيش والحركة المسلحة
في هذا السياق المتغير، لم يعد من الممكن النظر إلى الجيش أو الحركة المسلحة بوصفهما كيانين ثابتين بخصائص واضحة. فالقوات المسلحة السودانية نفسها أصبحت تعتمد على قوات رديفة وتحالفات محلية، بينما تحولت بعض الحركات المسلحة إلى قوات شبه نظامية تعمل داخل هياكل الدولة.
هذا التحول يعيد تعريف مفهوم “الجيش” ليصبح شبكة متعددة المستويات من الوحدات النظامية وغير النظامية، كما يعيد تعريف “الحركة المسلحة” بوصفها كياناً سياسياً-عسكرياً مرناً يتغير حسب السياق. وبالتالي، فإن التصنيفات التقليدية في دراسات الحرب لم تعد كافية لفهم الواقع السوداني (International Crisis Group, 2023).
9.5 السودان كنموذج لتفكك احتكار العنف
يمكن النظر إلى الحالة السودانية كنموذج متقدم لتفكك احتكار الدولة للعنف، حيث تتوزع القوة بين عدد كبير من الفاعلين المسلحين الذين يمتلك كل منهم قدرة مستقلة نسبياً على التنظيم والتمويل والقتال.
هذا التفكك لا يعني فقط تعدد الأطراف، بل يشير إلى تحول بنيوي في طبيعة الدولة نفسها، من دولة مركزية إلى “دولة شبكية” تعتمد على التفاوض المستمر بين مراكز قوة متعددة. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن هذا النمط يؤدي عادة إلى إطالة أمد الصراعات وصعوبة إعادة بناء مؤسسات الدولة الموحدة (United Nations, 2024).
وفي الحالة السودانية، يتجلى هذا التحول في تداخل الاقتصاد الحربي مع البنى الاجتماعية، وتعدد مراكز القرار الأمني، وغياب سلطة مركزية قادرة على فرض احتكار فعلي للعنف.
الخاتمة: نحو إعادة بناء احتكار العنف الشرعي
10.1 خلاصة النتائج
يمثل المشهد السوداني بعد حرب أبريل 2023 حالة نموذجية لتحول الدولة من نموذج احتكار مركزي للعنف إلى نظام متعدد المراكز تتقاسمه القوات المسلحة السودانية، وقوات الدعم السريع، والحركات المسلحة، والميليشيات القبلية، وشبكات التعبئة المحلية. هذا التحول لا يمكن قراءته كنتيجة مباشرة للحرب فقط، بل كحصيلة تراكم طويل من تآكل المؤسسات الأمنية وتعدد مراكز القوة منذ ما قبل 2019، ثم تسارعه بشكل حاد بعد 15 أبريل 2023. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن هذا النمط أدى إلى إعادة توزيع فعلية للعنف على نطاق جغرافي واسع يشمل دارفور والخرطوم وكردفان (United Nations, 2024). كما تؤكد وكالة الاتحاد الأوروبي لشؤون اللجوء أن هذه البنية أصبحت “شبكية” وغير هرمية، حيث تتداخل فيها الولاءات العسكرية والقبلية والاقتصادية بصورة معقدة (EUAA, 2025).
وفي هذا السياق، لم تعد الدولة السودانية تمارس احتكاراً فعلياً للعنف، بل أصبحت أحد الفاعلين داخل سوق مسلح متعدد اللاعبين، حيث تتقاسم السلطة القسرية مع شبكات محلية شبه مستقلة. ويظهر ذلك بوضوح في طبيعة العمليات العسكرية التي باتت تعتمد على التحالفات الميدانية المؤقتة أكثر من القيادة المركزية الصارمة، وهو ما يعكس تحوّلاً بنيوياً في مفهوم الدولة نفسه (International Crisis Group, 2023).
10.2 طبيعة التحول من دولة مركزية إلى بنية مسلحة متشظية
أدى امتداد الحرب إلى إعادة تشكيل الدولة بوصفها ساحة تنازع مسلح متعددة الطبقات، بدل كونها مؤسسة تحتكر العنف المشروع. ففي السابق، كانت القوات المسلحة السودانية تمثل المركز الوحيد تقريباً لإنتاج العنف المنظم، لكن بعد 2023 تراجعت هذه المركزية لصالح تعدد مراكز القرار العسكري، سواء داخل الجيش نفسه أو عبر الحركات المسلحة والميليشيات المتحالفة أو المتقاطعة معه.
وقد وثقت الأمم المتحدة أن إعادة انتشار القوات من العاصمة إلى الأقاليم، والعكس، خلق فراغات أمنية استغلتها تشكيلات محلية مسلحة، ما أدى إلى نشوء “جغرافيا أمنية مجزأة” تتغير فيها السيطرة بشكل دوري بين الأطراف المتحاربة (United Nations, 2024). كما تشير الدراسات التحليلية إلى أن هذا التحول لم يكن فجائياً، بل امتداداً لمسار طويل من عسكرة السياسة السودانية منذ تسعينيات القرن الماضي، لكنه بلغ ذروته مع انهيار التوازن بين الجيش وقوات الدعم السريع في 2023 (International Crisis Group, 2023).
ويظهر هذا التشظي أيضاً في تآكل التسلسل القيادي التقليدي، حيث باتت الوحدات الميدانية تمتلك هامشاً واسعاً من الاستقلال العملياتي، خاصة في دارفور وكردفان، ما أدى إلى صعوبة فرض انضباط موحد على الفاعلين المسلحين.
10.3 شروط إعادة بناء الدولة
تعتمد إمكانية إعادة بناء الدولة السودانية على مجموعة من الشروط البنيوية المعقدة، وليس فقط على وقف إطلاق النار. أول هذه الشروط يتمثل في إعادة توحيد سلسلة القيادة العسكرية داخل مؤسسة الدولة، وتقليص الاعتماد على التشكيلات غير النظامية التي أصبحت جزءاً من بنية الحرب.
ثانياً، يتطلب الأمر إصلاحاً عميقاً لقطاع الأمن يشمل إعادة تعريف العلاقة بين الجيش والحركات المسلحة، بما في ذلك دمج أو تفكيك التشكيلات التي تعمل خارج إطار القيادة الرسمية. وتشير الأدبيات الدولية إلى أن تجارب ما بعد النزاع تؤكد أن بقاء الفاعلين المسلحين خارج مؤسسات الدولة يعيد إنتاج العنف بشكل دوري (African Union Commission, 2013).
ثالثاً، لا يمكن تحقيق الاستقرار دون معالجة اقتصاد الحرب الذي أصبح أحد المحركات الأساسية لاستمرار النزاع، حيث تعتمد العديد من التشكيلات المسلحة على مصادر تمويل غير رسمية تشمل الذهب والتهريب والجبايات المحلية والسيطرة على الطرق التجارية والمعابر الحدودية.
10.4 تفكيك اقتصاد الحرب وإعادة دمج الفاعلين
يشكل اقتصاد الحرب في السودان بنية موازية لاقتصاد الدولة الرسمي، بل يتفوق عليه في بعض المناطق من حيث التأثير والسيطرة. ففي دارفور، على سبيل المثال، أصبحت شبكات التعدين الأهلي للذهب أحد أهم مصادر تمويل الجماعات المسلحة، بينما تعتمد مجموعات أخرى على السيطرة على طرق الإمداد بين الخرطوم وتشاد وجنوب السودان.
وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن استمرار هذه الاقتصادات غير الرسمية يعوق أي عملية انتقال سياسي، لأنه يوفر حوافز مادية مباشرة لاستمرار التسلح خارج إطار الدولة (OECD, 2007). كما تؤكد الأمم المتحدة أن غياب برامج فعالة لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج يؤدي إلى إعادة تدوير المقاتلين داخل موجات عنف متكررة، خصوصاً في البيئات الريفية الهشة (United Nations, 2024).
وعليه، فإن تفكيك اقتصاد الحرب لا يعني فقط إغلاق مصادر التمويل، بل إعادة بناء منظومة اقتصادية بديلة قادرة على استيعاب الفاعلين السابقين في الحرب داخل اقتصاد مدني رسمي.
10.5 آفاق الاستقرار في ظل التعدد المسلح
تظل آفاق الاستقرار في السودان مرتبطة بقدرة الفاعلين المحليين والإقليميين على إدارة واقع التعدد المسلح دون ترسيخه كحالة دائمة. فالمشهد الحالي يعكس وجود سلطات متعددة داخل الجغرافيا السودانية، حيث تتداخل السيطرة العسكرية بين الجيش وقوات الدعم السريع والحركات المسلحة والميليشيات المحلية، دون وجود مركز حاسم وحيد للقرار الأمني.
وتشير الأمم المتحدة إلى أن هذا الوضع ينتج ما يمكن وصفه بـ“الاستقرار الهش”، حيث تتوقف العمليات العسكرية في بعض المناطق دون أن يتم تفكيك البنية المسلحة نفسها، مما يخلق دورة قابلة لإعادة الاشتعال في أي لحظة (United Nations, 2024). كما ترى وكالة الاتحاد الأوروبي لشؤون اللجوء أن استمرار هذه البنية الشبكية يجعل من الصعب تصور عودة سريعة إلى نموذج الدولة المركزية التقليدية في المدى القصير (EUAA, 2025).
وبذلك، فإن مستقبل السودان يتوقف على مدى نجاح عملية طويلة ومعقدة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والعنف، وليس فقط إنهاء الحرب الحالية.
المراجع
African Union Commission. Policy framework on security sector reform. Addis Ababa: African Union Commission; 2013.
de Waal A. Sudan is collapsing: Here’s how to stop it. London: Chatham House; 2024.
DCAF (Geneva Centre for Security Governance). Security sector reform: International norms and good practices. Geneva: DCAF; 2015.
EUAA (European Union Agency for Asylum). Country guidance: Sudan security situation. Valletta: EUAA; 2025.
International Crisis Group. Sudan’s transition: Major reform or more of the same? Brussels: International Crisis Group; 2023.
Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD). OECD DAC handbook on security system reform. Paris: OECD Publishing; 2007.
United Nations. Report of the Secretary-General on the situation in the Sudan and UNISFA/UNITAMS activities. New York: United Nations; 2024.
United Nations Office of the High Commissioner for Human Rights (OHCHR). Rule-of-law tools for post-conflict states: Vetting. New York: United Nations; 2006.
Weber M. Economy and society: an outline of interpretive sociology. Berkeley: University of California Press; 1978.

الكاتب

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منشورات غير مصنفة
بدوي إتهزم يا رجالة .. بقلم: حسن فاروق
منبر الرأي
زفة حزب المؤتمر الوطني والخروج عن النص .. بقلم: سارة عيسى
منى أبو زيد
إلجام العوام عن كثرة الكلام !! .. بقلم: منى أبو زيد
الأخبار
مركز “شاتام هاوس” البريطاني المرموق يحذر: كلما تأخر الإصلاح السياسي والاقتصادي الحقيقي في السودان زاد خطر عدم الاستقرار الأوسع وتعميق الأزمة الاقتصادية
بيانات
حركة القوى الجديدة الديمقراطية (حق): أطلقوا سراح المعتقلين.. أطلقوا سراح الوطن

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

مهارات فاقد النخبة السودانية في معاقرة الأنظمة الشمولية .. بقلم: حسن احمد الحسن

حسن احمد الحسن
منبر الرأي

في رحيل سمير أمين، أبدا لم تفارقنا يارفيقنا! .. بقلم: جابر حسين

طارق الجزولي
منبر الرأي

الصوفية في السودان و آثرها السياسي السلبي .. بقلم: زين العابدين صالح عبد الرحمن

زين العابدين صالح عبد الرحمن
منبر الرأي

الأزهر يكافح” الكراهية والعنف” .. بقلم: د. أحمد الخميسي

د. أحمد الخميسي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss