حكومة الأستاذ محمد حسن التعايشي عليها تأمين أجواء دارفور وغرب وجنوب كردفان باعتبارها واقعة تحت سلطتها، وأي نزف أو فقد هي المسؤول الأول منه قبل القاء اللوم على العدو المتربص بنا، فالحكم له استحقاقات تجاه المحكومين، وبما أن المجتمعات التي تتلقى ضربات جوية يومية وتفقد العزيز والأعز هي من رفدت جيش التأسيس بفلذات الأكباد، يكون من أولى ألويات الحكومة التي تمثل هذه المجتمعات حمياتهم وجلب منظومات دفاع جوي تغطي كل شبر من الولايات التي تسيطر عليها حكومة تأسيس، ولا يجدي أي تملص من المسؤولية بحجة علو سعر تكلفة استجلاب هذه المنظومات، لأن الدولة الجديدة لها نصيب مقدر من بترول هجليج، وحركة التجارة فيها لا بأس بها وفي مقدورها رفع الإنتاج التعديني والاستفادة من عائداته، هذا فضلاً عن الثروة الحيوانية التي ما زال المهربون يأخذونها من أراضي تأسيس ويعبرون بها الى جغرافيا العدو الذي يستثمر في تصديرها بالعملات الصعبة، فنحن اغنياء بما نمتلك من أرض ومعدن وشجر وزرع وضرع، ولسنا بحاجة الى معجزة الهية لكي تنتشلنا، كما أن الحلفاء الإقليميين لهم مصلحتهم المباشرة في استقرار هذه المجتمعات المنتجة للحيوان والمحصول والانسان، واستثمار الحكومة في هذا الشأن واجب تفرضه احتياجات المواطنين، وكما كررنا كثيراً أننا كمواطنين لا نمنح الحكومات شيكات على بياض، ولا نجامل الحاكم اذا أصابه القصور بعد أن دق صدره وتبنى إدارة شأننا.
ما شاهدناه من عشرات الجثث المغطاة بالملايات واثواب النساء التي قضت تحت قصف المسيرات، يجب أن لا يتكرر في وجود حكومة لها جيشها وعلاقاتها الدولية والإقليمية، فحياة الناس أولى بالحفظ من ركض الوزراء وراء بهرج الحياة الملوثة بدخان البارود ورائحة الموت، لن نبكي شهداء مجزرة غراء ولن نلقي باللوم على عبد الفتاح البرهان، ولكن نوجه الدعوة لمحمد حمدان بأن يحث حكومته على تفعيل جهازها التنفيذي ليعمل عملاَِ ثورياَ يتناسب وتضحيات الاشاوس في الميدان، فالأشوس الذي يقدم روحه رخيصة في معارك أم قرفة أغلى ثمناً من الوزير الجالس تحت مكيفات الهواء البارد بمكاتب نيالا، هذه الحرب دفعت فيها المكونات الاجتماعية ثمناً باهظاً من الأرواح والممتلكات، وحان أوان سداد الدين من حكومتهم التي أسسوها بالدم والدمع، ولا مجال للمزايدين المنتشرين بين دهاليز مؤسسات التأسيس الذين لا تهتز لهم شعرة لموت مواطن، لسنا راضين على أداء الحكومة فيما يتعلق بالأمن، فالثغرات كثيرة والعيوب مثيرة ولا مجال للمسامحة والتمرير، فقد وصلت الأمور الى مرحلة يستحيل السكوت عليها، وللحكم واجباته المعلومة، التي لا تقبل المساومة، والمواطن المدني الأعزل يستحق ان يعقد جلساته تحت ظلال أشجار دارفور وكردفان دون أن يمسه أذى العدو، فنفس منظومات الدفاع الجوي التي تحمي الوزراء والولاة بنيالا والفاشر يجب أن توفر للمدنيين الذين يمارسون نشاطهم اليومي من زراعة ورعي وعقد للجوديات والمصالحات الأهلية.
حكومة والناس مظلومة، عبارة كان يرددها السودانيون أيام حكومات دولة 56 التي اخرها حكومة محمد طاهر ايلا التي يعلوها الرئيس الأسبق البشير، فكيف يظلم الناس تحت ظل حكومتهم التي تفاءلوا بها خيراُ وتباهوا بها أمام الأمم والشعوب والحكومات، فالظلم يقع على الناس دائماً من الحاكم الذي يفشل في حماية محكوميه، لقد خاطب البشير السودانيين في آخر خطاب له بحديقة القصر والناس يهتفون “تسقط بس” قائلاً : أها سقطت ؟ ماذا انتم فاعلون؟، او كما قال، وهو يعلم تحديات الملك والسلطان والحكم رغم جبروته، واليوم نحن نسأل تأسيس رئيس ورئيس وزراء ووزراء وولاة وحكام اقاليم، أها حكمتم؟ ماذا قدمتم من أمن للمواطن في دارفور التي تبعد مئات الكيلومترات من الخرطوم، وهل هنالك أوجب على الحاكم مما ورد في الآية الكريمة(الذي اطعمهم من جوع وآمنهم من خوف)، فالحمد لله المواطنين شبعانين مما جاد لهم به الزرع والضرع، ما عليكم يا أخي التعايشي إلّا أن تأمنوا لهم الأجواء لكي تطمئن قلوبهم ليبسطوا التعافي الاجتماعي بين المكونات التي ضربتها الخلافات أخيراً، كمواطنين نطالبكم بتأمين السماء والأرض والحمد لله ليس لدينا بحر لكي نثقل كاهلكم، فقط هذين المجالين عليكم بحراستها حتى يطمئن الناس، ما زلت اذكر حديث والدتي أيام قصف نيالا بالطيران ( يا ولدي ما بننوم الا بعد حس الطيارة يروح)، بعدها نامت الأمهات بفضل تحول مدينتهن الى عاصمة للدولة التأسيسية، ذات الأمن الذي رفل تحته سكان نيالا يجب أن يستمتع به سكان “غراء”.
إسماعيل عبدالله
ismeel1@hotmail.com
