دكتور محمد عبدالله
ثمة مؤرخون يكتفون برصد الماضي، ومؤرخون آخرون يتخذون منه أداة لفهم الحاضر. كان محمد سعيد القدّال، بلا شك، من الطائفة الثانية. لم يكن التاريخ في ذهنه سرداً متوالياً للملوك والغزوات، ولا مجموعة حكايات تتناقلها الأجيال، بل سؤالاً مفتوحاً على الإنسان والمجتمع والسلطة، وعلى الأسباب التي أوصلت السودان إلى ما هو عليه اليوم.
بعد أكثر من ثمانية عشر عاماً على رحيله، تبدو الحاجة إلى استدعاء القدّال أكبر من مجرد استعادة سيرة أكاديمي سوداني بارز. إنها حاجة إلى استعادة منهج في التفكير نفتقر إليه في بلد مزقته الحرب، وتشابكت فيه الروايات المتضاربة عن تاريخه، حتى صار الماضي نفسه جزءاً من صراع الحاضر.
ولد القدّال في سنكات عام 1935، في أسرة عُرفت بالعلم والتعليم. وكان والده، الشيخ القدّال، معلماً سودانياً ارتبط اسمه بتجربة التعليم في حضرموت، حيث أمضى محمد سعيد جانباً من طفولته قبل أن يعود إلى السودان لإكمال دراسته. ولعل تلك النشأة المبكرة تفسر جانباً من علاقته الخاصة بحضرموت، التي لم تكن مجرد محطة عابرة في سيرته، وإنما أصبحت لاحقاً مجالاً للبحث والترجمة والكتابة.
تخرج في كلية الآداب بجامعة الخرطوم عام 1958، ونال الماجستير من كاليفورنيا عام 1964، ثم الدكتوراه من جامعة الخرطوم عام 1981، وكانت أطروحته حول الاقتصاد في الدولة المهدية، قبل أن تصدر لاحقاً في كتابه “السياسة الاقتصادية للدولة المهدية” . لكن قيمة القدّال لا تختصرها الشهادات والمناصب. فقد عمل في وزارة التربية، وترأس قسم التاريخ بمعهد المعلمين العالي، ثم التحق بقسم التاريخ في جامعة الخرطوم، ودرّس في جامعة عدن، قبل أن يعود إلى جامعة الخرطوم أستاذاً.
كان القدّال شيوعياً، وفي الوقت نفسه ابن بيئة صوفية وثقافة دينية سودانية. وهذا التداخل، الذي قد يبدو متناقضاً للوهلة الأولى، يشكل مفتاحاً مهماً لفهم شخصيته الفكرية. فهو لم يتعامل مع الدين بوصفه خصماً ينبغي إقصاؤه، بل بوصفه مكوّناً أصيلاً في الثقافة السودانية، يستحق الدراسة بعيداً عن التقديس السياسي والتوظيف الأيديولوجي. وفي كتاباته عن الإسلام والسياسة، ظل السؤال الذي يشغله هو: كيف يتحول الدين من منظومة روحية وثقافية إلى أداة في الصراع على السلطة؟ وكيف تنشأ الجماعات الدينية داخل سياقاتها الاجتماعية والتاريخية؟
هنا يكمن أحد أهم مفاتيح منهجه: لم يكن يكتفي بوصف الظاهرة، بل كان يبحث عن جذورها.
يتجلى ذلك بوضوح في دراساته عن المهدية. فقد نظر إليها باعتبارها ظاهرة تاريخية لها شروطها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، لا باعتبارها ملحمة مقدسة أو واقعة ينبغي إدانتها مسبقاً. كتب عن الإمام المهدي، وعن السياسة الاقتصادية للدولة المهدية، وعن علاقاتها بالحبشة، وحاول أن يقرأ التجربة من داخل ظروفها التاريخية، بعيداً من التقديس والشجب معاً.
ويظل كتابه ” تاريخ السودان الحديث 1820–1956″ واحداً من أبرز الأمثلة على هذا المشروع. فالكتاب لا يكتفي بعرض الوقائع، وإنما يحاول قراءة التاريخ السوداني من خلال تفاعل السلطة والمجتمع والاقتصاد والقوى السياسية.
ولم يتردد القدّال في الكتابة عن تاريخ الحزب الشيوعي السوداني، الذي كان أحد المنتمين إليه، فأصدر ” الحزب الشيوعي السوداني وانقلاب 25 مايو” و ” معالم في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني في نصف قرن” . وتكتسب هذه الأعمال أهميتها كونها محاولة لتوثيق تجربة سياسية كان المؤلف نفسه جزءاً منها، وهي مهمة شديدة الحساسية بالنسبة إلى أي مؤرخ.
فالانتماء السياسي، في النهاية، لا ينبغي أن يكون بديلاً عن المؤرخ.
ويظهر تحفّظ القدّال تجاه الرواية الذاتية في دراسته للسير الذاتية السودانية، حيث لاحظ أن بعضها يضخم دور صاحبه، ويميل إلى التبرير، ويتأثر بالصراعات السياسية، الأمر الذي يجعل التعامل معه كمصدر تاريخي يحتاج إلى قدر كبير من الحذر. وهذه الملاحظة الصغيرة تكشف جانباً أساسياً من شخصيته النقدية: لم يكن يصدق الرواية لمجرد أن صاحبها كان قريباً من الحدث، ولم يرفضها لمجرد أنها تخالف موقفه. كان يسأل عن المصدر، والسياق، ودوافع الكاتب، وما تقوله النصوص وما تسكت عنه.
وهذا بالضبط ما يجعل إرثه حياً في السودان اليوم.
في زمن الحرب، تكثر الروايات التي تحول التاريخ إلى محكمة. كل طرف يبحث في الماضي عما يبرئه ويدين خصمه، فتتحول الشخصيات التاريخية إلى رموز مقدسة أو شياطين مطلقة، وتنتقى الوقائع بما يخدم الموقف السياسي الراهن.
في مثل هذا المناخ، نحن بحاجة إلى القدّال، لا لتكرار أفكاره، ولا لتحويل كتبه إلى نصوص مقدسة، وإنما لاستعادة طريقته في النظر إلى التاريخ.
إختلف معه البعض سياسياً وفكرياً، بل و نوقشت بعض تفسيراته التاريخية، دون أن ينتقص ذلك من قيمة مشروعه. وربما كانت هذه إحدى علامات المؤرخ الكبير: أن يظل قابلاً للنقاش بعد رحيله.
ولم يقف اهتمامه عند السودان. فقد حملت كتاباته وترجماته أثراً واضحاً لعلاقته بحضرموت؛ فكتب عن والده ” الشيخ القدّال باشا: معلم سوداني في حضرموت” ، وعن السلطان علي بن صلاح القعيطي، وترجم كتباً تتصل بحضرموت وجنوب الجزيرة العربية والقات وتاريخ الطريقة الختمية.
وفي ذلك ما يكشف جانباً آخر من نظرته إلى التاريخ. فالتاريخ لا يتوقف دائماً عند الحدود التي ترسمها الخرائط. حركة البشر والأفكار والتجارة والتعليم والهجرة صنعت، منذ وقت مبكر، جسوراً بين السودان واليمن وشرق أفريقيا، وكان القدّال واعياً بهذا التداخل.
وكان معلماً قبل أن يكون مؤلفاً. خرّج طلاباً وباحثين، وظل حاضراً في الصحافة والندوات، وانشغل بإصلاح الجامعة، لا باعتبارها مؤسسة تمنح الشهادات فحسب، وإنما باعتبارها واحدة من أهم أدوات بناء العقل العام.
رحل محمد سعيد القدّال في السادس من يناير 2008، بعد وعكة صحية مفاجئة، تاركاً وراءه مكتبة واسعة تمتد من تاريخ السودان الحديث والمهدية إلى الإسلام والسياسة والحزب الشيوعي وحضرموت، فضلاً عن ترجمات ودراسات أخرى.
لكن ما بقي منه ليس عدد الكتب ولا المناصب.
ما بقي هو إصراره الهادئ على أن التاريخ ليس ملكاً للمنتصرين.
وفي سودان يعيش واحدة من أقسى لحظات تاريخه، ليست هذه عبارة أكاديمية عابرة، وإنما قضية سياسية وأخلاقية في آن واحد.
لكل حرب نهايتها، لكن معركة كتابة التاريخ تبدأ غالباً بعد أن تصمت البنادق. عندها يكتب المنتصرون روايتهم، ويكتب المهزومون روايتهم المضادة، ويظل المجتمع في حاجة إلى مؤرخ يستطيع أن يقول للجميع: هذه ليست الحقيقة كلها.
ذلك، في تقديري، أخلص درس يمكن أن نستعيده من القدّال.
لم يكن مؤرخاً بلا موقف، ولم يدّعِ الحياد. لكنه أدرك أن الموقف لا يعفي من مسؤولية الوثيقة، وأن الانتماء لا يلغي السؤال، وأن حب الوطن لا يعني أن نكتب تاريخه كما نتمنى أن يكون، بل كما كان.
سجل خلوده الحقيقي ليس في المراثي ولا في الألقاب، وإنما في كتبه التي ما زالت تضع القارئ السوداني أمام أسئلة صعبة عن بلده وماضيه.
ولعل أفضل وفاء له اليوم أن نعيد قراءة تلك الكتب، لا بحثاً عن إجابات جاهزة، وإنما بحثاً عن العقل الذي كان يسأل.
فالأوطان التي تفقد قدرتها على قراءة تاريخها بعين نقدية تظل مهيأة لإعادة أخطائها بأسماء جديدة.
والقدّال، بهذا المعنى، لم يكتب للماضي وحده.
لقد كتب للسودان الذي لم يأتِ بعد.
muhammedbabiker@aol.co.uk
