محمد مختار الخطيب: نقد التشخيص وغياب البديل (4 /أ من 10)
قراءة نقدية في “المشروع البديل لبرنامج الهبوط الناعم”
عاطف عبدالله
الجزء الرابع / أ
الجبهة الجماهيرية العريضة – من التصور النظري إلى شروط التحقق
- هل توجد القاعدة الاجتماعية والتنظيمية التي يفترضها المشروع؟
تراهن الورقة على تكوين جبهات جماهيرية قاعدية في الأحياء والقرى والمدن، ومراكز العمل والدراسة، ثم ربطها على مستويات جغرافية وإدارية متعددة. وتفترض أن هذه الجبهات ستواصل النضال من أجل تحسين الأوضاع المعيشية، ووقف الحرب، واسترداد الثورة، ثم تتولى، عند وصول قوى الثورة إلى السلطة، تكوين المجالس التشريعية على المستويات المختلفة، واختيار مؤسسات الحكم ومراقبة أدائها.
هذا التصور، على الرغم مما ينطوي عليه من طموح، وما يحمله من قيمة إيجابية من حيث المبدأ، يصطدم بواقع سوداني بالغ التعقيد، لا يجوز تجاوزه نظرياً أو التعامل معه كما لو أن البنية الاجتماعية والتنظيمية التي كانت قائمة قبل الحرب لا تزال متماسكة وقادرة على أداء الأدوار التي تفترضها الورقة.
فالحرب أدت إلى موجات واسعة من النزوح واللجوء، وتفكيك مجتمعات محلية، وتدمير مؤسسات الإنتاج والخدمات، وتعطيل قطاعات من العمل النقابي والسياسي، وفرض قيود أمنية متفاوتة، فضلاً عن انقطاع الروابط بين كثير من المواطنين ومناطقهم الأصلية. ولم تقف آثارها عند هذا الحد، بل امتدت إلى تصاعد عمليات التجييش والتعبئة العسكرية، وانتشار السلاح خارج الأطر النظامية، وتعدد التشكيلات المسلحة والمليشيات ذات الولاءات الجهوية والقبلية والإثنية. وقد أسهمت هذه الظواهر في تعميق الاستقطاب، وتهديد التماسك الاجتماعي، وتحويل بعض الانتماءات المحلية إلى بؤر للصراع والتناحر، بما يضعف الثقة بين مكونات المجتمع ويعقّد فرص إعادة بناء العمل الجماهيري المشترك.
إن هذه التحولات لا تخلق تحديات أمنية فحسب، بل تضعف أيضاً شروط العمل الجماهيري المستقل، وتحدّ من قدرة المواطنين على التنظيم بحرية، وتزيد مخاطر إخضاع المبادرات المدنية لضغوط السلاح والولاءات المسلحة. كما أن اتساع دائرة العنف والتعبئة على أسس جهوية أو قبلية أو إثنية قد يترك آثاراً طويلة الأمد على الثقة المتبادلة والتعايش المجتمعي. وهذا كله يجعل إعادة بناء الجبهة الجماهيرية أكثر تعقيداً من مجرد إنشاء روابط تنظيمية بين الأحياء والقرى والمدن، ويستدعي فهماً عميقاً للتحولات التي أحدثتها الحرب في المجتمع السوداني، وفي علاقات أفراده ومكوناته بعضهم ببعض.
وإلى جانب هذه التحديات، فإن لجان المقاومة نفسها ليست تنظيماً موحداً ذا موقف سياسي واحد؛ فهي تضم تجارب وتوجهات متفاوتة، وقد تعرضت للاستنزاف والانقسام والتهجير، واختلفت مكوناتها في بعض الخيارات السياسية والتنظيمية. والنقابات بدورها ليست جميعها في حالة تنظيمية تسمح لها بالاضطلاع فوراً بالدور الواسع الذي تتصوره الورقة. كذلك، فإن وجود قاعدة اجتماعية متضررة من الحرب لا يعني تلقائياً استعدادها للانخراط في مشروع الحزب الشيوعي أو في تحالف سياسي يتبنى التغيير الجذري بمعناه المحدد في الوثيقة. فالمعاناة المشتركة قد تهيئ أرضية للتضامن والعمل المشترك، لكنها لا تكفي وحدها لتأسيس توافق سياسي أو تنظيمي.
لذلك، فإن السؤال ليس فقط: كيف تتكون الجبهة الجماهيرية؟ بل ما الشروط الواقعية التي تسمح بتكوينها في ظل التهجير والتفكك الاجتماعي وانتشار السلاح وتعدد مراكز القوة المسلحة؟ وكيف يمكن استعادة الثقة بين مكونات المجتمع، وحماية استقلال العمل المدني من تأثير التجييش والاستقطاب المسلح، والتعامل مع اختلاف المصالح والمواقف؟ وما الآليات التي تضمن ألا تتحول هذه الجبهة إلى إطار تنظيمي محدود يتحدث باسم جماهير لا يملك تفويضاً حقيقياً منها؟
إن الورقة تقدم تصوراً لما ينبغي أن تكون عليه الجبهة الجماهيرية، لكنها لا تقدم بالقدر نفسه دراسة واقعية لما هو موجود بالفعل من قوى وتنظيمات وقدرات وعقبات. فبناء هذه الجبهة لا يبدأ من افتراض وجود قاعدة اجتماعية متماسكة تنتظر إطاراً تنظيمياً يجمعها، بل من تشخيص حجم التفكك الذي أحدثته الحرب، وفهم التحولات التي طرأت على الولاءات والعلاقات الاجتماعية، وتحديد السبل العملية لاستعادة المبادرة المدنية وتوسيع المشاركة الشعبية. ومن دون هذا التشخيص، قد تظل الجبهة الجماهيرية أقرب إلى تصور نظري رغائبي لما نريد أن يكون عليه الواقع، منها إلى مشروع سياسي يستند إلى شروطه الفعلية ويمتلك وسائل تحقيقه.
ولا ينفصل هذا السؤال عن الحالة الراهنة للحزب الشيوعي السوداني نفسه، وما أصابه من وهن وتراجع في قدراته التنظيمية، في سياق التحولات الكبرى التي أعقبت تفكك الكتلة الاشتراكية وانهيار منظومتها الدولية، وصعود نظام عالمي جديد أعاد تشكيل موازين القوى السياسية والفكرية. فهذه التحولات لم تكن خارجية فحسب، بل انعكست، بدرجات متفاوتة، على الأحزاب الشيوعية وحركات اليسار في بلدان عديدة، وفرضت عليها مراجعة أدواتها التنظيمية، وتجديد خطابها، وإعادة بناء صلاتها بالقواعد الاجتماعية التي تستند إليها.
وفي الحالة السودانية، يبرز سؤال أكثر تحديداً وإلحاحاً: لماذا أخفق الحزب الشيوعي، طوال العقود الأربعة الماضية، في إعادة بناء اتحاد الشباب السوداني، سواء في المدن أو الأرياف، رغم ما يتمتع به هذا الاتحاد من إرث تاريخي ونضالي عريق، وما كان له من حضور وجذور في قطاعات من المجتمع السوداني؟ إن استحضار هذه التجربة ليس تقليلاً من تاريخ الحزب أو من إسهاماته، وإنما هو ضرورة لتقييم قدراته التنظيمية الفعلية، واستخلاص الدروس من تعثر محاولات إعادة بناء أحد أبرز أطره الجماهيرية المرتبطة بالشباب.
وهنا يفرض السؤال نفسه: إذا كان الحزب قد عجز، طوال هذه المدة، عن إعادة بناء تنظيم جماهيري يمتلك مثل هذا الرصيد التاريخي، فكيف يراهن اليوم على قدرته على تنظيم الجماهير من نقطة الصفر، في ظل واقع أشد تعقيداً، فرضته الحرب ومزّق النسيج الاجتماعي وشتّت القوى الجماهيرية؟ ومن أين سيأتي بالكوادر والإمكانات والقدرات التنظيمية اللازمة لإنجاز هذه المهمة؟ وما الذي تغيّر في شروط عمله وأدواته وخبراته بحيث يمكنه تجاوز إخفاقات الماضي وتحويل هذا التصور إلى مشروع قابل للتنفيذ؟
إن هذه الأسئلة لا تستهدف التقليل من أهمية فكرة الجبهة الجماهيرية أو التشكيك في ضرورتها، بل تضعها في إطارها الصحيح: إطار الإمكانات الواقعية، وشروط البناء، والقدرة على الانتقال من التصور النظري إلى الممارسة العملية. فالواقعية السياسية والتقييم الموضوعي للقدرات والإمكانات المتاحة لا يمثلان تراجعاً عن المبادئ أو تخلياً عن الأهداف، بل هما من أبسط قواعد التخطيط السياسي وأهم شروط النجاح. فلا يكفي أن نحدد ما نريد تحقيقه؛ بل ينبغي أن نعرف كيف نحققه، وبأي أدوات، ومع من، وفي ظل أي موازين للقوى، وما الخطوات المرحلية التي تتيح الانتقال من الواقع القائم إلى الهدف المنشود
