الجريدة هذا الصباح
ولا شك أن صمود لم يُطلق تحذير التقسيم فقط بسبب التحركات العسكرية، فهذا ظاهر المشهد، لكن ما تحت السطح ربما يكون سياسياً بالكامل، وهو الأخطر فكيف تتلافى القوى المدنية مخططه حتى لا يحدث؟!
أطياف
صباح محمد الحسن
مركز القوة
طيف أول:
وكأنك يا وطني رغم الجراح دواء
وكأن الشمس تشرق من جبينك
وتغرب في راحة كفيك
وكأن الفجر يضحك فرحاً
في عينيك.. ولأنك فيني
كأني فيك.
والذي يبحث بين السطور في بيان أصدره تحالف القوى المدنية والديمقراطية “صمود” قبل أيام، والذي حذّر فيه من تنامي ما وصفه بـ”مخططات تقسيم السودان” مع دخول الحرب عامها الرابع، مؤكداً أن استمرار القتال وتوسع مناطق النفوذ العسكرية بين الأطراف المتحاربة يهددان وحدة البلاد بصورة غير مسبوقة، ويمهّدان لفرض تقسيم أمر واقع على الأرض، لابد أن يطرح سؤالاً مباشراً: ما الذي دعا صمود لصياغة بيان عاجل في هذا التوقيت يحذّر فيه من خطر التقسيم؟!
وبالرغم من أن الانشقاقات الأخيرة من الدعم السريع قد تخدم مصالح عسكرية أكثر من كونها سياسية، سيما أنها تمت بلا رؤية وبلا هدف، وأن أغلب القيادات المنشقة من الدعم السريع تعاني من فقر واضح في المعرفة السياسية، إلا أن بيان صمود لم يكن وحده، فقد تحدث رئيس حزب التجمع الاتحادي بابكر فيصل في منشور خاص محذراً أن خطر تقسيم السودان لم يعد أمراً نظرياً، بل أصبح واقعاً سياسياً ووجدانياً معاشاً لا يمكن التغاضي عنه.
وبالرغم من أن التحالف كشف في بيانه أن التطورات الميدانية الحالية تُظهر اتجاهاً خطيراً نحو ترسيم حدود السيطرة العسكرية وتحويلها إلى سلطات أمر واقع، وهو ما يشكل تهديداً مباشراً لوحدة السودان وتعدديته، ويخدم مشاريع سياسية ضيقة تتعارض مع مصالح الشعب السوداني، إلا أن هناك أسباباً سياسية قد تكون هي التي دفعت التحالف وقيادته للخروج محذرين من مغبة التقسيم.
ولا شك أن صمود لم يُطلق تحذيره فقط بسبب التحركات العسكرية، فهذا ظاهر المشهد، لكن ما تحت السطح ربما يكون سياسياً بالكامل، وهو الأخطر، وهو ما دفع صمود وقياداته لرفع الصوت بهذه الحدة. فالتحالف ربما رأى أن هناك تحولات سياسية إقليمية ودولية بدأت تتعامل مع السودان كمناطق نفوذ وليس كدولة واحدة، وهذا أخطر من أي معركة على الأرض. حتى الخطاب الإقليمي والدولي طرأت عليه بعض التغيرات، فبدأت أطراف خارجية تتحدث عن إدارات محلية وترتيبات أمنية مناطقية وحكم ذاتي مؤقت، وهذه المصطلحات إذا أدخلناها في القاموس السياسي فهي تعني تهيئة الأرضية لتقسيم ناعم.
كما أن توسع سيطرة الدعم السريع في غرب البلاد والجيش في الشرق والشمال، بدأت تظهر معه قرارات سلطات محلية، وجبايات، وإدارات موازية، وخطاب مناطقي، وأن المجتمع الدولي بدأ يتعامل مع “أمراء الحرب” كأمر واقع. وهذا يعني أن الفراغ السياسي أصبح يملؤه السلاح، لذلك لابد أن تتخوف صمود من ذلك وتحذر من أن تكون نتائجه تقسيم.
وحكومتا الحرب تستفيدان من التقسيم لأنه يمنحهما سلطة ويضمن لهما مزيداً من النفوذ، ويخلق لهما “دولة صغيرة” يسهل التحكم فيها. وصمود يعرف هذا جيداً، ولذلك جاء التحذير بصيغة “مخططات”.
ومع هذه المؤشرات الداخلية، هل قرأت صمود هذا الفشل بإشارات خارجية إلى أن المجتمع الدولي مثلاً لم يعد يراهن على وحدة السودان، ويعمل على “إدارة الأزمة” وليس حلها؟
فإن وصلت صمود لهذه القناعة فهذا أخطر ما يمكن أن يحدث لدولة في حرب، سيما إن أصابها القلق من أن هناك تحولاً في طريقة تفكير الفاعلين السياسيين داخلياً وخارجياً، أي أنهم ما عادوا يتحدثون عن حل شامل بل عن ترتيبات مناطقية، وإدارات محلية، وأمن إقليمي.
إذن كيف يتلافى تحالف صمود وكل القوى المدنية الرافضة للحرب سيناريو التقسيم وتتجاوزه؟
فالتحالف مثلا يمكن أن يقوم بتحركات سياسية منظمة إقليمياً ودولياً تُعيد تعريف مركز القوة المدني في السودان. فأكبر خطر على السودان اليوم هو غياب مركز سياسي مدني واحد، لذلك يمكن لصمود أن يلعب دوراً أكبر بتهيئة أكبر منصة سياسية وبرنامج وطني يحمل خطاباً موحداً ويقدم مشروع دولة يوضح شكل الحكم وتوزيع السلطات ومستقبل الجيش والعدالة الانتقالية، وعلاقة المركز بالأقاليم.
وهذا يتم بعملية توسيع التحالف بضم كيانات مدنية، ولجان مقاومة، وقوى مهنية، وشخصيات وطنية. فكلما اتسعت مظلة القوى المدنية، تراجع وزن مشاريع التقسيم، مع العمل على إعادة الخطاب للمجتمع الدولي بلغة جديدة، لأن التقسيم يُدار في الخارج بقدر ما يُدار في الداخل. بالإضافة إلى تقديم رؤية واضحة لتوحيد الجيوش، لأن أخطر العوامل التي تساعد على التقسيم هي تعدد الجيوش،
كما يجب أن يقدم التحالف رؤية بديل سياسي جاهز لمرحلة ما بعد الحرب.
فالمجتمع الدولي يسأل: من سيحكم السودان إذا توقفت الحرب؟ وإذا لم يكن هناك بديل مدني جاهز، سيُفرض التقسيم كحل عملي.
لذلك يمكن لصمود أن يطرح مبادرة أو لقاء جامع للقوى المدنية، حتى لغير المنضوين تحت مظلته، يجمعها حول ميثاق واحد يسمو فوق التحالفات، يكون مفتوحاً وليس موجهاً، ومبنياً على الحد الأدنى الوطني وليس على برنامج صمود.
هذا النوع من المبادرات هو ما يمنع التقسيم، سيما أن صمود يمتلك القدرة على طرح هذه المبادرات بصفته التحالف الذي تبنى رؤية السلام وحظي بقبول دولي متزايد، ويُنظر إليه كصوت يمثل قاعدة ثورية عريضة. فهذا ما يؤهله لقيادة مبادرة وطنية دون أن يُتهم بالهيمنة، تنادي المبادرة بوحدة السودان ووقف الحرب وبناء الدولة وجيش قومي واحد.
طيف أخير:
لا_للحرب
ظهور رئيس مجلس الوزراء ووزير إعلامه وحملهم على الأعناق يكشف المسافة التي تفصل بين المسؤول والمواطن، وبين مسئولياته والقضية، ويؤكد أن مأساة الشعب ومعاناته ليست في الحرب، بل في ما أنتجته من مسخ مشوّه لشخصية الحاكم السوداني .
