بقلم: زهير عثمان حمد
لم يعد السؤال المتعلق بمستقبل الحركة الإسلامية في السودان محصوراً في قدرتها على العودة إلى السلطة أو الاحتفاظ بنفوذها داخل مؤسسات الدولة، وإنما أصبح يتصل بطبيعة المشروع السياسي الذي تحمله، ومدى قدرته على الاستمرار في ظل التحولات العميقة التي أحدثتها الحرب في المجتمع والدولة والعلاقات بين مراكز القوة , فالاجتماع الطارئ الذي تحدثت عنه صحيفة «الراكوبة»، نقلاً عن مصادر لم تسمّها، وما أشار إليه من خلافات داخل الحركة الإسلامية حول التعامل مع الحركات المسلحة المتحالفة مع البرهان، وتوزيع المناصب الحكومية، والتوجهات الخارجية، يطرح أسئلة تتجاوز حدود الخلافات التنظيمية المعتادة.
وإذا صحت هذه المعلومات، فإننا أمام مؤشرات على تعقيدات العلاقة بين مكونات التحالف الحاكم، وعلى التباين في حسابات أطرافه بشأن مستقبل السلطة والحرب
من العودة إلى النفوذ إلى معضلة إدارة السلطة
من المهم التمييز بين ثلاثة مستويات كثيراً ما يجري التعامل معها باعتبارها كياناً واحداً- الحركة الإسلامية بوصفها تنظيماً سياسياً وفكرياً، والمؤتمر الوطني باعتباره حزب النظام السابق، والشبكات العسكرية والأمنية والتنظيمية التي تشكلت خلال ثلاثة عقود من حكم الإنقاذ
هذا التمييز ضروري لفهم طبيعة الحضور الإسلامي الراهن. فإزاحة النظام في أبريل 2019 لم تعنِ بالضرورة تفكيك جميع شبكاته أو إنهاء نفوذه داخل مؤسسات الدولة، كما أن استمرار بعض هذه الشبكات لا يعني بالضرورة امتلاكها القدرة نفسها على إعادة إنتاج نظام 1989
لقد أظهرت الحرب أن النفوذ السياسي لا يُقاس فقط بالمواقع الرسمية، وإنما أيضاً بالقدرة على التأثير في القرار العسكري، وتشكيل الخطاب العام، والتأثير في المؤسسات الاقتصادية والإدارية والأمنية
لكن هذه المعادلة تحمل تناقضاً واضحاً؛ فكلما اتسع نفوذ القوى المرتبطة بالحركة الإسلامية داخل معسكر الحرب، أصبحت أكثر ارتباطاً بالنتائج السياسية والاقتصادية والاجتماعية للحرب نفسها
وهنا تظهر معضلة المسؤولية: كيف يمكن لقوة سياسية أن تطالب بالاحتفاظ بنفوذها في إدارة الدولة، بينما تواجه البلاد انهياراً اقتصادياً واجتماعياً، وتتزايد المطالب بوقف الحرب واستعادة الحكم المدني؟
تحالف الضرورة.. تصدّع في تركيبته لا مجرد خلاف تكتيكي
ربما تكون العلاقة بين الإسلاميين والمؤسسة العسكرية هي القضية الأكثر أهمية في تحديد مسارات الحركة الإسلامية خلال المرحلة المقبلة
فالعلاقة بين الطرفين ليست علاقة تطابق كامل في المصالح أو الأهداف. المؤسسة العسكرية لها حساباتها المتعلقة ببقاء الدولة والقيادة العسكرية ومراكز النفوذ، بينما تمتلك الحركة الإسلامية حساباتها المرتبطة باستعادة حضورها السياسي والتنظيمي وحماية ما تبقى من شبكات نفوذها, وقد يلتقي الطرفان في مواجهة خصوم مشتركين، لكن هذا الالتقاء لا يلغي احتمال اختلافهما حول شكل السلطة بعد الحرب، وطبيعة الحكومة، ومستقبل الحركات المسلحة، وحدود استقلال القرار العسكري , وهنا تبرز أهمية الخلافات التي تحدث عنها تقرير «الراكوبة» بشأن المناصب الوزارية ومواقع الحركات المسلحة. فالمسألة قد تتجاوز التنافس على الحصص إلى اختلافات حول طبيعة التحالف نفسه، ومن يملك حق تحديد أولوياته وقراراته
ولا يمكن استبعاد أن يؤدي اتساع نفوذ الفصائل المسلحة ذات الصلات الإسلامية إلى خلق معادلة أكثر تعقيداً داخل معسكر الجيش؛ فهذه الفصائل لا تكتفي بالوجود الميداني، بل يمكن أن تصبح طرفاً مؤثراً في حسابات أي تسوية سياسية أو عسكرية مقبلة
الفصائل المسلحة.. ورقة ضغط ومصدر تعقيد
لا يمكن فهم مستقبل الإسلاميين دون النظر إلى التشكيلات المسلحة التي تقاتل إلى جانب الجيش، وفي مقدمتها كتيبة البراء بن مالك، إلى جانب تشكيلات أخرى مثل البنيان المرصوص والفرقان، فضلاً عن مجموعات التعبئة والاستنفار والعمل الخاص
لكن من الضروري عدم التعامل مع هذه التشكيلات باعتبارها تنظيماً واحداً أو افتراض تطابق ارتباطاتها التنظيمية وقياداتها ودرجة خضوعها للقيادة العسكرية
وتشير تقارير بحثية وصحفية إلى اتساع مشاركة التشكيلات ذات الصلات الإسلامية في الحرب، وإلى صعوبات دمج بعضها بصورة كاملة في هياكل القيادة والسيطرة التابعة للقوات المسلحة. كما تتفاوت تقديرات أعداد مقاتلي هذه التشكيلات بصورة كبيرة، ما يجعل الأرقام المتداولة بحاجة إلى التعامل معها بحذر
هذه الفصائل تمثل، بدرجات متفاوتة، امتداداً لشبكات التعبئة الإسلامية وحلفائها، لكنها في الوقت نفسه تمتلك مصالح ميدانية ومراكز قوة قد لا تتطابق دائماً مع حسابات القيادة العسكرية أو القيادات السياسية للحركة
وهنا تكمن المفارقة– فالتشكيلات التي يمكن أن توفر للحركة الإسلامية نفوذاً إضافياً في معادلة الحرب، قد تتحول إلى مصدر ضغط على حلفائها، خصوصاً إذا اتجهت القيادة العسكرية نحو تسوية سياسية تتطلب إعادة هيكلة القوات المسلحة ونزع سلاح التشكيلات غير النظامية
وبالتالي، فإن أي اتفاق سياسي يتجاهل ملف هذه التشكيلات أو يؤجل معالجته قد يترك مصادر جديدة لعدم الاستقرار حتى بعد توقف العمليات العسكرية
الحصار الخارجي.. التصنيف الأمريكي وحدود المناورة الدولية
التوجه نحو موسكو وبكين، وفق ما أورده تقرير «الراكوبة»، يمكن قراءته في سياق سعي السلطة في بورتسودان إلى توسيع خياراتها الدبلوماسية وتقليل الضغوط الخارجية
لكن العلاقات الدولية لا تقوم على الاعتبارات الأيديولوجية وحدها؛ فروسيا والصين تتحركان وفق مصالحهما الاستراتيجية والاقتصادية، ولا يعني التقارب معهما بالضرورة توفير غطاء سياسي غير مشروط للسلطة السودانية أو لمكونات تحالفها
والتطور الأبرز في هذا السياق هو القرار الأمريكي الصادر في مارس 2026، الذي صنّف جماعة الإخوان المسلمين السودانية، التي أدرج القرار الحركة الإسلامية السودانية ضمن أسمائها، منظمة إرهابية أجنبية، كما شمل التصنيف كتيبة البراء بن مالك
ويمثل هذا القرار تحولاً مهماً في البيئة الدولية المحيطة بالحركة، ويضيف قيوداً قانونية ومالية ودبلوماسية إلى حساباتها الخارجية، وإن كان لا يعني تلقائياً أن جميع الأفراد أو التيارات الإسلامية في السودان مشمولون بالتصنيف نفسه
أما المواقف الدولية من مشاركة الإسلاميين في أي تسوية سياسية، فينبغي التمييز فيها بين التصنيف الأمريكي، ومواقف القوى المدنية السودانية، ومواقف الأطراف الدولية والإقليمية المعنية بالوساطة
فهذه المواقف ليست بالضرورة متطابقة، ولا يصح اعتبارها قراراً دولياً موحداً باستبعاد كل من يحمل مرجعية إسلامية
وبهذا المعنى، فإن المظلة الخارجية التي تبحث عنها السلطة في موسكو وبكين لا تستطيع وحدها معالجة أزمة الشرعية الداخلية أو تجاوز ملف العقوبات والتصنيفات أو ضمان مشاركة حلفائها في أي تسوية مستقبلية
اقتصاد الحرب.. وقود الاستمرار وعقبة السلام
لم يعد الاقتصاد مجرد خلفية للأزمة السودانية، بل أصبح جزءاً من آليات استمرار الحرب وإعادة تشكيل النفوذ السياسي , وإن مسألة الأموال والأصول التي كانت مرتبطة بشبكات النظام السابق، وما طرأ على قرارات لجنة إزالة التمكين من تعطيل أو إلغاء أو مراجعة، تفتح ملفاً بالغ الأهمية يتعلق بمصير الموارد الاقتصادية التي كانت خاضعة لعمليات الاسترداد والمصادرة.
لكن العلاقة بين استعادة هذه الشبكات لمواردها المالية وتمويل الحرب تحتاج إلى أدلة محددة، ولا ينبغي اختزالها في افتراض واحد يشمل جميع الفاعلين
المؤكد أن استمرار اقتصاد الحرب، وتعدد مراكز التمويل والتجارة المرتبطة بالنزاع، وغياب الرقابة المؤسسية، يخلق مصالح مادية يمكن أن تتعارض مع الوصول إلى سلام مستدام
ومن هنا تبرز أهمية تفكيك شبكات المصالح المرتبطة بالحرب، واستعادة الأصول العامة وفق القانون، وإخضاع مصادر التمويل والإنفاق للمراجعة والمحاسبة , فالسلام لا يهدد فقط مواقع النفوذ السياسي، بل يمكن أن يفتح أيضاً ملفات اقتصادية ظلت بعيدة عن الرقابة والمساءلة طوال سنوات الصراع
المراجعات الفكرية.. خطاب مزدوج أم تحول حقيقي؟
يبدو الحديث عن إعادة تشكيل الحركة الإسلامية عبر مراجعة فكرية وسياسية من أكثر الملفات تعقيداً , فالمراجعة الحقيقية لا يمكن أن تقتصر على الاعتراف بالأخطاء أو تغيير القيادات والواجهات، وإنما تتطلب مراجعة العلاقة بين التنظيم والدولة، وبين العمل السياسي واستخدام القوة، وبين المرجعية الفكرية وحقوق المواطنين المختلفين معها
كما أن الحديث عن المصالحة الوطنية لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتجاوز المسؤولية عن الانتهاكات أو إغلاق ملفات الفساد والجرائم السابقة
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل تستطيع الحركة الإسلامية الانتقال من تنظيم ارتبط لثلاثة عقود بإدارة الدولة واحتكار مؤسساتها إلى قوة سياسية تقبل بالتعددية والتداول السلمي للسلطة، وتخضع للمحاسبة مثل بقية القوى؟
إن أي مراجعة لا تفضي إلى تفكيك التداخل بين التنظيم والدولة والجيش والاقتصاد ستظل أقرب إلى إعادة ترتيب للواجهات منها إلى تحول سياسي وفكري حقيقي
التعبئة والحرب.. حدود القوة الأيديولوجية
كشفت الحرب عن قدرة التيارات الإسلامية المرتبطة بالسلطة على استخدام التعبئة الدينية والسياسية والاجتماعية لحشد المقاتلين وتوسيع المشاركة في العمليات العسكرية , ولكن التعبئة، مهما اتسعت، لا تعني بالضرورة امتلاك قاعدة اجتماعية مستقرة أو مشروع سياسي يحظى بقبول عام , فالتراجع أو التقدم العسكري لا يمكن قياسه فقط بأعداد المقاتلين أو حجم الخطاب التعبوي، وإنما بقدرة أي قوة على تحويل حضورها الميداني إلى شرعية سياسية ومشروع وطني قابل للحياة , كما أن توظيف المنابر الدينية في الصراع السياسي والعسكري يثير أسئلة حول حدود العلاقة بين الدين والدولة، وحول حق المجتمع في حماية المؤسسات الدينية من الاستقطاب والتوظيف الحزبي
وبالتالي، فإن استمرار التعبئة دون أفق سياسي واضح قد يزيد من عسكرة المجتمع، ويعمق الانقسام، ويجعل الانتقال إلى مرحلة ما بعد الحرب أكثر صعوبة –ثلاثة مسارات محتملة لمستقبل الإسلاميين
يمكن قراءة المستقبل من خلال ثلاثة مسارات، لا باعتبارها تنبؤات محسومة، وإنما احتمالات تتوقف على تطورات الحرب وموازين القوى وشكل التسوية السياسية.
المسار الأول- استمرار النفوذ غير المباشر
قد يستمر حضور الشبكات المرتبطة بالحركة الإسلامية داخل مؤسسات السلطة والتحالف العسكري، مع إعادة ترتيب الواجهات السياسية والتنظيمية وتقليل الظهور العلني لبعض القيادات. لكن هذا النفوذ سيظل مرتبطاً بتوازنات معقدة بين القيادة العسكرية والفصائل المسلحة والضغوط الدولية، ولن يعني بالضرورة استعادة تجربة الإنقاذ بصورتها السابقة.
المسار الثاني– إعادة تشكيل الحركة الإسلامية
يتطلب هذا المسار مراجعة حقيقية للتجربة السياسية والتنظيمية، والاعتراف بالتعددية والتداول السلمي للسلطة والمحاسبة، وإنهاء التداخل بين التنظيم ومؤسسات الدولة والجيش والاقتصاد. لكنه يواجه تحدياً أساسياً يتمثل في غياب ما يكفي من الأدلة على تحول مؤسسي من هذا النوع حتى الآن
المسار الثالث– تسوية سياسية مدنية تعيد بناء الدولة , ويمثل هذا المسار اختباراً لجميع القوى السودانية، وليس للإسلاميين وحدهم. فالتسوية التي تنهي الحرب وتعيد بناء المؤسسات المدنية والعسكرية ستضطر إلى معالجة مسألة المشاركة السياسية، ومستقبل التشكيلات المسلحة، والعدالة الانتقالية، والمحاسبة
وهنا يجب التمييز بين استبعاد تنظيم من تقاسم السلطة، وحرمان الأفراد من حقوقهم السياسية، وبين نزع سلاح التشكيلات المسلحة. فهذه ملفات مختلفة، ولا يمكن معالجة أحدها بديلاً عن الآخر ,
إن استبعاد أي تشكيل مسلح من اتفاق سياسي دون معالجة وضعه العسكري قد يترك مصدراً جديداً للعنف، بينما تحويل التسوية إلى تقاسم للسلطة بين حملة السلاح سيعيد إنتاج الأزمة بأشكال أخرى
هل يمكن بناء دولة لا تقوم على إقصاء الإسلاميين ولا على إعادة تمكينهم؟
إن الأزمة الحقيقية التي تواجه الحركة الإسلامية ليست مجرد خلاف حول المناصب أو العلاقة بالبرهان أو الحركات المسلحة، وإنما تتعلق بإمكانية استمرار نموذج سياسي يقوم على تداخل التنظيم الحزبي مع مؤسسات الدولة والجيش والأجهزة الأمنية والاقتصاد.
لقد تغير السودان بصورة عميقة، وتغير المجتمع الذي عرف تجربة الإنقاذ، كما تغيرت طبيعة القوى السياسية والاجتماعية التي شاركت في ثورة ديسمبر أو تأثرت بالحرب
ولذلك فإن مستقبل الإسلاميين لا يمكن فصله عن مستقبل الدولة السودانية نفسها بأي حال , فإما أن يتجه السودان نحو دولة المواطنة والمؤسسات والتعددية، حيث تخضع جميع القوى السياسية للقانون والمحاسبة، أو تستمر إعادة تدوير التحالفات القديمة والجديدة تحت عناوين مختلفة، بما يبقي أسباب الأزمة قائمة
إن الحركة الإسلامية ليست خارج التاريخ السوداني، كما أن وجودها الاجتماعي والفكري لا يمكن إلغاؤه بقرار سياسي. لكن وجود أي تيار في المجتمع لا يمنحه حق احتكار الدولة أو توظيف مؤسساتها لمصلحة تنظيمه , فالمعركة الحقيقية في السودان ليست بين الإسلاميين وغير الإسلاميين، وإنما حول طبيعة الدولة التي يريد السودانيون العيش فيها، ومن يملك حق حكمها، وبأي تفويض، وتحت أي مساءلة
إن المطلوب ليس تصفية الإسلاميين سياسياً، ولا إعادة تمكينهم، ولا استبدال احتكار بآخر، وإنما بناء دولة لا يكون فيها أي تنظيم أكبر من مؤسساتها، ولا يكون فيها السلاح طريقاً إلى السلطة أو وسيلة لفرض الشروط السياسية , فالدولة التي يحتاج إليها السودانيون بعد الحرب ليست دولة ضد الإسلاميين أو معهم، وإنما دولة لا يكون الإسلاميون ولا غيرهم أكبر منها.
