مصالحة الظل وكتابة قصة السودان: من فخ الرصاص إلى المعنى

د. صلاح أحمد الحبو

في الحروب الكبرى، لا تكون الطلقة الأولى هي البداية الحقيقية، بل غالبًا ما تكون الإعلان المتأخر عن شيءٍ كان يتشكل بصمت. هكذا يمكن قراءة ما جرى في السودان في أبريل 2023: ليس كحدث مفاجئ، بل كلحظة انكشاف كثيف لمسار طويل من التراكمات غير المرئية.

لم تبدأ حرب أبريل 2023 في السودان يوم سُمعت الطلقة الأولى في الخرطوم؛ لقد بدأت قبل ذلك بسنوات، حين تراكمت “معانٍ مُقصاة” داخل الوعي الجمعي، وحين ضاقت السردية الوطنية عن استيعاب تعدد البلاد، وحين تحوّل الاختلاف من موردٍ قابل للإدارة إلى تهديدٍ وجودي. ما حدث في 15 أبريل لم يكن انفجارًا مفاجئًا، بل لحظة انكشاف كثيف لطبقات عميقة من الصراع الكامن—صراع لم يُدر، بل أُجِّل، حتى انزلق إلى ما يمكن تسميته بـ “فخّ الرصاص”: تلك اللحظة الحرجة التي يتحول فيها العنف المسلح من وسيلة إلى نظام تفسير شامل، تُغلق داخله كل المسارات الأخرى، ويُعاد تعريف الواقع بلغة السلاح وحده.

بهذا المعنى، لم تدخل الحرب السودان من بوابة الميدان فقط، بل من بوابة المعنى—وهي البوابة التي غالبًا ما تُهمل في التحليل السياسي التقليدي، رغم كونها الأكثر حسمًا في تفسير استدامة النزاعات.

يقترح هذا المقال قراءة مختلفة للحرب الراهنة عبر مفهوم “مصالحة الظل”—مقاربة تنقل مركز التحليل من إدارة الوقائع العسكرية إلى تفكيك البنية الدلالية التي سبقتها. فالسودان، مثل كثير من الدول الخارجة من تحولات سياسية غير مكتملة في العالم، لم يفشل فقط في تقاسم السلطة، بل فشل—وهذا هو الأعمق—في تقاسم المعنى: من نحن؟ كيف نروي تاريخنا؟ ومن يملك حق تفسيره؟ وهي أسئلة ليست سودانية خالصة، بل تتكرر في تجارب دولية عديدة، من البلقان إلى إفريقيا جنوب الصحراء، حيث يتقدّم سؤال الهوية على سؤال الدولة.

في هذا السياق، لا يكون “الظل” غيابًا للحقيقة، بل فائضًا منها—معنىً زائدًا لم يجد طريقه إلى الاعتراف. هويات لم تُعترف، روايات لم تُسمع، وتأويلات أُقصيت من المجال العام دون أن تختفي. هذا الفائض لا يتبخر، بل يتراكم بوصفه ما يمكن تسميته بـ “الكمون الصراعي”: حالة استقرار ظاهري تُخفي بنية توتر عميقة، قابلة للانفجار عند أول صدمة سياسية أو أمنية (1). وهذه الفكرة تفسر لماذا تبدو بعض المجتمعات “هادئة” حتى لحظة الانهيار—لأن الهدوء لم يكن إلا سطحًا يخفي ضغطًا داخليًا متصاعدًا.

وما إن تتفكك الضوابط المؤسسية—كما حدث مع تعثر الانتقال وتآكل الثقة بين الفاعلين—حتى يجد هذا الكمون طريقه إلى السطح، لا كحوار، بل كمواجهة. وهنا يتكرر نمط عالمي معروف: حين تفشل السياسة، يتقدم العنف بوصفه “لغة بديلة”.

الخصوصية السودانية هنا لا تكمن في وجود التعدد، بل في غياب الإطار الذي ينظّمه. تاريخ طويل من الإقصاء الرمزي—أي استبعاد بعض المعاني والهويات من السردية الرسمية—أنتج فجوة متنامية بين “الدولة كما تُعرِّف نفسها” و“المجتمع كما يعيش نفسه”. هذه الفجوة لم تكن ساكنة، بل كانت مولِّدة لروايات متوازية: مركز/هامش، عسكري/مدني، قبلي/وطني—كل منها بنى منطقه الخاص، وشرعيته الخاصة، وغالبًا على حساب الآخر. وحين تتجاور هذه الروايات دون إطار ينظّم تعددها، يتحول الاختلاف إلى صراع على حقّ التأويل، لا مجرد اختلاف في المصالح (2).

من هنا يتقدم مفهوم مركزي في هذه المقاربة: “حوكمة المعنى”. وهو ليس مفهومًا ثقافيًا فحسب، بل إطار تحليلي-عملي لإدارة النزاعات غير المرئية. فكما تُدار الموارد والسلطات، ينبغي أن تُدار أيضًا المعاني: كيف تُنتج، كيف تُتداول، ومن يملك شرعية تعريفها. فالكثير من نزاعات السودان المعاصرة ليست نزاعات “وقائع” بقدر ما هي نزاعات “تفسير”: أي سردية تُعتمد؟ أي ذاكرة تُستدعى؟ ومن يحدد معنى “الوطنية” و“العدالة”؟ حين يُحتكر هذا الحق أو يُقصى منه آخرون، يتحول الخلاف إلى تهديد وجودي يعجز النظام السياسي عن احتوائه (3). وهذه الفكرة تكتسب أهمية خاصة في عالم اليوم، حيث لم تعد الصراعات تُدار فقط على الأرض، بل أيضًا داخل الفضاء الرمزي والإعلامي.

غير أن حوكمة المعنى، لكي لا تبقى مجرد مفهوم نظري، تحتاج إلى أدوات. وهنا تبرز فكرة “مختبرات المعنى” بوصفها آلية تطبيقية لمصالحة الظل. هذه المختبرات ليست منصات حوار تقليدية، بل بنى اجتماعية لتحرير المعنى من احتجازه. تعمل عبر ثلاث عمليات متكاملة:

أولًا، التفريغ السردي: نقل “القصص غير المروية” من حالة الكبت إلى فضاء التعبير. في السودان، يعني ذلك فتح المجال لتجارب النزوح، والانتهاكات، والإقصاء، ليس لإثبات رواية على حساب أخرى، بل لكسر احتكار الصمت—وهو الشرط الأول لأي مصالحة حقيقية.

ثانيًا، التحليل الدلالي الطبقي: تفكيك الخطاب إلى طبقاته العميقة—ما يُقال، وما يُقصد، وما يُخفى. هنا تتكشف أنماط متكررة: خوف من التهميش، قلق من الذوبان، وإحساس مزمن بانعدام الاعتراف. هذه الطبقات، حين تُفهم، تفقد جزءًا كبيرًا من قدرتها على التفجير (4).

ثالثًا، إعادة الترميز: حيث يُعاد إنتاج المفاهيم الثقيلة بالصراع—كالهوية والانتماء والعدالة—بصيغ أكثر انفتاحًا. في الحالة السودانية، يعني ذلك تجاوز الثنائيات القاتلة نحو مفاهيم مركّبة تسمح بالاشتراك دون إلغاء—وهو تحول ليس سهلاً، لكنه ضروري.

هذا المسار يقود إلى تحول أعمق: من “سياسة الاعتراف” إلى “الإدماج المعنوي”. فالاعتراف، رغم أهميته، قد يظل شكليًا إذا لم يتحول إلى إدماج فعلي للمعاني المُقصاة داخل السردية الوطنية. أما الإدماج المعنوي فيعني إعادة كتابة “قصة السودان” بحيث يصبح التعدد فيها أصلًا لا استثناءً، ومصدر قوة لا سببًا للصراع (5).

في هذا الإطار، يمكن فهم كيف دخلت الحرب “فخ الرصاص”. الفخ هنا ليس مجرد انسداد عسكري، بل انغلاق دلالي شامل: حين تُختزل الخيارات في ثنائية صفرية، وتُغلق قنوات الفهم، ويصبح كل تنازل تهديدًا للوجود. عندها، لا يعود السلاح وسيلة، بل يتحول إلى بنية حاكمة للواقع—يُعيد تشكيل السياسة، ويعيد تعريف المجتمع، ويمنع الخروج من الصراع لأن أدوات الخروج نفسها تكون قد انهارت. هذه هي لحظة فخ الرصاص: حين لا يقاتل الأطراف فقط، بل يُعاد تشكيلهم داخل القتال نفسه (6). وهي لحظة شهدتها تجارب دولية أخرى، حيث يصبح السلام لاحقًا أكثر تعقيدًا من الحرب نفسها.

المقاربة المقترحة لا تنفي العوامل السياسية أو الاقتصادية أو العسكرية، لكنها تعيد ترتيبها داخل إطار أعمق: إطار المعنى. لذلك، فإن أي مسار لوقف الحرب دون معالجة هذا الإطار سيظل هشًا وقابلًا للانهيار. المطلوب ليس فقط وقف إطلاق النار، بل إطلاق المعنى من أسره—إعادة فتح الفضاء الذي تُنتج فيه الروايات وتُتداول.

عمليًا، يمكن أن تتكامل جهود وقف الحرب مع مسارات موازية تشمل: إنشاء مختبرات معنى محلية بإشراف وطني مستقل؛ تطوير بروتوكولات فهم تُدمج في الإعلام والتعليم؛ وإدخال مخرجات هذه العمليات في العدالة الانتقالية وصياغة الدستور. الهدف ليس فرض اتفاق، بل بناء حصانة دلالية تقلل من احتمالات الانفجار المستقبلي—وهو ما يحتاجه السودان اليوم أكثر من أي وقت مضى.

في النهاية، تعيد هذه القراءة تعريف السلام في السودان: ليس كغياب للقتال، بل كقدرة مستمرة على إدارة التعدد دون انفجار. وتعيد تعريف الشجاعة: ليست فقط في مواجهة الخصم، بل في مواجهة ما لم نقله عن أنفسنا بعد.

السؤال لم يعد: كيف نُنهي حرب أبريل؟

بل: كيف نكسر فخ الرصاص قبل أن يصبح هو القاعدة… لا الاستثناء؟

الهوامش والمراجع

ليدراك، جون بول. بناء السلام: المصالحة المستدامة في المجتمعات المنقسمة.

بار-طال، دانييل. النزاعات المستعصية: الأسس النفسية والاجتماعية.

جالتونغ، يوهان. السلام بوسائل سلمية.

ليدراك، جون بول. الخيال الأخلاقي.

ماك جينتي، روجر. السلام اليومي.

هالبواكس، موريس. الذاكرة الجماعية.

كولير، بول. المليار الأفقر

habobsalah@gmail.com

عن صلاح الحبو

صلاح الحبو

شاهد أيضاً

من هم فاعلو السودان اليوم؟ وكيف نعيد تعريف أدوارهم لصناعة “سلام من قريب” مستدام

بقلم: د. صلاح احمد الحبو ليس في السودان اليوم ما يُشبه الحروب الكلاسيكية التي تُحسم …