معاوية جمال الدين الذي فقدنا .. بقلم: مقدم شرطه م محمد عبد الله الصايغ


إلى معاويه جمال الدين في برزخِ الروحِ المُعَنَى
الى روحَهُ القلقه التي ما استكانت إلّا لعليائها
يا شاطئ المرجان
حوّمَ الطيرُ المكبّلُ في تعاستهِ
كيما يزُفّ إليكَ قُبلتهُ الأخيره
للَيل أغنيةٌ
للبحر للافلاك
لسمائكَ الزرقاء تذرفُ دمعها للكل
تهيئ مرقدًا للكل
تمسح عن عيونك ما تراكم من ضباب
تضمّ لنَهدِها خِرَقٌاً ممزقةٌ
هي ما تبقّى من ثياب
ما الذي أقسى من الموت يا صديقي ؟ ما الذي أقسى يا بنَ أُمّ وقد كنتَ وحدكَ .. نسيجَ وحدك ورحلَتَ وحدك فما اقسى الحياه وما اسهل الرحيل وما اقساهُما معاً.
على صفحتك في الفيس بوك أتت اخرُ كلماتك وانت تنعي الفنان نهرو عثمان بشِعرٍ من دوحةِ محمود درويش. أما عنّي فأنا ، كما تعلم ، ما زلتُ مأخوذٌ ومتنازَعٌ بين الإثنين محمود وصلاح احمد ابراهيم واذكر ليلة جلسنا اليه في العباسيه أنت وأنا وظللنا نستمع ثم نستمع ثم نستمع في حضرةِ تلك القداسةِ المُنثالةُ كأنّما من خطوط الأفُقِ المعجونةُ بشيئٍ من عبقِ مرَوي ونبته و صدى نداءاتِ المآذن على صفحةِ النيلِ الأزرق في السلطنه الزرقاء وكُثبان مليط العُفر. ما كنتُ أحسَبُ أنني سأقتبسُ تلكم الفخامه تقدِمةً لبكائيةٍ جَرّفَت المساحاتَ المضيئةَ في دواخلي تلك المساحات التي ما فتئَت تُنيرُها بشموع صداقتك التي تتكئ على المعرفه التي سرنا معاً في دروبها لواحدٍ وخمسين عاما. لم ننكسر كلانا حين وطئت اقدام عسكر مايو صفحة الارض التي عشقناها معاً. ولم ننكسر كلانا عندما قذفت بنا الإنقاذ الى عصور ما وراء التاريخ وبقينا نستمد الأمل من بقايا الذكرى المدفونةُ في خبايا زُقاقات بانت والعباسيه ومسلَة شارع العرضه وبت مسيمس شارع الاربعين وضفاف خور ابو عنجه والهاشماب وحدائق النيلين والجندول والريفيرا و المورده. اتذكر كالأمس تململك على مقعدك ونحن نستمع حضوريا الى الفنان الخالد كمال شرحبيل عندما وصل ( أقيف ذليل قُبالو ) وتقولُ لي كم نحنُ نحترم المرأه ونتبتل في محرابها في ذلةٍ لها وحدَها وليست لها شأنٌ بمواطن الدواس. كنت لا ترضى الأخطاء في اللغةِ العربيه كتابةً وخَطابه خاصةً من المسؤولين والحُكام العرب والصحفيين ويستوقفُكَ الشعر الجميل الغيدُ الصرعى وإطراق الأباريق وغيابُ من يأتي بالصَبوح. أشهدُ أنَك لم تبيعَ قلمك في سوقِ نخاسة الإنقاذ واحتقرتَ كلِ مَن فَعلوا. أشهدُ أنَكَ عشتَ المسغبه وهاجرت وعشت المسغبه ثُمَ رحلت لبارئكَ فقيراً مُعدَماً إلَا من إيمانكَ بمبادئكَ ودرب الإستقامه الذي لم تُفرِط فيه يوماً. كم ادهشتني امانة الكلمه التي حملتها بحقِها فرغم صداقتنا الوَثيقه لم تكشف لي عن اي سرٍ يخص مهنتك كصحافيّ عَلَم فكان علمي من تحقيقاتك هو علم القارئ السوداني الذي مافتئ يحترمك. إحترمك من حاورتهم من ركائز الفكر ودهشوا لغزارة علمك واحاطتك التي لا حدود لها بكل مجالات المعرفه وحضورك المتميز الطاغي فغُصتَ لاعماق الاستاذ الطيب صالح والدكتور منصور خالد والاخرين وما خرجت الا بعيون الثقافة والفكر والمعرفه ودررهما .
إنّهُ الموت يا صديقي كم جزعتُ أنا يومها ولم اتبين أين أنا . . لطمتُ الخدود وشققت الجيوب وكم بكيتُك ثم تلفّعتُ ببقايا حُزني ثم ضللتُ الطريق إلى ذاتي إلى نفسي ثم انفضّ من حولي كلُ غرسي وانطفأتِ الثريات وغابت اقدام الحسان وهي تبتعدُ عن السَباته وصوت الموسيقى يخفت مبتعداً رويدا رويداً واذا الدنيا كما نعرفها واذا الاحباب كلٌ في طريق.
ما جزِعنا إن تشهاَنا ولم يرضَ الرحيل
فلهُ فينا اغتباقٌ واصطباح ٌ ومقيل
اخر العمرِ قصيراً أم طويل
كفنٌ من طرفِ السوقِ وشبرٌ في المقابر
ما علينا
إن يكن حزنٌ
فللحزنِ ذُبالاتٌ مضيئه
او يكن خيفةَ مجهولٍ
فللخوفِ وقاءً ودريئه
من يقينٍ ومشيئه
فهلُمِي يا منايانا جحافل
تجدينا لكِ اندادَ المحافل
يا صديقي.. لك المساءات الجميله ولك الاوتار والكلمات ولك هذا التراب الذي ما عشقت سواه ولك ام درمان التي عشقتها في عنفوانها وعنفوانك.. انا لله وانا اليه راجعون.

melsayigh@gmail.com
/////////////////////


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!