khalid Musa <kha_daf@yahoo.com
ينشط مركز الدراسات الإقليمية والدولية في الدوحة وهو الذراع البحثي لجامعة جورج تاون فرع قطر في انتاج بحوث ودراسات عن منطقة الخليج والشرق الأوسط تتميز بالجدة والعمق والجودة الأكاديمية المعروفة عن الجامعات والمؤسسات البحثية الامريكية. وجامعة جورج تاون بالدوحة هي احدي مشروعات مؤسسة قطر للتعليم والعلوم والتنمية المجتمعية لبناء اقتصاد متقدم يستند علي المعرفة بدلا عن الاعتماد الكامل علي مصادر الثروة الكاربونية الناضبة مثل الزيوت والنفط والغاز.
نشر المركز مؤخراً كتابا عن ( الدول الهشة في الشرق الأوسط) وهو كتاب يناقش معايير وأسباب الدول الضعيفة والفاشلة في الشرق الأوسط الكبير وأثرها علي استقرار المنطقة، وجاء الكتاب استجابة لدراسة الاضطرابات السياسية التي تعج بها المنطقة، ومعرفة وتحليل معايير الهشاشة والفشل في بعض الدول.
و رغم تعدد نظريات الدولة الفاشلة في الحقل الأكاديمي إلا أن التيار الغالب يجمع علي ان عاملي الشرعية السياسية و قدرة الدولة علي القيام بوظائفها الطبيعية خاصة تمكنها من صون الأمن الداخلي والحماية من تهديدات الخارج، هما أهم عاملين يخرجان الدولة من شبح الفشل.، ولم يعد ضعف الدولة معني فقط بالعوامل الاقتصادية مثل ضعف الموارد والنمو السالب ولكنه اصبح معنيا أيضا بضعف التماسك القومي، وعجز او شلل النظام السياسي عن القيام بواجباته او الوفاء بمسؤولياته تجاه الشعب، ولكن في ذات السياق يعلي تيار الدراسات الأمريكية الحديث من شان العوامل الأمنية خاصة الحروب الأهلية والاضطرابات الداخلية خوفا من تهديد الاستقرار الإقليمي بما في ذلك مصالح الولايات المتحدة وكذلك تحسبا من تحول الدولة الفاشلة إلى ملاذا أمنا للمجموعات الإرهابية، وهي ذات المعايير التي اعتمدت عليها مجلة ( السياسة الخارجية) التي صنفت السودان عام ٢٠١٣ بأنه دولة فاشلة.
يصنف الكتاب سبع دول في سياق الشرق الأوسط الكبير تعاني من أعراض الدولة الضعيفة أو الهشة وهي (السودان، اليمن، لبنان، ليبيا، العراق ، أفغانستان وباكستان) ورغم تجاهل الكتاب لتحليل عوامل الغزو الخارجي كأحد أسباب الفشل إلا انه سلط ميسم التحليل علي العراق وليبيا بالتركيز علي عوامل الاضطرابات الداخلية ، كما تناول حزب الله في لبنان علي اعتبار انه مؤشر علي عجز الدولة اللبنانية لأنه حزب يقوم بوظائف الدولة في المقاومة والدفاع عن الأمن القومي ضد إسرائيل وامتد دوره ليصبح له تأثير خارجي علي مجمل توازنات القوة في المنطقة، بل أصبح جزءا من مثلث التأثير والقوة السياسية الشيعية في المنطقة.
تناول السودان بالتحليل كل من الدكتور اليكس دي وال الخبير في الشأن السوداني المعروف والأستاذ بجامعة تفتز الأمريكية والدكتورة رقية ابو شرف أستاذة الأنثربولوجي بجامعة جورج تاون بقطر و الدكتورة دعاء عثمان التي تحدثت عن المرأة والعمل كأحد عوامل ضعف الدولة.
تحت عنوان ( المركز والهامش في تاريخانية ضعف الدولة) تناولت الدكتورة رقية ابوشرف الإسهام الفكري للأستاذ عبدالخالق محجوب في وثيقته ( إصلاح الخطأ) ، وقالت ابو شرف ان عبد الخالق في هذه القراءة وضع مبضعه علي جراحات المتاعب الوطنية محللا تحديات الدولة ما بعد الكولونيالية ، وأسباب ضعف الدولة التي يردها الي تحكم النخبة الطفيلية او البرجوازية الصغيرة علي مقاليد الثروة والسلطة والامتيازات التاريخية علي حساب الطبقات الفقيرة، هذا إضافة الي تدخل العسكر في السياسة. وأبرزه باعتباره ناطقا باسم الأغلبية الصامتة. رغم أهمية الوثيقة وقوة طرحها، الا ان الدكتورة رقية لم تمتلك الشجاعة الأكاديمية لتذكر ان ما أشارت اليه هو وثيقة تنظيمية للحزب الشيوعي في طريق مراجعات المسار نحو إنجاز الثورة الوطنية الديمقراطية وردت ضمن وثائق الموتمر الرابع للحزب ولم تصدر كمساهمة فكرية عامة من الأستاذ عبدالخالق محجوب للشعب السوداني. وسكتت عن ذكر ان الوثيقة اعتمدت النهج الماركسي في التحليل وكان يمكن ان تصدر مقاربتها بالإشارة الي انها وجهة نظر ماركسية.
في فصل اخر في الكتاب عاد الدكتور اليكس دي وال الي توسيع نظريته التاريخية عن تحليل واقع الأزمة السياسية في السودان باعتبارها تجليات ( لمضاربات سوق السياسة في السودان) مشيرا الي ان هذه المضاربات تحكمها قوانين السوق من عرض وطلب لشراء وتسويق المواقف والولاءات بأثمان يتم الاتفاق عليها في سوق المساومات السياسية والتاريخية ، والذي يتحكم في أسعار مضاربات هذا السوق هو ما يمنحه الحاكم من أموال لشراء المواقف وإجراء التسويات والترضيات والمحاصصات الوزارية علي السلطة. وينطلق دي وال من افتراض نظري أسماه ان الحكومات الوطنية المتعاقبة فشلت في انتاج سلع إستراتيجية تتمثل في بناء مؤسسات حقيقية مستقرة تحقق الأمن والسلام والنمو الاقتصادي.
في المقابل أنتج سوق السياسة ما اسماه نظام الرعاية التاريخي اذ اعتمدت الدولة علي القروض والهبات والعون الدولي وعوائد النفط، وذلك بدلا من تطوير موارد حقيقية، لذا يعتبر معظم السودانيين ان مشروعات الحداثة في السودان تعتبر ضربا من نوستالجيا الحنين الي الماضي، ورغم مظاهر الفشل في الدولة السودانية الا انها أنتجت ما اسماه ( ديناميكية ثنائية)، مشيرا ان نظام الإنقاذ اثبت قدرة فائقة في فن البقاء والتخلص من المخاطر المحدقة لبراعته في التكيف وفق المتغيرات والتحديات والمستجدات. وقال ان نظام الإنقاذ استطاع ان يطور نظام الرعاية التاريخي القديم الي مستوي متطور اسماه ( نظام الرعاية الجديد)، وهي ان ثقافة المؤسسة السياسية في حل النزاعات تقوم علي قاعدة الاتفاق علي تسويات مع الأفراد وليس اتفاقا وفق إجراءات وقواعد محددة. وقال اليكس دي وال ان فهم تعقيدات السياسة في السودان يتطلب تطبيق مقولة ( لينين) وهي ان المسالة السياسية يمكن ان تعود الي جذر السؤال التقليدي عن ( من ) فاعلا ومفعول به. وهو سوْال يتمحور حول ( من الشاري، ومن البايع وكم هو الثمن؟). وقال اليكس دي وال في إطار نظريته انه لا بد من توفير ما اسماه ( الميزانية السياسية) وهي تعني قدرة المؤسسة الحاكمة في شراء الولاءات والمواقف والتحكم في سوق السياسة. وقال ان الرأسمال السياسي في السودان لا يعني بالقيمة النقدية ولكنه يعني تكريس الشرعية السياسية من خلال التحكم في سوق الولاءات مقابل تسويات مادية ومحاصصات علي السلطة وكذلك تمثلات الشعور الوطني القومي العام. وقال ان كل هذه المسارات تنتهي فيما يعرف ( خطة الأعمال السياسية) وهي خليط من مصادر، المال والسياسة والشرعية، وهي العناصر التي تحدد صلاحية النظام السياسي وقيادته في البقاء والتحكم في سوق السياسة والولاءات.
بدا الدكتور دي وال الحديث عن نظريته في تحليل واقع السياسة السودانية عقب مشاركته في مفاوضات أبوجا مستشارا للاتحاد الأفريقي بين الحكومة والحركات المسلحة. وقد شهد في المفاوضات تبدل الولاءات خاصة وان المفاوضات كانت تتم في الغرف الجانبية وليس داخل قاعة المفاوضات، وقال في محاضرة امام جمعية الدراسات السودانية في الولايات المتحدة كنت ضمن حضورها ان المرحوم مجذوب الخليفة اضاع فرصة كسب توقيع عبدالواحد محمد نور فقط لمبلغ ثلاثة مليون دولار، لضمان مستقبله السياسي في إطار التعويضات. ولعل مصدر مخالفتي لنظرية اليكس دي وال رغم تماسكها العلمي هي ان سوق الولاءات في السياسة السودانية لا تحدده فقط أثمان الصفقات علي مستوي التعويضات المالية او محاصصات السلطة لانها متبدلة ولا تستقر طويلا، لكن ميسم التحليل الصحيح هو سوق التحالفات السياسية، لان الأموال لوحدها لا تضمن صكا مفتوحا للمستقبل السياسي ، ولكن كتلة التحالفات السياسية هي الأساس النظري لتبدلات سوق السياسة في السودان. والدارس لتطور الحركة السياسية في السودان يجد ان سوق الولاءات كان يقوم الأثمان والتحالفات، و لعل بعض ملاحظات دي وال صحيحة فقد كانت القيادات الدينية الطائفية في السابق تتحكم في سوق الولاءات بالعلقة والنطفة كما قال وزير الثقافة ولكن جددت الإنقاذ بالفعل من نمط دولة الرعاية القديمة بخلق تحالفات سياسية عريضة ليس من بينها عاملي العلقة والنطفة ولكنها تقوم علي قاعدة التحالفات العريضة علي السلطة وبعضها علي مطلوبات سوق السياسة في فن المساومة. لذا قال د. نافع من قبل ان فرص الاستوزار لمن أراد الانضمام للمؤتمر الوطني اكبر. ولكن تتبدي خطورة هذا النوع من التحالفات عندما يستند علي أساس قبلي من اجل الدفاع عن بيضة الدولة في الأصقاع والأرياف.
ظلت النخب المعارضة تحتفي كل عام بصدور تصنيف مراصد المؤسسات الدولية في الشفافية وحقوق الإنسان والفساد والدول الفاشلة، وتغمرها الفرحة لاحتلال السودان مواقعا متقدمة في صدر هذه القوائم خاصة الدول الفاشل لما فيها من إيحاءات السقوط و دنو الأجل. وهناك شبه اجماع من الأكاديميين ان هذا النوع من اصطناع المعايير لتحديد الدول الفاشلة ليس هي نتاج دراسات تحليلية أمبريقية ، ولكنها معايير مختلقة ومصممة بعناية لدوافع سياسية بحتة. ومنذ بروز معايير الدولة الفاشلة التي ظل السودان يتصدرها علي الدوام تهاوت عروش بعض الدول التي كانت في مأمن من مثل هذه التصنيفات و كان الجميع يتغني باستقرارها. ومنذ الزيارة الشهيرة للرئيسين السابقين معمر القذافي ومحمد حسني مبارك للخرطوم يطلبان من الريس البشير التنحي لذات المعايير مع توقع الجميع انهيار السودان في اي وقت فاذا بالثورة تندلع في طرابلس والقاهرة. وهذا لا يعني ان الخرطوم في مأمن من الثورة اذا نضجت أسبابها وتوفرت ظروفها ولكن للتدليل علي ان معايير الدولة الفاشلة لم تعد مقياسا دقيقا لانهيار الدول او بقائها لأنها معايير سياسية وليست موضوعية علمية. لهذا غمني تصريح وزيرة الاتصالات ليلة اجازة قانون حرية المعلومات اذ قالت انه بإجازة هذا القانون فان السودان سيتحسن تصنيفه في الشفافية العالمية، وليتها تمسكت بمبدأ ان هدف القانون هو استجابة لحق المواطن في الاطلاع علي معلومات الدولة كجزء من حقوقه الأساسية وليس هدفه استجابة لضغوط الشفافية الدولية ، لان السودان لو سن أفضل القوانين وتحلي بأجود المعايير والممارسات لما تحسن تصنيفه في القائمة لان معايير التصنيف سياسية وليست موضوعية.
///////////////
شاهد أيضاً
السودان بين حروب الموارد وأقنعة الهوية -قراءة لكتاب
زهير عثمانzuhair.osman@aol.comقراءة في كتاب د. محمد سليمان محمد على ضوء الحرب الجاريةفي خضمّ الحرب المدمّرة …
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم